بارزاني حذّر العراق… فهل يعيد التاريخ نفسه؟

حين يكون التحذير من أجل العراق، لا من أجل كوردستان وحدها

بارزاني حذّر العراق… فهل يعيد التاريخ نفسه؟
بارزاني حذّر العراق… فهل يعيد التاريخ نفسه؟

هناك مواقف سياسية لا يمكن فهمها من خلال اللحظة التي قيلت فيها، بل من خلال ما تكشفه الأيام والسنوات بعدها. ومن بين هذه المواقف تحذيرات الرئيس مسعود بارزاني من مخاطر الانسحاب الأمريكي من العراق.

فلم تكن تلك التحذيرات دفاعًا عن كوردستان وحدها، كما يحاول البعض تصويرها، بل كانت قراءة لمستقبل العراق وأمنه واستقراره. ففي عام 2011، حذّر الرئيس بارزاني من أن خروج القوات الأمريكية في ظل عدم جاهزية القوات العراقية قد يفتح الباب أمام صراعات داخلية وطائفية وتدخلات خارجية.

بعد سنوات قليلة، دخل العراق مرحلة جديدة من الاضطراب السياسي والأمني، وتمكن تنظيم داعش في عام 2014 من السيطرة على مدينة الموصل ومساحات واسعة من العراق، وتشرد مئات الآلاف من العراقيين، وواجهت البلاد واحدة من أصعب مراحل تاريخها الحديث.

وهنا تظهر قيمة التحذير الذي أطلقه الرئيس بارزاني قبل سنوات، فهو لم يتحدث عن خطر يهدد كوردستان فقط، بل حذّر من مستقبل العراق كله.

لقد أثبتت الأحداث أن المخاوف التي عبّر عنها الرئيس بارزاني عام 2011 لم تكن مجرد مبالغة سياسية، فداعش سيطر على مدن عراقية، وارتكب جرائم بحق مختلف المكونات، وأدخل البلاد في واحدة من أصعب مراحل تاريخها الحديث، وفي تلك المرحلة، كانت قوات بيشمركة كوردستان في مقدمة القوى التي واجهت داعش، ودافعت عن حدود الإقليم، ووفرت الحماية لآلاف النازحين والمكونات التي لجأت إلى كوردستان، وفي الوقت نفسه، دخلت كوردستان في أزمة مالية وسياسية مع بغداد، رغم أن أمن الإقليم كان جزءًا من المعركة ضد الإرهاب الذي هدد العراق كله.

وهنا سؤال بسيط: إذا كان أمن كوردستان جزءًا من أمن العراق، فلماذا يُنظر إلى أي تحذير يصدر من قيادة كوردستان بشأن أمن العراق وكأنه موقف ضد العراق؟

الشوفينية لا تحمي العراق: المشكلة ليست في أن يختلف أحد مع الرئيس بارزاني أو رئيس حكومة الإقليم مسرور بارزاني. فالاختلاف السياسي حق مشروع، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الاختلاف إلى شوفينية، وإلى تخوين لكل صوت كوردي يحذر من خطر يهدد العراق، والأغرب أن بعض الأصوات التي هاجمت الرئيس بارزاني ورئيس حكومة الإقليم مسرور بارزاني لم تناقش جوهر التحذير، ولم تسأل: هل العراق جاهز فعلًا لمرحلة ما بعد الانسحاب؟ وهل انتهى خطر الإرهاب؟ وهل انتهت مشكلة السلاح خارج إطار الدولة؟ بدلًا من ذلك، اختارت الهجوم على أصحاب التحذير.

قبل أن تهاجموا التحذير، ناقشوا الخطر. وقبل أن تخوّنوا الرئيس بارزاني، أجيبوا عن الأسئلة التي يطرحها، العراق لا يحتاج إلى خطاب يزيد الانقسام والطائفية والفوضى، ولا إلى أصوات تقسم العراقيين على أساس القومية والمذهب.
الإرهاب لا يسأل ضحيته إن كان كورديًا أو عربيًا، شيعيًا أو سنيًا، مسيحيًا أو إيزيديًا. والفوضى المسلحة لا تتوقف عند حدود قومية أو إدارية، ومن يرفض الطائفية لا يمكنه مواجهتها بخطاب طائفي، ومن يدّعي الدفاع عن وحدة العراق لا يمكنه بناء تلك الوحدة على إقصاء مكوّن أساسي من مكوناته.

يمكنكم أن تختلفوا مع الرئيس بارزاني، لكن اختلفوا معه بالحجة، لا بالشوفينية، المشكلة ليست في الانسحاب وحده، لا أحد يقول إن وجود القوات الأجنبية يجب أن يكون دائمًا. العراق دولة ذات سيادة، ومن حقه أن يقرر علاقاته الأمنية والعسكرية.

لكن السؤال الحقيقي ليس فقط: هل نريد القوات الأمريكية أم لا؟

السؤال هو: هل العراق جاهز فعلًا لليوم التالي؟

هل انتهت التهديدات الإرهابية؟ وهل أصبحت مؤسسات الدولة قادرة على حماية جميع العراقيين؟ وهل أصبح السلاح محصورًا بيد الدولة؟ وهل يمكن ضمان عدم ترك فراغ أمني تستغله التنظيمات الإرهابية أو الجماعات المسلحة؟
هذه ليست أسئلة كوردية، إنها أسئلة عراقية.

الرئيس بارزاني لا يخاف على كوردستان فقط، عندما يتحدث الرئيس مسعود بارزاني عن مخاطر مرحلة ما بعد الانسحاب، من السهل على البعض اختصار كلامه بالقول: "كوردستان تخاف"
لكن الحقيقة أبسط من ذلك، كوردستان ليست جزيرة منفصلة عن العراق، إذا استقر العراق، استفادت كوردستان، وإذا اضطرب العراق فلن تكون كوردستان بمنأى عن الاضطراب. وإذا عاد الإرهاب، فلن يتوقف عند حدود إدارية، ولهذا فإن تحذير بارزاني هو تحذير من اليوم التالي، وليس اعتراضًا على سيادة العراق.

ماذا تعلمنا من الموصل؟ تعلمنا أن تجاهل التحذيرات لا يلغي الخطر، وتعلمنا أن الفراغ الأمني يمكن أن يتحول إلى كارثة، وأن الانقسام الطائفي والسياسي، عندما يترافق مع ضعف مؤسسات الدولة، يفتح الباب أمام الإرهاب والفوضى، وتعلمنا أن العراق يحتاج إلى دولة قوية، ومؤسسات أمنية موحدة، وسلاح تحت سلطة الدولة، وشراكة حقيقية بين مكوناته.

لا تجعلوا الاختلاف مع الرئيس بارزاني اختلافًا مع العراق، يمكن أن يختلف العراقيون مع الرئيس مسعود بارزاني ومسرور بارزاني في ملفات كثيرة، وهذا أمر طبيعي، لكن تحويل كل موقف كوردي إلى مؤامرة على العراق لن يحل مشكلة واحدة.

الكورد جزء أصيل من العراق، وأمن كوردستان جزء من أمن العراق، وحماية بغداد لا تتحقق بإضعاف أربيل، كما أن حماية أربيل لا تتحقق بإضعاف بغداد، العراق بحاجة إلى الشراكة لا التخوين، وإلى الدولة لا تعدد مراكز القوة، وإلى احترام الدستور لا استخدامه وفق المصالح السياسية.

في عام 2011، حذّر الرئيس بارزاني من مخاطر الانسحاب في ظل عدم اكتمال جاهزية الدولة العراقية، وبعد سنوات، وفي عام 2014، سقطت الموصل وظهر داعش كتهديد خطير للعراق والمنطقة.

واليوم، مع اكتمال الانسحاب الأمريكي من العراق، يعود السؤال من جديد:
ماذا سيحدث للعراق بعد الانسحاب؟ ليس المطلوب الخوف، ولا رفض الانسحاب، ولا التمسك بالقوات الأجنبية إلى الأبد، المطلوب أن نتعلم من الماضي، وأن نمنع تكرار الأخطاء، وأن نضمن قدرة الدولة العراقية على حماية مواطنيها، ومواجهة الإرهاب، وحصر السلاح بيدها.

أما الذين يهاجمون الرئيس بارزاني لأنه يحذر من الخطر، فأقول لهم: لا ترفضوا التحذير لأن صاحبه كوردي. اقرأوا التحذير أولًا، ثم انظروا إلى التاريخ.

فالعراق لا يخسر عندما يستمع إلى تحذير، وإنما يخسر عندما تتحول الشوفينية إلى جدار يمنع رؤية الخطر.