شيركو حبيب
كاتب
الوحدة السياسية والتوحيد السياسي… ما الذي يحتاجه الكورد؟
في السياسة، هناك فرق كبير بين أن تتوحد القوى السياسية حول القضايا الوطنية الأساسية، وبين أن تتحول هذه القوى إلى موقف سياسي واحد في كل القضايا والتفاصيل. هذا الفرق قد يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه بالنسبة للكورد يمثل مسألة أساسية في إدارة حاضرهم وحماية مصالحهم في المستقبل.
لكورد لا يحتاجون إلى إلغاء الاختلاف السياسي، لأن الاختلاف جزء طبيعي من الحياة السياسية. ولا يمكن بناء مجتمع سياسي حي من دون تعدد في الأفكار والبرامج والرؤى، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الخلافات السياسية إلى انقسام في القضايا الوطنية والاستراتيجية، أو عندما يصبح الخلاف الداخلي وسيلة يستفيد منها الآخرون لإضعاف الموقف الكوردي، لذلك فإن الوحدة السياسية والتوحيد السياسي ليسا الشيء نفسه.
الوحدة السياسية تعني أن تستطيع القوى السياسية الكوردية، رغم اختلافاتها، الاتفاق على مجموعة من الثوابت والقضايا الأساسية، وأن تتحدث في الملفات المصيرية بموقف واضح يحفظ المصالح الوطنية.
أما التوحيد السياسي، إذا كان المقصود به أن تكون جميع الأحزاب والقوى السياسية متطابقة في رؤيتها وبرامجها ومواقفها من كل القضايا، فهذا أمر مختلف تمامًا، وقد يكون غير واقعي في مجتمع متعدد القوى والاتجاهات، الكورد بحاجة إلى الوحدة في القضايا التي تتعلق بمستقبلهم، وليس بالضرورة إلى التطابق في كل التفاصيل.
الاختلاف لا يعني الانقسام
من حق كل حزب كوردي أن تكون له رؤيته وبرنامجه وطريقته الخاصة في قراءة الأحداث. ومن الطبيعي أن تختلف القوى السياسية في تقييم بعض الملفات الداخلية أو في أساليب إدارة الحكم والعلاقات السياسية، لكن هناك قضايا تتجاوز حدود الحزب والحكومة والمعارضة، لأنها ترتبط بالمصلحة الوطنية العامة.
العلاقة بين بغداد وأربيل، الحقوق الدستورية لإقليم كوردستان، أمن الإقليم، البيشمركة، المناطق المتنازع عليها، ومستقبل العراق في ظل التحولات الإقليمية والدولية، كلها قضايا تحتاج إلى قدر من التفاهم الكوردي، حتى وإن اختلفت القوى السياسية في تفاصيلها، المشكلة ليست في أن يختلف الكورد، وإنما في أن يصبح اختلافهم الداخلي سببًا في إضعاف قدرتهم على الدفاع عن مصالحهم، وفي السياسة، الطرف الذي يدخل التفاوض منقسمًا لا يمتلك القوة نفسها التي يمتلكها الطرف الذي يعرف ما يريد، وما يقبله، وما يرفضه.
وحدة الموقف أقوى من وحدة الشعارات
الوحدة الحقيقية لا تقاس بعدد الاجتماعات والبيانات، ولا بالشعارات التي ترفع في المناسبات السياسية، وإنما تظهر عندما تواجه القضية الوطنية اختبارًا حقيقيًا، عندما تكون هناك قضية تتعلق بمستقبل كوردستان أو بحقوق شعبها، فإن المطلوب ليس أن يتخلى أي حزب عن هويته السياسية، وإنما أن تبحث القوى الكوردية عن مساحة مشتركة تستطيع من خلالها حماية المصالح العامة، وهنا تظهر أهمية الفرق بين وحدة الموقف و وحدة الفكر.
ليس مطلوبًا أن يفكر الجميع بالطريقة نفسها، ولكن المطلوب أن يعرف الجميع متى يكون الاختلاف مشروعًا، ومتى تصبح الوحدة ضرورة، قد تختلف الأحزاب في طريقة إدارة الاقتصاد، أو في تقييم أداء الحكومة، أو في البرامج الانتخابية، أو في الوسائل السياسية، وهذا جزء من التعدد السياسي، لكن عندما يتعلق الأمر بقضية وطنية كبرى، فإن تحويل الخلاف السياسي إلى مواقف متناقضة قد يؤدي إلى إضعاف القضية نفسها.
التاريخ يقدم دروسًا لا ينبغي تجاهلها
التاريخ السياسي الكوردي والعراقي مليء بالتجارب التي تؤكد أن الخلافات الداخلية يمكن أن تكون عامل قوة عندما تُدار داخل المؤسسات والحياة السياسية، لكنها قد تتحول إلى نقطة ضعف عندما تُستغل في الصراعات الكبرى، ولهذا فإن قراءة التاريخ ليست بهدف إعادة إنتاج الماضي، وإنما بهدف فهم الحاضر بصورة أفضل.
الكورد اليوم ليسوا أمام مرحلة عادية، العراق يتغير، والمنطقة تتغير، والعلاقات الدولية تمر بتحولات مستمرة. وأي تغيير في موازين القوى الإقليمية والدولية يمكن أن يترك أثره على العراق وكوردستان.
في مثل هذه الظروف، لا يكفي أن ينتظر الكورد نتائج الأحداث ثم يبحثوا عن موقف منها. المطلوب أن تكون لديهم قراءة مسبقة للسيناريوهات المحتملة، وأن تكون هناك مساحة من التفاهم حول كيفية التعامل معها.
الوحدة السياسية لا تقتصر أهميتها على داخل كوردستان، بل تمتد إلى العلاقة مع بغداد، عندما تتحدث الأحزاب والقوى الكوردية كل واحدة منها بموقف مختلف في القضايا المشتركة، يمكن أن تتحول القضية من تفاوض بين بغداد وأربيل إلى تفاوض بين بغداد وأحزاب كوردية منفردة، وهذا يغير طبيعة المعادلة السياسية، أما عندما يكون هناك موقف كوردي مشترك في القضايا الأساسية، فإن الحوار مع بغداد يصبح أكثر وضوحًا، وتصبح المطالب مرتبطة بمشروع وطني وليس بمصلحة حزب أو طرف سياسي بعينه، وهذا لا يعني أن تكون هناك جهة واحدة تتحدث باسم الجميع في كل شيء، وإنما يعني أن تكون هناك ثوابت وطنية واضحة، تستطيع القوى السياسية الدفاع عنها من مواقعها المختلفة.
كوردستان تحتاج إلى تعدد سياسي… وإلى وحدة وطنية
التعدد السياسي ليس مشكلة، بل يمكن أن يكون مصدر قوة لأي مجتمع، المشكلة تبدأ عندما يتحول التعدد إلى صراع دائم يمنع الاتفاق على المصالح المشتركة.
كوردستان تحتاج إلى أحزاب قوية، ومعارضة قوية، وبرلمان فاعل، ونقاش سياسي مفتوح، وفي الوقت نفسه تحتاج إلى موقف وطني موحد عندما يتعلق الأمر بالقضايا المصيرية.
وهذا هو التوازن المطلوب:
تعدد في الداخل، ووحدة في القضايا الوطنية الأساسية.
اختلاف في البرامج، واتفاق على الثوابت.
تنافس سياسي، من دون أن يتحول التنافس إلى إضعاف للمشروع الوطني.
إن الوحدة السياسية التي يحتاجها الكورد ليست إلغاءً للاختلاف، كما أن التوحيد السياسي لا ينبغي أن يعني إلغاء التعدد. المطلوب هو بناء ثقافة سياسية تستطيع أن تجمع بين الأمرين: ديمقراطية تسمح بالاختلاف، ووطنية تعرف متى يصبح الاتفاق ضرورة.
وفي النهاية، ليس المطلوب أن يكون الكورد حزبًا واحدًا، ولا أن تكون لهم رؤية واحدة في كل شيء.
المطلوب أن يعرفوا متى يختلفون، ومتى يتفقون، وعلى ماذا يتفقون.
ففي القضايا الداخلية، يمكن أن تتعدد الرؤى والمواقف، أما في القضايا التي تمس مستقبل كوردستان وحقوق شعبها وأمنها ومكانتها، فإن الوحدة السياسية تصبح ضرورة، لأن قوة الموقف لا تأتي دائمًا من تطابق الأفكار، وإنما من القدرة على تحويل الاختلاف إلى تعدد سياسي، وتحويل القضايا الوطنية إلى موقف مشترك.