شيركو حبيب
كاتب
مسعود بارزاني: :إذا لم نعتمد على أنفسنا فلن يحمينا أحد"
ليست كل العبارات التي يقولها السياسيون تمرّ مروراً عابراً. بعضها يولد من لحظة سياسية محددة، لكنه يتجاوز تلك اللحظة ليصبح تعبيراً عن تجربة طويلة وذاكرة مليئة بالدروس، ومن هذا النوع جاءت عبارة الزعيم مسعود بارزاني: "إذا لم نعتمد على أنفسنا فلن يحمينا أحد"
هذه ليست دعوة إلى الانعزال، وليست رفضاً للعلاقات الدولية أو للتحالفات، وإنما هي، قبل كل شيء، رفض لفكرة أن يكون مستقبل شعب ما مرهوناً بإرادة الآخرين. فالتاريخ أثبت أن الدول والقوى الكبرى لا تتحرك بدافع العاطفة، وإنما وفق مصالحها وحساباتها. قد تكون صديقاً اليوم وحليفاً في لحظة معينة، لكن الظروف تتغير، والمصالح تتبدل، والتحالفات نفسها يمكن أن تتغير عندما تتغير الأولويات. ولذلك فإن التعويل الكامل على قوة خارجية يعني، في جوهره، تسليم جزء من القرار الوطني إلى طرف آخر.
من هنا تأتي صلابة رسالة الزعيم بارزاني.
اختار الزعيم مسعود بارزاني، خلال مراسم تخرج الدورة العشرين لمعهد إعداد كوادر الحزب الديمقراطي الكوردستاني في أربيل يوم 4 تشرين الأول/أكتوبر 2026، أن يوجه إلى الكوادر المتخرجة رسالة تتجاوز حدود المناسبة الحزبية. فقد قال بوضوح :إذا لم نعتمد على أنفسنا، فلن يحمينا أحد، داعياً إلى ترسيخ الثقة بالنفس لدى كل فرد كوردي.
فالشعب الذي لا يمتلك إرادته، ولا يحافظ على وحدته، ولا يستطيع الدفاع عن تجربته، لا يستطيع أن يطلب من الآخرين أن يفعلوا ذلك نيابة عنه. أما الدعم الخارجي، مهما كان مهماً، فيبقى دعماً، ولا يمكن أن يتحول إلى بديل عن القوة الذاتية.
وهذه الفكرة ليست جديدة في التاريخ الكوردي. فالتجربة الكوردية، على امتداد عقود طويلة، شهدت لحظات وقف فيها الحلفاء إلى جانب الكورد، كما شهدت لحظات وجدوا فيها أنفسهم أمام تغيرات مفاجئة في مواقف القوى التي راهنوا عليها. والدرس الذي تكرر أكثر من مرة هو أن الاعتماد على الآخرين وحدهم لا يصنع مستقبلاً آمناً.
لكن الاعتماد على النفس لا يعني القوة العسكرية وحدها. إنه يعني أن يكون هناك مجتمع يمتلك الثقة بنفسه، ومؤسسات قادرة على الصمود، وقيادة تدرك طبيعة المنطقة، وكوادر تعرف تاريخها ولا تفقد بوصلتها أمام الأزمات، ويعني أيضاً أن يدرك الإنسان الكوردي أن حماية ما تحقق ليست مسؤولية الآخرين، وإنما مسؤولية الجيل الذي يعيش هذه المرحلة.
ولهذا فإن توجيه هذه الرسالة إلى كوادر الحزب يحمل دلالة خاصة. فالكادر السياسي ليس مجرد شخص يحمل صفة حزبية، بل هو جزء من منظومة يفترض أن تكون قادرة على حماية الوعي السياسي للمجتمع، خصوصاً عندما تشتد الأزمات، وتكثر الضغوط، وتتضارب المصالح.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي حركة سياسية ليس ضعف الإمكانات فقط، وإنما فقدان الثقة بالنفس. حين يقتنع المجتمع بأن مصيره بيد الآخرين، يبدأ التراجع من الداخل قبل أن يأتي الخطر من الخارج. أما حين يثق بقدرته على الصمود، فإنه يستطيع أن يستفيد من أصدقائه دون أن يصبح أسيراً لهم، وأن يدخل في تحالفات دون أن يفقد قراره، وأن يتعامل مع القوى الدولية والإقليمية من موقع يعرف فيه مصالحه وحدوده.
وهنا يمكن فهم عبارة الزعيم بارزاني بمعناها الأوسع: لا تنتظر أن يأتي الآخرون لإنقاذك، بل كن مستعداً لحماية نفسك، وعندها يصبح الآخرون شركاء لا أوصياء.
هذه المعادلة مهمة في السياسة الكوردية بصورة خاصة، لأن القضية الكوردية ارتبطت تاريخياً بتوازنات إقليمية ودولية معقدة. ولذلك فإن بناء العلاقات مع الدول الكبرى ودول الجوار أمر ضروري، لكن الضروري بالقدر نفسه هو ألا تتحول تلك العلاقات إلى حالة انتظار دائم لما ستقرره العواصم الأخرى، فالدول تحمي مصالحها أولاً، والشعوب التي تريد أن تحافظ على مصالحها يجب أن تمتلك من عناصر القوة ما يجعل الآخرين يأخذونها بجدية، إن الاعتماد على النفس لا يعني أن الكورد بلا أصدقاء، بل يعني أن الصديق لا يستطيع أن يكون أقوى من إرادتك أنت في تقرير مصيرك.
وهذا هو الفارق بين التحالف والتبعية.
التحالف يمنحك قوة إضافية، أما التبعية فتسلبك جزءاً من قوتك. التحالف يقوم على المصالح المتبادلة، أما انتظار الحماية فيجعل مستقبل طرف مرتبطاً بإرادة طرف آخر، ولذلك تبدو عبارة الزعيم بارزاني، في توقيتها ومضمونها، موجهة ليس فقط إلى كوادر حزبه، وإنما إلى جيل كامل نشأ في مرحلة مختلفة من تاريخ كوردستان، جيل لم يعش كل تفاصيل المراحل الصعبة التي سبقت قيام المؤسسات الحالية، لكنه مطالب بأن يعرف أن ما تحقق لم يكن هدية من أحد، وأن الحفاظ عليه يحتاج إلى وعي واستعداد ومسؤولية.
إن التاريخ لا يقدم ضمانات دائمة لأي شعب.
الضمان الحقيقي هو أن يمتلك الشعب القدرة على الصمود عندما تتغير الظروف. قد يتغير الحليف، وقد تتغير الحكومة، وقد تتبدل موازين القوى، وقد تنسحب قوة دولية أو تدخل قوة أخرى، لكن ما يبقى في النهاية هو قدرة المجتمع على حماية وجوده، ووحدته، ومصالحه، وقراره، ولهذا فإن العبارة الأهم في حديث الزعيم بارزاني ليست فقط ، لن يحمينا أحد، وإنما الجزء الذي يسبقها: إذا لم نعتمد على أنفسنا، فالرسالة تبدأ من الداخل، من كل شخص ومن نفسه: أن يبني قوته، ويحافظ على وحدته، ويثق بقدرته، ثم يفتح أبوابه للأصدقاء والحلفاء. أما انتظار أن يأتي الآخرون في اللحظة الأخيرة لإنقاذك، فهو رهان لا يستطيع التاريخ أن يضمن نتيجته، وفي السياسة، كما في التاريخ، من لا يملك عناصر القوة لحماية قراره، قد يجد نفسه يوماً مضطراً إلى قبول قرارات يصنعها الآخرون. ولهذا فإن «الاعتماد على النفس» ليس شعاراً عاطفياً، بل قاعدة من قواعد البقاء.