شيركو حبيب
كاتب
بارزاني في القاهرة. حين التقي زعيم كوردستان بزعيم مصر
هناك أيام في التاريخ لا تشبه غيرها، ليس لأنها شهدت معركة، أو توقيع معاهدة، أو سقوط نظام، وإنما لأنها جمعت، في لحظة واحدة، شخصيات وأحداثًا أصبحت، مع مرور الزمن، جزءًا من ذاكرة الشعوب.
والخامس من تشرين الأول/أكتوبر 1958 واحد من هذه الأيام في الذاكرة الكوردية، بما حمله من أصداء استقبال القاهرة للزعيم الكوردي الخالد ملا مصطفى بارزاني، في طريق عودته إلى العراق بعد سنوات طويلة قضاها في المنفى السوفيتي.
ففي تلك الأيام، كان بارزاني يشق طريق عودته إلى العراق بعد رحلة شاقة بدأت إثر انهيار جمهورية مهاباد والحركة الكوردية في أربعينيات القرن العشرين، وانتهت بسنوات طويلة من المنفى في الاتحاد السوفيتي. وفي طريق عودته إلى وطنه، كانت القاهرة إحدى أهم محطاته، وهناك التقى بالرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر.
وتشير مصادر ووثائق معاصرة إلى أن بارزاني وصل إلى القاهرة في أوائل تشرين الأول/أكتوبر 1958 قادمًا من براغ، والتقى عبد الناصر في تلك الأيام، قبل أن يواصل رحلته إلى العراق ويصل بغداد في السادس من أكتوبر، ولم يكن من قبيل المصادفة أن تكون القاهرة إحدى أبرز محطات هذه الرحلة.
القاهرة وبارزاني.. لقاء يتجاوز البروتوكول
في عام 1958، كانت القاهرة عاصمة ذات ثقل سياسي وفكري كبير في الشرق الأوسط، وكان الزعيم الخالد الذكر جمال عبد الناصر قد أصبح أحد أبرز رموز مرحلة التحرر الوطني ومناهضة الاستعمار في العالم العربي، وفي المقابل، كان اسم الزعيم الكوردي الجنرال ملا مصطفى بارزاني قد تجاوز حدود العراق منذ سنوات، فقد أصبح رمزًا بارزًا للحركة القومية الكوردية، وقائدًا ارتبط اسمه بتاريخ طويل من المقاومة والنضال من أجل حقوق الشعب الكوردي، لذلك فإن استقبال عبد الناصر لبارزاني لم يكن مجرد لقاء بروتوكولي بين رئيس دولة وزعيم عائد من المنفى، بل كان، في رمزيته، لقاءً بين القاهرة والقضية الكوردية. وكان بارزاني نفسه يحمل تقديرًا واضحًا للتجربة المصرية. فقد عبّر عن تأثر الكورد بالثورة المصرية، ورأى في القاهرة الثورية نموذجًا مهمًا لشعوب المنطقة، وربط بين نضال الكورد ونضال الشعوب العربية ضد الاستعمار والهيمنة الأجنبية، وهنا تكمن إحدى أهم دلالات ذلك اللقاء.
بارزاني لم يدخل القاهرة لاجئًا.. بل دخلها زعيمًا
بعد أكثر من عقد في المنفى، كان المشهد يحمل معنى يتجاوز المكان والزمان، الرجل الذي خرج من العراق في ظروف قاسية عاد الآن إلى المنطقة، وقبل أن يصل إلى وطنه، كان في ضيافة رئيس مصر.
لقد تغيرت الظروف.
لم يعد بارزاني مجرد قائد عائد من المنفى، بل أصبح رمزًا سياسيًا وقوميًا تجاوز حضوره حدود العراق، وأصبحت القوى الدولية تتابع عودته إلى بلاده باهتمام كبير.
وتكشف الوثائق الدبلوماسية الأمريكية و البريطانية في تلك الفترة مدى أهمية عودته، إذ كانت واشنطن تتابع نفوذه بين الكورد العراقيين، وتعتبر عودته عاملًا يمكن أن يؤثر بصورة كبيرة في مستقبل العراق واستقراره، وهذا بحد ذاته يوضح أن استقبال القاهرة له لم يكن حدثًا هامشيًا.
عبد الناصر وبارزاني.. اختلاف القوميات وتقاطع التحرر
قد يبدو للوهلة الأولى أن عبد الناصر وبارزاني ينتميان إلى مشروعين قوميين مختلفين: الأول يقود مشروع القومية العربية، والثاني يحمل مشروع الحركة القومية الكوردية، لكن التاريخ لا يُقرأ فقط من خلال نقاط الاختلاف، ففي تلك المرحلة كان الزعيمان يتحركان في منطقة تشهد نهاية مرحلة الاستعمار التقليدي وصعود حركات التحرر الوطني، وكان مفهوم الاستقلال والكرامة الوطنية ورفض الهيمنة الأجنبية حاضرًا بقوة في خطاب المنطقة، ومن هنا يمكن فهم أهمية اللقاء.
لم يكن المطلوب أن يصبح المشروع العربي مشروعًا كورديًا، أو أن يتخلى الكورد عن خصوصيتهم القومية، وإنما كانت هناك إمكانية للقاء حول مفهوم أوسع: حق شعوب المنطقة في أن يكون لها صوت ومكان وكرامة في مستقبلها، وهذا ما جعل صورة بارزاني في القاهرة تحمل دلالة خاصة في الذاكرة الكوردية.
من القاهرة إلى بغداد.. من المنفى إلى الوطن
لم تتوقف أهمية الرحلة عند القاهرة، فبعد المحطة المصرية، واصل بارزاني طريقه إلى العراق، ووصل بغداد في السادس من أكتوبر 1958، حيث كان استقباله حدثًا جماهيريًا كبيرًا، وجاءت عودته إلى العراق عقب ثورة الرابع عشر من تموز/يوليو 1958.
وهكذا اكتملت واحدة من أكثر الرحلات رمزية في تاريخ الحركة الكوردية الحديثة: من بارزان إلى المنفى، ومن المنفى إلى موسكو، ومن موسكو إلى القاهرة، ومن القاهرة إلى بغداد، ومن بغداد إلى كوردستان.
لم تكن مجرد رحلة جغرافية، بل كانت رحلة قائد عاد بعد سنوات الغياب ليجد نفسه في قلب مرحلة سياسية جديدة.
ماذا يعني استقبال عبد الناصر لبارزاني للكورد؟
إن أهمية اللقاء لا تكمن فقط في شخص عبد الناصر أو شخص بارزاني، وإنما في الرسالة التي حملتها الصورة، فحين يجلس زعيم كوردي في القاهرة إلى جانب رئيس مصر، فإن القضية الكوردية تظهر في عاصمة عربية كبرى، لا بوصفها شأنًا بعيدًا عن العالم العربي، وإنما بوصفها قضية لها حضورها السياسي والإنساني.
وقد أصبحت هذه اللحظة لاحقًا إحدى الصور التي يُستشهد بها عند الحديث عن العلاقات الكوردية–المصرية في التاريخ المعاصر، ولم يكن اللقاء سياسيًا باردًا خاليًا من البعد الإنساني، فقد بقيت صورة بارزاني في ذاكرة عبد الناصر، الذي نُقل عنه وصفه بأنه كان رجلًا ذا هيئة مهيبة، وأن أكثر ما لفت انتباهه عيناه الحادتان وملامح وجهه القوية، وهي شهادة تختصر، في كلمات قليلة، الحضور الشخصي الذي كان يتمتع به الزعيم الكوردي.
ليس كل ما في التاريخ يُقاس بالنتائج السياسية
قد يختلف المؤرخون في تفسير أهداف اللقاء وحدوده السياسية، وقد تختلف القراءات حول علاقة القاهرة بالقضية الكوردية في المراحل اللاحقة.
لكن هناك حقيقة لا تحتاج إلى مبالغة: بارزاني دخل القاهرة في لحظة تاريخية، واستقبله عبد الناصر، ثم واصل طريقه إلى العراق ليبدأ مرحلة جديدة من حياته السياسية، ولهذا، فإن قيمة الحدث ليست في الادعاء بأن لقاءً واحدًا غيّر تاريخ القضية الكوردية، وإنما في إدراك أنه كان جزءًا من تحولات أكبر كانت تعيد رسم العلاقات بين القوى القومية والتحررية في الشرق الأوسط.
5 تشرين الأول. ذاكرة لا ينبغي أن تُنسى
بعد عشرات السنين، تبقى بعض الصور أقوى من آلاف الصفحات، صورة بارزاني في القاهرة، واقفًا إلى جانب جمال عبد الناصر، تختصر مرحلة كاملة، رجل خرج من وطنه قبل سنوات، وعاش مرارة المنفى، ثم عاد يحمل معه ذاكرة شعبه، ورئيس مصري يستقبله في القاهرة، في لحظة كانت المنطقة كلها تبحث فيها عن مستقبل جديد.
لهذا، فإن الخامس من تشرين الأول ليس مجرد تاريخ في التقويم، إنه تاريخ تستعيد فيه الذاكرة الكوردية صورة قائدها وهو يعبر من مرحلة المنفى إلى مرحلة العودة، وتستعيد فيه الذاكرة المصرية مشهد استقبال شخصية كوردية أصبحت لاحقًا من أبرز رموز تاريخ الكورد في العراق.
وإذا كان التاريخ هو ذاكرة الشعوب، فإن بعض اللحظات تصبح جسورًا بين الشعوب أيضًا، وهكذا كانت القاهرة، في خريف عام 1958، أكثر من محطة في طريق بارزاني إلى بغداد، كانت جسرًا رمزيًا بين الكورد ومصر، وبين القضية الكوردية والفضاء العربي، وبين سنوات المنفى وبداية العودة إلى الوطن.
وفي الخامس من تشرين الأول، حين نستعيد ذلك المشهد، فإننا لا نستعيد لقاء رجلين فحسب، بل نستعيد لحظة من تاريخ الشرق الأوسط، عندما التقت في القاهرة شخصية كوردية خرجت من سنوات المنفى برئيس مصري كان يقود مرحلة كاملة من التحولات العربية.
بارزاني في القاهرة... وعبد الناصر في ذاكرة الكورد. تلك ليست صورة عابرة من أرشيف عام 1958، إنها صفحة من تاريخ العلاقة بين شعبين، بقيت صورتها حية رغم تغير الأزمنة والأنظمة والحدود.