شيركو حبيب
كاتب
هل تستطيع بغداد وأربيل سدّ الفراغات الأمنية في المناطق المتنازع عليها؟
ليست المشكلة في المناطق المتنازع عليها أن بغداد وأربيل لا تعرفان مخاطرها، بل إنهما لم تتوصلا حتى الآن إلى صيغة مستقرة تنهي التعقيد الأمني والإداري الذي يميز هذه المناطق، ومع تغير شكل الوجود العسكري للتحالف الدولي في العراق، يعود هذا الملف إلى الواجهة، ليس بوصفه خلافًا دستوريًا مؤجلًا فحسب، بل باعتباره اختبارًا لقدرة المؤسسات الأمنية على التعامل مع واقع لا تنسجم فيه حدود المسؤولية دائمًا مع طبيعة التهديد.
في مناطق مثل كركوك وأطراف نينوى وديالى وصلاح الدين، لا تتحدد المخاطر وفق الخرائط الإدارية وحدها، فالمناطق المفتوحة والطرق النائية وتداخل السلطات تجعل السيطرة الأمنية مسألة تحتاج إلى معرفة دقيقة بالأرض، وإلى معلومات متبادلة، وإلى قرار يستطيع التحرك قبل وقوع الهجوم، لا بعده.
وهنا تكمن المفارقة: قد تكون القوات موجودة على جانبي منطقة ما، لكن وجودها لا يضمن وحده إغلاق الثغرات. فإذا كانت المعلومات لا تصل في الوقت المناسب، أو لم تكن المسؤوليات محددة بوضوح، فإن المسافة بين موقعين أمنيين قد تتحول إلى مساحة تستغلها الخلايا الإرهابية.
المعضلة ليست عسكرية فقط
من الخطأ اختزال المشكلة في عدد القوات أو نوع الأسلحة المتاحة لها. فالقوات العراقية تمتلك مؤسسات وإمكانات عسكرية واستخبارية، والبيشمركة لديها خبرة ميدانية ومعرفة بطبيعة مناطق واسعة من كوردستان والمناطق المحيطة بها. لكن السؤال الأهم هو: كيف يمكن تحويل هذه الإمكانات المتفرقة إلى منظومة عمل متكاملة؟
الإجابة تبدأ من تحديد المسؤوليات على الأرض، وتبادل المعلومات الاستخبارية، ووضع آليات ثابتة لمعالجة أي تحرك مشبوه في المناطق التي تتداخل فيها الاختصاصات. كما تتطلب تقييمًا مشتركًا للمخاطر، بدل أن يبني كل طرف تقديراته الأمنية بمعزل عن الطرف الآخر.
ولا يعني ذلك بالضرورة إنشاء ترتيبات شكلية جديدة أو الاكتفاء بالإعلان عن غرف عمليات مشتركة. الأهم هو أن تكون هناك صلاحيات واضحة، وقنوات اتصال فعالة، وقدرة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب. فنجاح التنسيق لا يُقاس بعدد الاجتماعات، بل بقدرته على منع الهجمات وتقليص المساحات التي يمكن أن تتحرك فيها الجماعات الإرهابية.
حين تتداخل السياسة مع الأمن
تزداد صعوبة هذه المهمة لأن المناطق المتنازع عليها ليست مجرد مساحات جغرافية، بل ترتبط بقضايا الإدارة والتمثيل والحقوق الدستورية، وفي مقدمتها المادة 140. ولهذا، فإن أي ترتيب أمني فيها قد يُقرأ أحيانًا من زاوية سياسية، حتى عندما تكون دوافعه مرتبطة بحماية السكان.
هذه الحساسية لا يمكن تجاهلها، لكنها لا ينبغي أن تمنع معالجة المخاطر القائمة. فالتعاون بين القوات الاتحادية والبيشمركة لا يحسم وحده مستقبل هذه المناطق، كما أن استمرار الخلاف السياسي لا يعفي الطرفين من مسؤولية حماية أهلها.
المطلوب هو التمييز بين مسارين: مسار سياسي يعالج الخلافات الدستورية والإدارية، ومسار أمني يستجيب للتهديدات الفعلية وفق صلاحيات قانونية واضحة. وقد يتقدم أحد المسارين بوتيرة مختلفة عن الآخر، لكن تعطيل الثاني انتظارًا لتسوية الأول يترك السكان أمام مخاطر لا علاقة لهم بصنعها.
وفي المقابل، ينبغي ألا تتحول الضرورات الأمنية إلى وسيلة لفرض أمر واقع سياسي أو تجاوز الحقوق الدستورية لأي طرف. فالتنسيق الناجح هو الذي يحمي المواطنين، ويحترم الاختصاصات، ويمنع استغلال الأمن في الصراع السياسي.
ما بعد التحالف: مسؤولية لا يمكن تأجيلها
إن تغير دور التحالف الدولي يضع المؤسسات العراقية أمام مسؤوليات أكبر، لكنه لا يعني أن انتهاء مهمة عسكرية يؤدي تلقائيًا إلى ظهور فراغ أمني في كل منطقة. فالأمر يتوقف على طبيعة الترتيبات التي رافقت هذا التغيير، وعلى قدرة القوات المعنية على الاستمرار في تبادل المعلومات وملاحقة التهديدات.
ومن هنا، ينبغي أن تنصب جهود بغداد وأربيل على تحديد المناطق الأكثر تعرضًا للخطر، ومراجعة آليات الانتشار الأمني فيها، ومعالجة نقاط الضعف في المراقبة والاستجابة. كما أن مواجهة داعش لا تنفصل عن متابعة مصادر تمويله وشبكات دعمه وقدرته على استغلال الظروف المحلية، وهي مهام تحتاج إلى تعاون يتجاوز حدود الدوريات الميدانية.
وثمة تحدٍّ آخر لا يقل أهمية: ضمان ألا يتأثر التعاون الأمني بكل أزمة سياسية جديدة بين الطرفين. فالتفاهم الذي يعتمد على هدوء العلاقات وحده يظل هشًا، بينما تحتاج المناطق المعقدة إلى قواعد عمل تستمر حتى في أوقات الخلاف.
الاختبار في الميدان
لا تحتاج بغداد وأربيل إلى إعلان اتفاق جديد بقدر حاجتهما إلى إثبات أن الترتيبات القائمة قادرة على حماية المناطق المعرضة للخطر، وأن أي ثغرة يمكن تحديدها ومعالجتها قبل أن يستغلها داعش أو غيره من الجماعات المسلحة.
ويقتضي ذلك وضوحًا في المسؤوليات، وتعاونًا استخباريًا مستمرًا، وتنسيقًا ميدانيًا يستند إلى تقييم حقيقي للتهديدات، مع احترام الدستور وعدم تحويل الانتشار الأمني إلى أداة للتنافس السياسي.
أما السؤال الذي يظل مفتوحًا فهو: هل تستطيع بغداد وأربيل التعامل مع أمن المناطق المتنازع عليها باعتباره مسؤولية مؤسسية مستمرة، أم سيبقى مرتبطًا بمستوى التفاهم السياسي بينهما؟
الإجابة لن تحدد مستقبل العلاقة بين الطرفين وحدها، بل ستؤثر أيضًا في أمن سكان هذه المناطق وفي قدرة الدولة على منع عودة الإرهاب إلى مساحات سبق أن استغلها.
فالمعيار الحقيقي ليس من يفرض حضوره في المناطق المتنازع عليها، بل مدى قدرة المؤسسات المعنية على حماية سكانها، ومنع تحول تعقيداتها السياسية والجغرافية إلى ثغرات أمنية.