د. بسام مفتن اوحيد اللامي
استاذ جامعي
نهر دجلة ... تاريخ للحياة وحاضرملوث ومستقبل مجهول
لطالما اعتبر نهر دجلة احد رموز الحياة والقداسة في بلاد مابين النهرين فكان مصدرا للزراعة والعيش الكريم وأحد اسباب الوفرة في المحصول منذ الخليقة وتغنت به كل نقوش الحضارات السابقة التي بنيت في العراق وأصبحت تتخذ منه مصدرا من مصادر الالهة المقدسة التي تتلطف بها على الشعوب بالخير والبركة والرزق الوفير.
ومع تقدم السنين وتعاقب الحضارات لم تخلوا قصص التاريخ عن الحديث عن نهر دجلة في عصر صدر الاسلام وما تلاه وصولا الى وقتنا الحاضر حيث خٌلد نهر دجلة بالقصص والحكايات والأحداث والقصائد الشعرية فقال الجواهري ( حييت سفحك عن بعد فحييني يا دجلة الخير يا ام البساتين ) وذكرته نازك الملائكة ( أين نمضي ؟ انه يعدو الينا راكضا عبر حقول القمح لا يلوي خطاه ).
من هنا يمكن لأي شخص حتى وان لم تتفتح عيناه على هذا النهر حتى وان كان في اقصى المشرق او الغرب ان يتصور مصدر النقاء في مياه هذا النهر وقدرته على بث الحياة والجمال في الارض ومن يسكنها ويمكن ايضا ان يتذوق عذوبته من القصص والحكايات والقصائد وان يتخيل ما يحتويه من كنوز , ولكن .....
لكن جاءت في العراق حقبة يعاني فيها هذا النهر الاهمال وسوء الادارة والتجاوز على محرماته الجغرافية والبيئية والصحية وغيرها, حيث يعاني النهر في السنوات الاخير من ازمة وظاهرة تلوث تخطت كل القوانيين البيئية والصحية والانسانية دون وجود جهة مسؤولة .
وتتلخص مصادر التلوث بالاتي :-
وزارة البلديات (مياه الصرف الصحي) : كان للتخطيط العمراني الخاطىء للحكومات المتعاقبة على العراق ووزاراتها وسوء ادارة مياه الصرف الصحي دورا كبيرا ومصدرا من اهم مصادر التلوث في نهر دجلة, حيث كانت دوائر البلدية والحكومات المحلية المتعاقبة تعتبر نهر دجلة مصدرا اساسيا لتصريف مياه الصرف الصحي والمجاري من المدن والاحياء السكنية باتجاه هذا النهر المقدس وتم رسم خرائط مجاري تصريف المياه الثقيلة لتلقي ملايين الامتار المكعبة من الملوثات في مياه النهر الذي يتخذه العراقيون مصدرا لمياه الشرب لسقي المزروعات, وتتراكم هذه الملوثات ويزداد تركيزها باكثر مدن العراق زخما بالسكان ( العاصمة بغداد ) نزولا الى محافظات الوسط والجنوب تماشيا مع اتجاه مجرى النهر الذي ينقل الملوثات من الشمال باتجاه هذه المدن.
كما لا ننسى اخطاء التصاميم القديمة والتجاوزات على شبكات تصريف مياه الامطار حيث ان الكثير من المواطنيين يستخدمون شبكات مياه الامطار لتصريف المياه الثقيلة والصرف الصحي مع اهمال متعمد من الجهات الحكومية ذات العلاقة.
ولا يخفى ان هناك محاولات لتصاميم حديثة حول انشاء محطات عزل وتصفية المياه لكنها لا ترتقي لمستوى الطموح ولا تحقق الطلب ولا تعمل بالشكل الصحيح
وزارتي الصناعة والنفط ( مخرجات المصانع والشركات النفطية) : هناك تقصير من الوزارتين في الجانب الرقابي والخدمي حيث انها لم تتابع اجازات الاستثمار وبناء المصانع والمعامل واجازات الاستخراج النفطي للشركات النفطية وغيرها ولا يوجد متابعة حول طبيعة عملها وطرق تصريف مخرجات الانتاج من مياه المعامل التي تمتاز بتلوثها الكبير والخطير بالعناصر الثقيلة مثل ( الرصاص والزئبق والخارصين وغيرها ...) وهذه العناصر لا يمكن تحللها بمرور الزمن وتنتقل من مياه السقي الى النباتات ثم الى الانسان والتي تسبب امراض سرطانية وامراض اخرى مستعصية مثل الفشل الكلوي وغيرها وهذا ما ثبت بالدليل العلمي القاطع في ابحاث طلبة الدراسات العليا والابحاث العلمية الاخرى حول انتقال هذه العناصر وتراكيزها العالية.
وزارة التعليم العالي والبحث العلمي: لم يسبق لاحد ان يتطرق الى ما تسببه مؤسسات هذه الوزارة من تلوث في مياه النهر حيث ان اغلب الجامعات العراقية لاتوجد فيها محطات عزل وتنقية المياه تعمل بالشكل الصحيح رغم ما تلقيه مختبرات هذه الجامعات من مواد مسرطنة مثل بروميد الايثيديوم ( Ethedium promide ) التي تستخدم في تجارب ترحيل DNA في المختبرات ومواد نانوية ومواد بايولوجية من تجارب استزراع البكتريا والفطريات والفايروسات وغيرها وتكثر هذه المواد في مختبرات كليات الطب والصيدلة والعلوم والزراعة مع عدم وجود رقابة او اهتمام حول تلف هذه المواد في المختبرات وكذلك عدم وجود رقابة حول طريقة تصريف مياه مجاري هذه المختبرات والتي ربما تلقى بشكل مباشر في مياه نهر دجلة بسبب عدم وجود محطات تصفية تعمل بشكل صحيح او عدم ادامتها او ربما عدم تصريف مياه هذه المختبرات التخصصية بشكل مستقل بعيدا عن مياه نهر دجلة.
وزارة الصحة : يتمثل تلوث مؤسسات وزارة الصحة لمياه نهر دجلة بمخلفات المختبرات والادوية الاشعاعية والبايولوجية ومخلفات الصرف الصحي للمرضى التي تطرح مع مياه المجاري لمستشفيات الاهلية والحكومية في نهر دجلة حيث ان مؤسسات وزارة الصحة تتطرق دائما لعمليات حرق المخلفات الطبية وعمليات الطمر الصحي لكنها لا تعير اي اهتمام للمخلفات السائلة التي تنقل بشبكة المجاري, كما انه في بعض مواسم زيادة الامطار والفيضانات التي تسبب طفح في مجاري المستشفيات واختلاطها مع مياه الامطار ثم تصريفها الى نهر دجلة ولا ننسى وجود مشاريع اسالة لمياه الشرب قرب هذه المؤسسات .
وزارة الزراعة : المبيدات التي توزع على الفلاحين والعبوات الفارغة لهذه المبيدات وكذلك مياه البزل الخارجة من الحقول التي رشت بمبيدات ادغال او مبيدات حشرية او فطرية وغيرها, هذه المبيدات تنقل من الحقول الى مياه نهر دجلة وبعض هذه المبيدات لاتتحلل بالظروف الطبيعية, كما انه لا يوجد ورش توعوية او برامج ارشادية حول طريقة التخلص من مياه البزل او طرق التعامل مع المبيدات.
وزارة البيئة : دور وزارة البيئة حول تلوث مياه نهر دجلة وغيرها من الملوثات البيئية في المياه والهواء والتربة يكاد يكون معدوم ولا نجد اي تحركات حقيقية حول التثقيف او تطبيق القوانيين البيئية بحق المخالفين ورفع دعاوى قضائية او اعداد برامج وورش توعوية بهذا الخصوص او متابعة المؤسسات وتفعيل اللجان التفتيشية والرقابية.
المواطن : ان قلة الوعي والمواطنة والشعور بالمسؤولية الدينية والقانونية والوطنية والثقافية تجعل المواطن اكبر مساهم في تلوث مياه نهر دجلة من خلال التجاوزات البيئية وما يلقيه من مخلفات غير صحية مثل الحيوانات النافقة ومخلفات البلاستيك ومخلفات كيميائية وغيرها وهذا يتطلب وعي ديني من قبل المنابر الدينية ووعي قانوني وبيئي وهذا دور وزارتي البيئة والداخلية ووعي ثقافي الذي يكون على عاتق شبكة الاعلام العراقي ووزارة الثقافة والمنابر الاخرى.
قلة الاطلاقات المائية :ان قلة الاطلاقات المائية وظاهرة الجفاف وقلة الامطارمع قلة جريات المياه وزيادة التبخر في مواسم ارتفاع درجات الحرارة يتسبب في زيادة تركيز الملوثات نسبة الى مياه النهر وهذا بدورة يتسبب في تراكمها, وان زيادة نسب التراكيز تصل الى حد تغير لون مياه النهر الطبيعي هذا مع وجود محطات اسالة لضخ مياه الشرب والاستخدام البشري من نفس النهر وقريبة على مصدر التلوث.
الكوارث البيئية والفيضانات: تعتبر احدى مصادر التلوث كما حصل عند زيادة مناسيب احدى روافد نهر دجلة الجاري من محافظة ديالى حيث ان الفيضانات تسببت في طفح و اختلاط مياه المجاري في محاطات التصفية مع مياه النهر مما ادى الى كارثة بيئية كبيرة في ديالى وواسط وتسبب بنفوق عدد كبير من الاسماك وخسائر كبيرة في بعض مزارع الاسماك في هذه المدن.
ان مشكلة تلوث مياه نهر دجلة مشكلة كبيرة ومتفاقمة ومستمر وتتطلب جهود كبيرة وحثيثة مع مؤسسات الدولة ورصد مبالغ مالية لهذا الغرض.
ان التلوث جريمة كبيرة بحق الانسان كونه من اكبر مسببات الامراض المستعصية التي يعاني منها اغلب الشعب العراقي وخاصة امراض الكلى والسرطان واغيرها, وايضا جريمة بحق الاقتصاد العراقي بسبب التاثيرات السلبية على الزراعة والثروة السمكية والحيوانية, ناهيك على ان مصب نهر دجلة وما يحملة من ملوثات التي ذكرت في اعلاه يكون في محافظة البصرة علاوه على ان هذه الملوثات لا تصرف الى الخليج العربي بسبب المياه العكسية واللسان الملحي الداخل الى محافظة البصرة من الخليج.