د. سامان سوراني
دکتوراه فلسفة بجامعة هایدلبرغ- ألمانیا
قراءة في رؤية الرئيس مسعود بارزاني لعقدة السلطة في العراق ومستقبل الفدرالية
شهد العراق منذ تأسيسه الحديث عام 1921 إشكاليات عميقة ومعقدة في فلسفة الحكم وتداول السلطة، إذ لم تنجح التحولات السياسية المتعاقبة، بدءاً من العهد الملكي، مروراً بالجمهوريات المتعاقبة، وصولاً إلى التغيير الجذري عام 2003 ، في ترسيخ نظام سياسي مستقر يقوم على العقد الاجتماعي وركائز دولة المواطنة والتمثيل المؤسساتي السلس.
وعوضاً عن التحول نحو ديمقراطية ليبرالية حديثة، أنتج مشهد ما بعد 2003 بيئة سياسية هجينة تندرج ضمن الشمولية التنافسية، وتتحكم فيها عقدة السلطة كما تشخصها رؤية الرئيس مسعود بارزاني.
تتجلى هذه العقدة كإشكالية تاريخية وبنيوية ترتكز على الاستئثار بالقرار وممارسة الهيمنة، والتعامل مع مقدرات الدولة كغنيمة حزبية وسياسية، الأمر الذي فرض تداعيات سلبية مباشرة على الاستقرار العام والحقوق الدستورية لإقليم كوردستان
وتتجلى أبعاد هذه العقدة في المشهد السياسي العراقي من خلال ملامح أساسية، أبرزها تشويه تجربة الديمقراطية التوافقية لتتحول من صيغة لحماية التعددية والتنوع إلى آلية محاصصة ضيقة تفرغ المواطنة الجامعة من مضمونها الحقيقي.
ووفق تشخيص فخامة الرئيس مسعود بارزاني، فقد جرى استبدال فلسفة المواطنة الدستورية بمنطق المكونات النافذة، وتحديداً فرض إرادة المكوّن الأكبر، مما جعل تقاسم النفوذ والمصالح الضيقة المحرك الأساسي للعملية السياسية، مطيحاً بمبدأ الكفاءة وسيادة القانون.
أما على صعيد مؤسسات الدولة، فتبرز أزمة احتكار القرار ظاهرة الدولة العميقة والزبائنية السياسية، حيث تراجعت حيادية المؤسسات السيادية والأمنية لصالح الفاعلين من غير الدولة والنفوذ الفصائلي، ليتحول الجهاز الإداري إلى أداة لخدمة أطراف محددة وتهميش الشركاء الآخرين، وهو ما يفرغ مفهوم العدالة التوزيعية من محتواه.
يضاف إلى ذلك عجز النظام التاريخي عن بناء مأسسة حقيقية لتداول السلطة السلمي، إذ وظلت التغيرات السياسية خاضعة لنظرية منطق القوة والصراعات الأزموية أو التدخلات الخارجية، مما أدى إلى ظاهرة الاغتراب السياسي وفقدان الشارع الثقة بجدوى الشكليات الديمقراطية.
وهنا تبرز قراءة الرئیس مسعود بارزاني لتفكيك ازدواجية المشهد عبر مفاهيم لسلطة الصلبة والواجهات الديمقراطية، حيث تعرض نصوص دستورية ومؤسسات برلمانية براقة أمام الرأي العام، بينما تُمارس السلطة السيادية الفعلية عبر مراكز القوى غير الرسمية وفي الغرف المغلقة للكتل النافذة، بعيداً عن أطر الرقابة الشعبية والمؤسساتية.
إن استمرار هذه العقدة يولد مخاطر استراتيجية تهدد كيان الدولة العراقي برمته، وفي صدارتها أزمة آكل الشرعية، فعندما تفرغ الوثيقة الدستورية لعام 2005 من محتواها لصالح الصفقات الجانبية، تفقد الدولة مبرر وجودها الأخلاقي والقانوني.
ناهيك عن الجمود الاقتصادي الناجم عن نمط دولة الريع والفساد الهيكلي، حيث يعيق الصراع على الريع النفطي التنمية المستدامة ويترك البنى التحتية متهالكة رغم الواردات المليارية. ومن الناحية المجتمعية، فإن غياب المواطنة المتساوية يغذي الانقسامات الهوياتية ويبقي البيئة خصبة للاحتجاجات والأزمات الأمنية المتجددة.
أما على مستوى التداعيات الإقليمية والدستورية، فيوضح الرئيس مسعود بارزاني أن النكوص عن الالتزامات الفدرالية يعبّر عن استمرار عقلية المركزية الصلبة التي ترفض منطق الاتحاد الفدرالي التشاركي.
وتتجلى هذه العقدة في التعامل مع الكيان الدستوري لإقليم كوردستان بمنطق التهديد والهيمنة لا بمنطق الشراكة الوطنية، وهو ما أثمر عن خروقات متواصلة للدستور، لا سيما في التطبيق التعسفي أو التعطيل المقنع للمواد الحاكمة كالمادة 140، وقوانين النفط والغاز، والمستحقات المالية الدستورية الإقليمية.
وقد امتدت هذه العقلية إلى استخدام الاستراتيجيات الاقتصادية كأدوات ضغط وسياسات عقاب جماعي، من خلال قطع الموازنات والرواتب لإضعاف البنية الاقتصادية والمؤسسية لإقليم كوردستان وتقويض تجريته الفدرالية الناجحة.
ويؤكد الرئيس بارزاني في هذا السياق أن السعي لفرض استبداد الأغلبية العددية يتناقض جوهرياً مع العقد التأسيسي لعراق ما بعد 2003 المقرّ بطبيعته التعددية، ويشكل تهديداً مباشراً لشرعية الصيغة الاتحادية التي قامت على الاعتراف المتبادل والتوافق.
وختاماً، توفر رؤية الرئيس مسعود بارزاني مرجعية منهجية ومخرجاً سياسياً متكاملاً للخروج من أزمة عقدة السلطة، بالانتقال الجذري من عقيدة المكون المترئس والحزب الدائم إلى منطق الدولة المؤسساتية الدستورية، وتفعيل التوزيع العادل للسلطة والثروة من خلال التمسك بالمبادئ الثلاثة الحاكمة: الشراكة الحقيقية، التوازن المؤسسي، والتوافق الوطني.
وسيبقى إقليم كوردستان برؤيته الدستورية والقيادية عاملاً حاسماً للاستقرار وركيزة أساسية لبناء عراق ديمقراطي فدرالي متعدد، متى ما توافرت الإرادة الصادقة لدى الشركاء في بغداد لتجاوز أزمات الماضي وبناء دولة إحترام القانون والمواطنة المتساوية.