دوشير خليل رسول
سياسي كوردي
المجلس الوطني الكوردي في سوريا.. ركيزة الكورد في معركة تثبيت الحقوق في مستقبل البلاد
شكّل إعلان المجلس الوطني الكوردي الذي ضمّ أهم وأكبر الأحزاب القومية الكوردية في سوريا، مع انطلاقة الثورة السوريّة، وحضورها البارز في مدن وبلدات كوردستان سوريا، لحظة مفصلية هامّة في مسار القضية الكورديّة في سوريا. فإعلان تحالف الأحزاب الكوردية تحت مظلّة سياسية جامعة، تعبّر عن الهوية والمكانة السياسية الكوردية في سوريا، عبّر، منذ اللحظة الأولى، عن الموقع السياسي الذي يمكن أن يلعبه الكورد في مستقبل البلاد.
في مطلق الأحوال، لم يكن تأسيس المجلس، حالة ظرفية مستجيبة لتحولات سياسية طارئة؛ إنما يمكن اعتباره متصلاً بشكل أساسي بطبيعة القضية الكورديّة بذاتها؛ إذ أن الكورد، لم يكونوا، في تلك اللحظة والآن، جماعة سياسية تسعى إلى تثبيت حضور إداري. فالكورد شعب له قضيته القومية ذات أبعاد تاريخية وسياسية وحقوقية، تتطلب الاعتراف بالهوية واللغة والثقافة، وضمان الحقوق السياسية والمدنية، وإنهاء آثار عقود من التهميش والتمييز. فكان حضور المجلس، أساس النضال على كسر هذا الجمود.
على هذا الأساس، لا يمكن قياس حضور المجلس في خارطة القوى السياسية الكوردستانية والسورية بوجوده فحسب، إنما بقدرته على النقاش في الفضاء العام، وتحويل مطالبها إلى مشروع سياسي ودستوري واضح. فالتمثيل القومي لا يقتصر على المشاركة في الاجتماعات والمؤسسات، وإنما يتصل بالقدرة على التأثير في القرارات التي تحدد مستقبل الشعب الذي يمثله الإطار السياسي، وهذا الأساس الذي انطلق منه المجلس الوطني الكوردي في التعبير عن تطلعات الشارع الكوردي في سوريا.
ثمة قضايا لا يمكن اختزالها في حدود الجغرافيا، ولا في موازين القوى الآنية، ولا في التحولات التي تفرضها الحروب على خرائط السياسة أو الثورات. والقضية الكوردية في سوريا واحدة من هذه القضايا إن لم يكن أبرزها؛ فهي قضية شعب له هويته القومية ولغته وتاريخه وخصوصيته السياسية والثقافية والجغرافية، وله مطالب مرتبطة بالاعتراف والحقوق والمواطنة والشراكة في بناء الدولة السورية الجديدة. ومن هذا المنطلق، لا يمكن مقاربة الحضور الكوردي في المشهد السوري الجديد، من دون التوقف عند دور المجلس الوطني الكوردي بوصفه إطاراً سياسياً يسعى إلى تثبيت القضية الكوردية في مسار التغيير السوري.
في هذا السياق، انضم المجلس الوطني الكوردي إلى الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، وشارك لاحقاً في هيئة التفاوض السورية ولعب دوراً في كل قوى المعارضة السورية، وكان له حضوره البارز في المسارات التي أعلنتها الأمم المتحدة والدول الراعية للملف السوري. وقد شكّلت هذه المشاركة إحدى القنوات التي أُدرجت من خلالها المطالب الكوردية ضمن أطر المعارضة ومسارات البحث في مستقبل البلاد وشكل وجودها حضوراً كوردياً دولياً استثنائياً.
لقد أظهرت التجربة السورية أن الاتفاق على التغيير لا يعني الاتفاق تلقائياً على شكل الدولة المقبلة؛ فهناك خلافات تتصل بمركزية السلطة، واللامركزية، والحقوق القومية، وتوزيع الصلاحيات. ومن هنا، تبرز أهمية دور المجلس في طرح القضية الكوردية باعتبارها جزءاً من سؤال الدولة السورية نفسها، لا ملفاً منفصلاً يمكن تأجيله إلى ما بعد التسويات السياسية.
ومن هذا الأساس، تظلّ المسألة الدستورية جوهر أي تسوية مستدامة للقضية الكوردية. فالتصريحات والوعود لا تعادل نصوصاً قانونية ملزمة، والاعتراف الرمزي لا يكفي ما لم يقترن بضمانات واضحة وآليات تنفيذ تحمي الحقوق من التبدلات السياسية، وهو ما يعمل عليه المجلس الوطني الكوردي الذي لا يقيس وجوده بمناصب أو حضور رمزي في مؤسسات الدولة، إنما بالحقوق الكوردية والدستور، ويشمل ذلك الاعتراف بالهوية القومية الكوردية، وضمان الحقوق اللغوية والثقافية والسياسية، ومعالجة آثار السياسات التمييزية السابقة، وتأمين المشاركة السياسية المتكافئة، وطرح صيغة واضحة لتوزيع الصلاحيات تتيح للسكان إدارة شؤون مناطقهم ضمن إطار دستوري يضمن وحدة البلاد وحقوق مكوّناتها.
مع التحولات التي شهدتها سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، أصبحت أسئلة الاعتراف الدستوري وشكل الدولة وموقع الكورد في مؤسساتها أكثر إلحاحاً. وفي هذه المرحلة، تبرز أهمية وجود إطار سياسي يستطيع نقل المطالب القومية إلى حوار مباشر مع السلطات السورية والقوى الوطنية، والعمل على تحويل التفاهمات السياسية إلى ضمانات ملموسة. والمجلس لا يمكن أن تستند إلى تاريخه وحده في هذا الصدد؛ فهي مسؤولية تتجدد بقدرته على تطوير برنامجه، وتعزيز صلته بالمجتمع الكوردي، والانفتاح على الشباب والنساء والفعاليات المدنية، وبناء خطاب وطني يؤكد أن الحقوق الكوردية لا تتعارض مع حقوق بقية مكوّنات سوريا.
تالياً، أهمية المجلس الوطني الكوردي لا تنبع من كونه مؤسسة سياسية قائمة فحسب، إنما من طبيعة القضية التي يحملها والأسئلة التي تطرحها على مستقبل سوريا. فالمسألة الكوردية تختبر قدرة الدولة الجديدة على تجاوز إرث الإقصاء، وبناء عقد وطني يعترف بالتعددية ويضمن الحقوق القومية والسياسية والثقافية ضمن مؤسسات دستورية مستقرة.