اليوم العالمي للقضاء على الفقر

اليوم العالمي للقضاء على الفقر
اليوم العالمي للقضاء على الفقر

يحيي العالم في السابع عشر من تشرين الأول من كل عام اليوم الدولي للقضاء على الفقر، تذكيراً بأن ملايين البشر ما زالوا يصارعون قسوة العيش والجوع، ويعانون من غياب أبسط مقومات الحياة واحتياجاتها الأساسية. وهذا التاريخ، الذي أقرّته الأمم المتحدة عام 1992، ليس مجرد مناسبة عابرة في التقويم السنوي، بل هو نداء ضمير عالمي للتذكير بأن الفقر ليس قدراً محتوماً، بل هو ظاهرة بشرية المنشأ، تنتج عن ظروف وسياسات خاطئة يمكن إصلاحها وتغييرها جذرياً من خلال الإرادة السياسية والتخطيط السليم وتحقيق العدالة. ومن هنا، تضعنا هذه المناسبة أمام مسؤولياتنا الأخلاقية والإنسانية، وتدفعنا إلى تسليط الضوء على معاناة الفقراء وتحويل التعاطف معهم إلى أفعال ملموسة.

ما العلاقة بين الفقر والتنمية؟ (دور التنمية في الحد من الفقر)

يُطلق مصطلح الفقر على حالة العجز عن توفير الاحتياجات الأساسية للإنسان، مثل الغذاء والملبس والمسكن والرعاية الصحية والتعليم، وهي من أبسط الحقوق التي ينبغي أن تكفلها الدولة للمواطنين. بيد أننا نلاحظ أن بعض دول العالم، ولا سيما الدول النامية، لا توفر هذه الحقوق الأساسية على النحو المطلوب، مما يؤدي إلى تقويض الاستقرار فيها وإضعافها على المستويين الداخلي والخارجي.

وتتسم العلاقة بين التنمية والفقر بكونها علاقة متبادلة ووثيقة، إذ يؤثر كل منهما في الآخر سلباً أو إيجاباً. ومن هذا المنطلق، تؤدي التنمية الشاملة والمستدامة دوراً حاسماً ومحورياً في الحد من ظاهرة الفقر ومكافحتها. ولا يقتصر هذا الدور على الأبعاد الاقتصادية فحسب، بل يمتد إلى الجوانب الثقافية والقيمية، من خلال تعزيز روح التعاون والتكافل الاجتماعي، وترسيخ قيم المواطنة والانتماء، بما يحقق نتائج قد تتجاوز في بعض الأحيان ما تطرحه النظريات الاقتصادية التقليدية.

إن نجاح السياسات التنموية في تحقيق نمو اقتصادي مستدام من شأنه أن يسهم في إيجاد فرص عمل واسعة، كما تساعد البرامج التنموية على تحفيز الأفراد على إقامة مشاريعهم الخاصة، وتحسين مستويات معيشتهم، فضلاً عن تعزيز الإنتاجية في المجتمع. ووفقاً لهذا الطرح، ترتبط التنمية بالفقر بعلاقة عكسية؛ فكلما ارتفع مستوى التقدم والتطور التنموي، انخفضت مستويات الفقر والحرمان في المجتمع.

وتُعد تجارب دول شرق آسيا نماذج شاهدة على طبيعة هذه العلاقة، إذ أسهم توجيه الموارد والاستثمارات نحو قطاعات التعليم والصحة والتكنولوجيا في توسيع قاعدة فرص العمل، وتخفيف الأعباء الاقتصادية عن كاهل القوى العاملة، والحد من معدلات البطالة. وقد انعكس ذلك إيجاباً على ارتفاع متوسط دخل الفرد، مما أدى في نهاية المطاف إلى انخفاض ملموس في مستويات الفقر.

وعلى ضوء ما تقدم، يتبين أن العلاقة بين التنمية والفقر علاقة وثيقة وعكسية في كثير من الحالات؛ فكلما تقدمت العملية التنموية، تراجعت معدلات الفقر، وكلما تعثرت هذه العملية أو فشلت، تفاقمت معدلات الفقر واتسعت رقعته.

واقع الفقر في العراق في ضوء اليوم العالمي للقضاء على الفقر

تكتسب هذه المناسبة أهمية بالغة في العراق، إذ تشكل فرصة لتقييم واقع الفقر، وتسليط الضوء على أسبابه، ومناقشة الحلول الممكنة لمعالجته، استناداً إلى التقارير الرسمية والأممية والدولية.
ويشهد العراق تحديات اقتصادية واجتماعية تسهم في استمرار ظاهرة الفقر، في ظل الأزمات المتعددة التي تواجه البلاد. وتشير تقارير رسمية ودولية إلى أن نسبة الفقر تتجاوز 20% من سكان البلاد. وما يزيد من تعقيد هذه الظاهرة المفارقة المتمثلة في تزامنها مع الوفرة المالية والموازنات العامة الضخمة، الأمر الذي يثير تساؤلات بشأن كفاءة السياسات الاقتصادية والاجتماعية، وقدرتها على تحقيق العدالة في توزيع الثروات، فضلاً عن ضعف آليات التنمية المستدامة التي يُفترض أن تنعكس إيجاباً على المستوى المعيشي للمواطنين.

أولاً: أسباب تفاقم ظاهرة الفقر في العراق

تتعدد الأسباب الجذرية والهيكلية التي تسهم في تفاقم ظاهرة الفقر في العراق، ويمكن تلخيص أبرزها في النقاط الآتية:
-الاعتماد المفرط على النفط: هيمنة الاقتصاد الريعي وتراجع دور القطاعين الصناعي والزراعي.
-الفساد الإداري والمالي: تفشي الفساد وما يترتب عليه من هدر للموارد العامة وإضعاف كفاءة المؤسسات.
-الصدمات الأمنية والإرهاب: تداعيات عدم الاستقرار الأمني على الاقتصاد وفرص العمل ومستويات المعيشة.
-ضعف كفاءة إعادة توزيع الثروة: قصور آليات الدعم الاجتماعي في الوصول إلى الفئات الأكثر احتياجاً.
-عدم الاستقرار السياسي: ضعف الإرادة السياسية اللازمة لتنفيذ إصلاحات اقتصادية واجتماعية مستدامة على المستويين الحكومي والنيابي.
-ضعف القطاع الخاص والاستثمار: عدم استقرار البيئة الاستثمارية، وانتشار البيروقراطية والتعقيدات الإدارية.
-النمو السكاني المتزايد: ارتفاع الاحتياجات السكانية بما يفوق أحياناً قدرة الخدمات وفرص العمل على مواكبتها.

-اختلال أولويات الإنفاق العام: التركيز على الجوانب الأمنية والعسكرية على حساب معالجة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، بما فيها البطالة وضعف الخدمات.

ثانياً: الحلول الاستراتيجية للحد من الفقر في العراق

إن الخروج من دائرة الفقر في العراق لا يمكن أن يتحقق من خلال الحلول المؤقتة أو الإعانات الموسمية وحدها، بل يتطلب رؤية استراتيجية شاملة ومتكاملة تعالج الجذور الهيكلية لهذه الظاهرة. وتستند هذه الرؤية إلى مجموعة من المسارات الأساسية المتوازية، أبرزها:
-التحول الاقتصادي: تنويع مصادر الدخل الوطني، وتقليل الاعتماد على النفط، وتنشيط القطاع الخاص.
-الإصلاح المؤسسي: تطوير أداء المؤسسات الحكومية، ورفع كفاءة الكوادر الإدارية، وتعزيز فعالية الإدارة العامة.
-مكافحة الفساد: اتخاذ إجراءات جادة للحد من الفساد الإداري والمالي، وضمان الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.
-تطوير شبكة الحماية الاجتماعية: تحديث آليات الاستهداف من خلال الأنظمة الرقمية الدقيقة، وربط الدعم الاجتماعي ببرامج التمكين الاقتصادي والتنموي.
-تحقيق العدالة في توزيع الثروة: ضمان توزيع أكثر إنصافاً للموارد والثروات بين أفراد المجتمع ومناطقه المختلفة.
-الاستثمار في رأس المال البشري: إطلاق برامج إصلاح شاملة لقطاعي التعليم والصحة، وتطوير المهارات وربط مخرجات التعليم باحتياجات سوق العمل.
-تعزيز سيادة القانون والاستثمار: ترسيخ سيادة القانون، وتحسين استقرار البيئة الاستثمارية، ولا سيما لجذب الاستثمارات الأجنبية، بما يسهم في توفير فرص العمل.
-إنشاء بنك للفقراء: توفير قروض ميسرة للفئات محدودة الدخل، لدعم تأسيس المشاريع الصغيرة وتشجيع المبادرات الفردية المدرة للدخل.

إن وضع خطة تنموية شاملة لم يعد خياراً ثانوياً أمام الحكومات، بل أصبح ضرورة أساسية لتحقيق الاستقرار والسلم المجتمعيين. فالفقر ليس قدراً حتمياً، بل هو ظاهرة تتأثر بالاختلالات الاقتصادية والمؤسسية والسياسات الحكومية. ومن ثم، فإن معالجة هذه الاختلالات، وترسيخ مبادئ الحكم الرشيد والعدالة الاجتماعية وسيادة القانون، تمثل ركائز أساسية للعبور بالمجتمع نحو حياة كريمة ومستقرة، بعيداً عن شبح الحاجة والعوز.