ب. د. فرست مرعي
كاتب وأستاذ جامعي
الأمير محمد الرواندزي: مشروع الدولة الكوردية في القرن التاسع عشر
في النصف الأول من القرن التاسع عشر، شهدت كوردستان تحولات سياسية عميقة تزامنت مع تراجع بعض الإمارات المحلية، واشتداد الصراع بين الدولة العثمانية وإيران القاجارية، وظهور تحديات جديدة أمام السلطة العثمانية التي كانت تسعى إلى تعزيز سيطرتها المركزية على الولايات والمناطق الخاضعة لنفوذها. وفي خضم هذه التحولات، برز الأمير محمد باشا الرواندزي، المعروف باسم «ميرى كوره»، بوصفه أحد أبرز الحكام الكورد الذين سعوا إلى توسيع سلطتهم وبناء قوة سياسية وعسكرية تتجاوز حدود إمارتهم المحلية.
لم تكن تجربة الأمير محمد باشا مجرد فصل عابر في تاريخ إمارة سوران، بل مثّلت مرحلة مهمة في تاريخ الحكم الكوردي خلال القرن التاسع عشر، لما شهدته من توسع إقليمي، ومحاولات لتنظيم الجيش والإدارة، وصدام مباشر مع الدولة العثمانية. ومع ذلك، فإن وصف مشروعه بأنه مشروع لبناء دولة كوردية يحتاج إلى قراءة تاريخية دقيقة؛ إذ ينبغي التمييز بين السعي إلى توحيد مناطق واسعة تحت سلطة أمير واحد، وبين مفهوم الدولة القومية الحديثة الذي تطور في مراحل لاحقة.
تعود أهمية رواندوز إلى موقعها الجغرافي في منطقة جبلية استراتيجية شمال شرقي أربيل، جعلها مركزاً مهماً للتحكم بالممرات التي تربط مناطق كوردستان بعضها ببعض، كما أتاحت لها طبيعتها الجبلية إمكانات دفاعية وعسكرية.
وقد اتخذتها أسرة أمراء سوران مركزاً لحكمها، قبل أن يتمكن الأمير محمد من تحويلها إلى قاعدة لانطلاق مشروعه التوسعي في العقود الأولى من القرن التاسع عشر. وتشير الدراسات التاريخية إلى أنه تولى السلطة نحو سنة 1813م أو 1814م، خلفاً لوالده مصطفى بك، ثم عمل على إحكام سيطرته على مناطق الإمارة وإضعاف منافسيه المحليين.
كان الأمير محمد يدرك أن المحافظة على السلطة لا تتحقق بالاعتماد على النفوذ العشائري وحده، ولذلك سعى إلى بناء قوة عسكرية أكثر تنظيماً، مستفيداً من الموارد المتاحة ومن خبرات فنية خارجية. وتذكر المصادر التاريخية أنه أنشأ في رواندوز منشآت لإنتاج بعض الأسلحة والذخائر والمدافع، واستعان بخبراء في هذا المجال، كما أقام تحصينات عززت القدرة الدفاعية لمركز حكمه. وتكشف هذه الإجراءات عن محاولة لتطوير أدوات السلطة العسكرية، وإن كانت الإمكانات الفعلية للجيش وحجمه تختلف باختلاف الروايات التي نقلتها المصادر المعاصرة واللاحقة.
لم يقتصر مشروع الأمير على تعزيز دفاعات رواندوز، بل اتجه إلى توسيع نفوذه على حساب الإمارات والقوى المحلية المجاورة. وخلال عشرينيات القرن التاسع عشر، تمكن من إخضاع جماعات ومناطق متعددة، ثم اتسع نفوذه في مطلع الثلاثينيات ليشمل أجزاء واسعة من كوردستان الجنوبية والشمالية، بما فيها مناطق من شرق كوردستان ومحيط شنو، وبابان وأربيل، وبهدينان ومحيط العمادية، بل وحتى امارة بوتان ومحيط نصيبين. وقد أدى هذا التوسع إلى تغيير موازين القوى بين الإمارات الكوردية، وأضعف استقلال بعضها، ووضع مناطق كانت تتمتع بإدارة محلية تحت سلطة مركزية جديدة.
وكانت إمارة بهدينان، التي اتخذت من العمادية مركزاً رئيساً لها، من أبرز القوى التي تأثرت بتوسع الأمير محمد. فقد تدخل في صراعات الأسرة الحاكمة، وفرض نفوذه على أجزاء واسعة من أراضي الإمارة بما فيها عاصمتها العمادية، الأمر الذي حدّ من استقلالها السياسي. كما امتدت تحركاته غرباً نحو مناطق أخرى (إمارة بوتان في الغرب، وامارة بابان في الشرق)، في سياق تنافس لم يكن محصوراً بين الكرد والعثمانيين، بل شمل أيضاً الصراع بين الأمراء الكورد أنفسهم على الأراضي والموارد ومراكز النفوذ.
وتكشف هذه التطورات عن إحدى المعضلات الأساسية في تجربة الأمير محمد: فقد ساعده إخضاع الإمارات المنافسة على توسيع سلطته، لكنه لم ينجح في بناء توافق سياسي دائم بينها. فالنفوذ الذي تحقق بالقوة العسكرية لم يكن بالضرورة تعبيراً عن اتفاق بين الحكام المحليين أو المجتمعات الخاضعة له. كما أن العلاقات بين العشائر والأمراء كانت تتأثر بالمصالح والتحالفات والخصومات المتغيرة، الأمر الذي جعل المحافظة على وحدة المناطق الخاضعة له أكثر صعوبة من إخضاعها في الحملات العسكرية.
ومن مظاهر طموحه السياسي أنه سعى إلى إظهار استقلال سلطته عن المراكز الحاكمة المجاورة. وتورد الدراسات إشارات إلى سك النقود باسمه، وإلى اتخاذ إجراءات تتصل بإبراز السيادة، فضلاً عن توسيع مؤسسات الحكم في رواندوز. وكانت النقود والخطبة باسم الحاكم من العلامات التقليدية للسلطة في العالم الإسلامي، ولذلك تحمل هذه الممارسات دلالة على تطلع الأمير إلى حكم يتجاوز مجرد إدارة محلية تابعة. لكنها لا تكفي، بمفردها، لإثبات وجود مشروع قومي حديث بالمفهوم الذي عرفته الحركات السياسية في القرن العشرين.
لقد تزامن صعود الأمير محمد مع أزمة عميقة كانت تمر بها الدولة العثمانية. فبعد الحرب الروسية العثمانية في أواخر عشرينيات القرن التاسع عشر، واجهت الدولة أعباء عسكرية ومالية متزايدة، كما دخلت في صراع مع محمد علي باشا والي مصر، الذي امتدت قواته إلى بلاد الشام وهددت المصالح العثمانية في المنطقة، حتى وصلت الى مدينة قونية داخل الاناضول. وقد أتاح هذا الاضطراب مجالاً أوسع لبعض القوى المحلية لتعزيز استقلالها الفعلي، ومن بينها إمارة سوران.
غير أن التوسع السريع للأمير محمد أثار مخاوف الدولة العثمانية، خصوصاً عندما امتد نفوذه إلى مناطق ذات أهمية استراتيجية، وأصبحت سلطته تشكل تحدياً لسيادة السلطان. كما أثارت تحركاته في مناطق قريبة من الحدود الإيرانية مخاوف مرتبطة بتوازن القوى الإقليمي بين العثمانيين والقاجاريين؛ وهكذا تحولت العلاقة بين رواندوز وإستنبول من علاقة يمكن احتواؤها عبر التفاهمات والتعيينات المحلية إلى مواجهة تتعلق بمستقبل السلطة العثمانية في كوردستان.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال سياسة المركزية التي أخذت الدولة العثمانية تعمل على تعزيزها خلال القرن التاسع عشر في عهد عاهلها السلطان محمود الثاني(1809 – 1839م). فقد سعت السلطة إلى تقليص استقلال الأمراء المحليين وإخضاع المناطق التابعة لها لإدارة أكثر ارتباطاً بالمركز. ولم يكن الصدام مع الأمير محمد حالة منفصلة عن هذا الاتجاه، بل جاء ضمن تحولات أوسع انتهت لاحقاً إلى إضعاف الإمارات الكوردية وإلغاء عدد منها. ومع ذلك، فإن تفسير سقوط إمارة سوران بالمركزية العثمانية وحدها لا يكفي؛ إذ أسهمت أيضاً الخلافات الداخلية، وتردد بعض الحلفاء المحليين، ومحدودية القدرة على بناء تحالف مستقر في إضعاف موقف الأمير.
بدأت المواجهة العسكرية الكبرى مع الدولة العثمانية في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، وتعرضت مناطق نفوذ سوران لضغط متزايد من القوات العثمانية. وتمكن الأمير محمد من مقاومة إحدى الحملات في سنة 1834م، لكن حملة لاحقة في سنة 1836م وضعت إمارة سوران أمام موقف بالغ الصعوبة. ومع تضاؤل فرص المقاومة، قبل الأمير التسليم في إطار تسوية مع القيادة العثمانية، وغادر مركز حكمه، متجهاً إلى إستنبول، حيث لم يتمكن من العودة إلى رواندوز.
أما نهاية الأمير محمد، فتكتنفها تفاصيل مختلفة في الروايات التاريخية، ولا سيما ما يتعلق بظروف وفاته وتاريخها الدقيق. وتذكر دراسات أنه توفي أو قُتل خلال رحلة العودة نحو كردستان بعد إقامته في إستنبول، وتربط روايات أخرى نهايته بترتيبات السلطات العثمانية. لذلك فإن الصياغة التاريخية الأكثر احتياطاً هي أن مشروعه انتهى عملياً بعد استسلامه سنة 1836م، وأن وفاته وقعت في سياق رحلته اللاحقة في منطقة طرابزون أو سيواس، بوشاية من والي بغداد العثماني، مع استمرار الاختلاف بين المصادر بشأن التفاصيل الدقيقة.
ولا تكتمل قراءة تجربته من دون التوقف عند الجانب الآخر من حملاته. فقد ارتبط توسع نفوذه باستخدام القوة ضد جماعات ومناطق خضعت له، بما في ذلك حملاته على الإيزيديين في ختارى وباعذرى وغيرها، والمسيحيين في القوش، التي تذكر المصادر أنها خلّفت ضحايا ومعاناة واسعة ودمارا واسعا في القرى والقصبات التي سيطر عليها. ومن ثم، فإن تقييم الأمير محمد تاريخياً يقتضي الجمع بين ما حققه من توسع عسكري وإجراءات إدارية، وبين آثار حملاته على المجتمعات التي وقعت تحت سلطته. فالتاريخ لا يكتسب قيمته من الاحتفاء بالقوة وحدها، بل من دراسة نتائجها الإنسانية والسياسية أيضاً.
إن تجربة الأمير محمد الرواندزي تطرح سؤالاً مهماً بشأن طبيعة الوحدة السياسية في كوردستان خلال القرن التاسع عشر. فقد تمكن من جمع مناطق واسعة تحت سلطة واحدة، وأظهر أن إمارة كردية تستطيع، في ظروف إقليمية مناسبة، أن تتحول إلى قوة مؤثرة تتحدى سلطة إمبراطورية كبرى. لكنه لم ينجح في تحويل هذا التفوق إلى نظام سياسي مستقر يستطيع الصمود بعد غياب قائده، كما لم تتوافر له شبكة تحالفات متماسكة تضمن استمرار سلطته في مواجهة الضغط الخارجي.
ومن هنا، ينبغي ألا نقرأ تجربته بوصفها نسخة مكتملة من الدولة القومية الكوردية الحديثة، بل باعتبارها محاولة مهمة لبناء سلطة مركزية كوردية في عصر كانت فيه الإمارات والولاءات المحلية والإمبراطوريات هي الإطار الأساسي للعمل السياسي. وقد اكتسبت هذه التجربة دلالات جديدة في الذاكرة القومية الكوردية اللاحقة، وأصبحت جزءاً من النقاش حول تاريخ الحكم الذاتي وإمكانات الوحدة السياسية.
وبعد سقوط إمارة سوران، استمرت المواجهة بين الإمارات الكوردية والدولة العثمانية في مناطق أخرى، وبرزت تجربة بدرخان بك في إمارة بوتان، قبل أن تتراجع استقلالية الإمارات تباعاً خلال منتصف القرن التاسع عشر: البهدينانية عام1842م، والبوتانية عام1847م، والهكارية عام1849م، والبابانية 1851م؛ وكان لذلك أثر بعيد المدى في البنية السياسية والاجتماعية لكوردستان، إذ انتقلت مراكز النفوذ في مناطق عديدة من الأمراء المحليين إلى الإدارة المركزية العثمانية، فيما تعززت لاحقاً أدوار القوى المحلية الأخرى، ومنها الزعامات الدينية (= شيوخ وخلفاء الطرق الصوفية من القادرية والنقشبندية والرفاعية - الكسنزانية، والمفتين، والقضاة)، والعشائرية (= الآغوات، والبكوات، وملاك الاراضي، والاعيان).
إن أهمية الأمير محمد الرواندزي لا تكمن في تصويره بطلاً لا تشوبه الأخطاء، ولا في اختزال تجربته في هزيمته أمام الدولة العثمانية، بل في فهم الظروف التي سمحت بصعوده، والأدوات التي استخدمها لتوسيع سلطته، والأسباب التي حالت دون استمرار مشروعه. فقد كشفت تجربته عن الإمكانات السياسية والعسكرية التي امتلكتها بعض الإمارات الكردية، كما أظهرت حدود الوحدة التي تقوم على التوسع بالقوة من دون توافق سياسي مستدام.
وبعد مرور ما يقارب قرنين على تلك الأحداث، تظل تجربة رواندوز محطة مهمة في دراسة تاريخ الكورد السياسي، لأنها تساعد على فهم الفارق بين السيطرة على الأرض وبناء المؤسسات، وبين القوة العسكرية وتكوين الشرعية، وبين الطموح إلى توحيد المناطق المتجاورة والقدرة على إقامة نظام سياسي يستمر بعد رحيل صاحبه. وهذا هو الدرس التاريخي الأهم الذي يمكن استخلاصه من تجربة الأمير محمد باشا الرواندزي في القرن التاسع عشر.