20 تشرين الأول 2017… بيشمركة كوردستان تجدّد ملحمة البطولة

20 تشرين الأول 2017… بيشمركة كوردستان تجدّد ملحمة البطولة
20 تشرين الأول 2017… بيشمركة كوردستان تجدّد ملحمة البطولة

ليست كل التواريخ في ذاكرة الشعوب أرقامًا عابرة، فبعض الأيام تتحول إلى محطات تختصر الألم والصمود، وتكشف حقيقة المواقف عندما تشتد المحن. ويأتي 20 تشرين الأول 2017 واحدًا من تلك الأيام التي تستحق أن تبقى حاضرة في الذاكرة الكوردستانية، لما شهدته منطقة بردى (ألتون كوبري) من مواجهات بين قوات البيشمركة والقوات الاتحادية العراقية، في أعقاب أحداث كركوك التي وقعت في 16 تشرين الأول من العام نفسه.

في تلك المرحلة، كانت كوردستان تمر بواحدة من أصعب محطاتها السياسية والأمنية. فقد تركت أحداث كركوك جرحًا عميقًا في الوجدان الكوردي، وفتحت أسئلة صعبة عن وحدة الصف، وقرارات الانسحاب، ومستقبل العلاقة بين أربيل وبغداد. وبينما كانت تداعيات تلك الأحداث تتسع، وجدت قوات البيشمركة نفسها أمام مواجهة جديدة في بردي، حيث اندلعت اشتباكات عنيفة في ظل تصاعد التوترات العسكرية والسياسية.

بردى لم تكن مجرد موقع جغرافي، بل كانت عنوانًا لمواجهة صعبة في لحظة تاريخية قاسية.

لقد أثبتت البيشمركة، عبر تاريخها، أنها جزء أساسي من ذاكرة الشعب الكوردستاني، الذي خاض معارك طويلة من أجل البقاء والحرية وحماية أرضه. ومن مواجهة الأنظمة التي استهدفت الشعب الكوردي، إلى الحرب ضد تنظيم داعش، قدّم مقاتلو البيشمركة تضحيات كبيرة، ووقفوا في جبهات خطرة دفاعًا عن كوردستان، وعن مناطق واسعة من العراق، وعن مكونات تعرضت لتهديدات وجودية.

وفي 20 تشرين الأول 2017، عادت البيشمركة إلى واجهة المواجهة في ظروف استثنائية. فالمعركة لم تكن ضد تنظيم إرهابي، بل جاءت في سياق خلاف سياسي وأمني بين بغداد وأربيل، بعد أيام من التغييرات الميدانية في المناطق المتنازع عليها. ولهذا، فإن استذكار ذلك اليوم يتطلب النظر إلى صمود المقاتلين وشجاعتهم، وكذلك إلى تعقيدات المشهد السياسي الذي سبق المواجهة وأحاط بها.

إن البطولة لا تُقاس بالشعارات وحدها، ولا تعني تجاهل الخسائر أو النتائج الميدانية. البطولة الحقيقية تتجلى في ثبات المقاتل أمام الظروف الصعبة، وفي تحمله مسؤولية الدفاع عن الأرض وحماية الناس، مع جعل حياة المواطنين وأمنهم في صدارة أي قرار.

لكن أحداث تشرين الأول 2017 كشفت أيضًا حقيقة لا يمكن تجاهلها: إن قوة البيشمركة تحتاج إلى وحدة القرار والتنظيم والتنسيق، مثلما تحتاج إلى موقف سياسي كوردي موحد في القضايا المصيرية. فالتضحيات العسكرية، مهما عظمت، تصبح أكثر عرضة للخطر عندما تتراجع الثقة بين القوى السياسية، أو تتعدد القرارات في لحظة تتطلب رؤية مشتركة ومسؤولية تاريخية.

ومن هنا، فإن الوفاء لبيشمركة كوردستان لا يكون باستذكار المعارك فقط، بل باستخلاص الدروس منها أيضًا. فلا ينبغي أن تتحول تضحيات المقاتلين إلى مناسبة للخطابات العابرة، بل يجب أن تكون دافعًا لترسيخ وحدة الصف، وتطوير المؤسسة العسكرية، وإبعادها عن التجاذبات الحزبية، وضمان أن تُتخذ القرارات العسكرية ضمن إطار مؤسسي واضح يحمي كوردستان ومواطنيها.

كما أن استذكار هذا اليوم لا يعني الدعوة إلى الصدام أو إدامة الخلاف مع بغداد. فالعلاقة بين أربيل وبغداد تحتاج إلى الحوار والالتزام بالدستور، والعمل على حل القضايا العالقة بالوسائل السياسية، بعيدًا عن لغة القوة التي يدفع المواطن ثمنها أولًا. إن حماية حقوق إقليم كوردستان لا تتعارض مع بناء عراق مستقر؛ بل إن الاستقرار الحقيقي يبدأ من احترام الدستور والشراكة والتفاهم بين جميع مكونات البلاد.

لقد أكدت أحداث تلك المرحلة أن كوردستان لا تواجه تحدياتها بالسلاح وحده، بل تحتاج، إلى جانب قوة البيشمركة، إلى حكمة سياسية ووحدة داخلية ومؤسسات قادرة على حماية المكتسبات وصون حقوق الشعب.

إن البيشمركة تستحق أن تُروى تضحياتها بصدق، وأن يُذكر شهداؤها بكل تقدير، وأن يُحترم مقاتلوها الذين واجهوا ظروفًا قاسية. وفي الوقت نفسه، فإن الوفاء لهم يفرض علينا مراجعة أسباب الأزمات، والعمل على منع تكرار الظروف التي تضع أبناء الشعب الواحد أمام مواجهات مؤلمة، وتعرّض أمن كوردستان ومكتسباتها للخطر.

إن استذكار 20 تشرين الأول لا يكتمل بمجرد استعادة مشاهد المواجهة، بل يتطلب قراءة مسؤولة لما سبقها وما أعقبها. فالتاريخ لا يُكتب بالشجاعة وحدها، وإنما أيضًا بالقرارات التي تحمي نتائج التضحيات، وتصون وحدة المجتمع، وتمنع تكرار الأخطاء.

20 تشرين الأول 2017… يومٌ تستحق فيه البيشمركة أن تُذكر بتضحياتها وصمودها، وتستحق فيه كوردستان أن تستخلص الدرس: لا بطولة مكتملة من دون وحدة الصف، ولا حماية للمكتسبات من دون قرار مسؤول، ولا مستقبل آمن من دون سياسة تحصّن ما يدافع عنه المقاتلون، و ما علموا من بطولات في سحيلا و المناطق الاخرى ستبقى في ذاكرة الاجيال.