شيركو حبيب
كاتب
الحزب الديمقراطي الكوردستاني والدور الوطني… هل تُمنح رئاسة البرلمان بالشروط أم بإرادة النواب؟
ليست القضية اليوم مجرد خلاف على رئاسة برلمان كوردستان، ولا صراعًا على منصب أو موقع سياسي، بل اختبار حقيقي لاحترام نتائج الانتخابات، والإيمان بالمؤسسات الدستورية، والقدرة على تقديم المصلحة الوطنية على الحسابات الحزبية الضيقة.
منذ تأسيسه في 16 آب 1946، ارتبط تاريخ الحزب الديمقراطي الكوردستاني بمسيرة الحركة الوطنية الكوردستانية، والدفاع عن الحقوق القومية والسياسية لشعب كوردستان. وعلى امتداد عقود من التحديات والصراعات، ظل الحزب حاضرًا في محطات مفصلية من تاريخ شعبنا، وكانت القضية الكوردستانية في حاجة دائمة إلى قيادة سياسية تتحمل المسؤولية، وتحمي المكتسبات، وتعمل على توحيد الصفوف في مواجهة التحديات.
وفي هذا السياق، يبرز الدور الوطني للرئيس مسعود بارزاني، الذي ارتبط اسمه بمسيرة طويلة من النضال السياسي والقومي، وبالدعوة إلى الحوار والتفاهم وحماية التجربة الكوردستانية. فالمسؤولية الوطنية، في المراحل الحساسة، لا تقتصر على إدارة الخلافات، بل تتطلب العمل على تجاوزها، والحفاظ على الاستقرار، وصون المكتسبات التي تحققت بتضحيات شعب كوردستان.
واليوم، في ظل استمرار الخلافات السياسية وتعطّل برلمان كوردستان، تبرز الحاجة إلى موقف وطني واضح يعيد الاعتبار للمؤسسات الدستورية، ويضع حدًا لتحويل المناصب إلى أوراق تفاوض، وإرادة الناخبين إلى رهينة للخلافات الحزبية.
الاستحقاق الانتخابي ليس تفصيلًا
أفرزت انتخابات برلمان كوردستان، التي جرت في 20 أكتوبر 2024، نتائج واضحة، إذ حصل الحزب الديمقراطي الكوردستاني على 39 مقعدًا من أصل 100، ليكون الكتلة الأكبر في البرلمان. وهذه النتيجة تعكس إرادة شريحة واسعة من الناخبين، وتمنح الحزب موقعًا أساسيًا في المعادلة السياسية، كما تضع على عاتقه مسؤولية كبيرة في إدارة المرحلة والدفع نحو الاستقرار.
إن احترام نتائج الانتخابات هو أساس العمل الديمقراطي. فلا يجوز التعامل مع أصوات الناخبين وكأنها أرقام يمكن تجاوزها عندما لا تتوافق مع حسابات بعض القوى السياسية. وفي المقابل، فإن تصدّر الانتخابات لا يعني احتكار السلطة أو إلغاء حقوق الآخرين، بل يفرض مسؤولية أكبر في الحوار والتفاهم، وتوفير الظروف المناسبة لاستمرار المؤسسات.
ومن هذا المنطلق، فإن استئناف عمل البرلمان يجب أن يكون أولوية وطنية، لا ورقة مرتبطة بحسم جميع الخلافات السياسية. فالبرلمان هو المكان الطبيعي لمناقشة الخلافات، واتخاذ القرارات، والاحتكام إلى الإجراءات البرلمانية، وليس مؤسسة تنتظر خارج أبوابها حتى تتفق الأحزاب على تقاسم المناصب.
هل رئاسة البرلمان حق للمعارضة؟
السؤال الذي يستحق النقاش بصراحة هو: على أي أساس تطالب المعارضة برئاسة برلمان كوردستان؟ وهل يكفي أن يكون الحزب في صف المعارضة حتى يصبح المنصب من حقه؟
من وجهة نظري، لا يجوز منح أي حزب منصبًا لمجرد أنه معارض، مثلما لا يجوز حرمانه منه لمجرد أنه لا يشارك في الحكومة. فالمناصب البرلمانية ليست امتيازات تُوزّع وفق الرغبات، ولا حقوقًا حصرية تحتكرها جهة سياسية، بل مسؤوليات تُحسم وفق القواعد الدستورية والنظام الداخلي والإجراءات الديمقراطية المعتمدة.
ومن حق المعارضة أن تنافس على رئاسة البرلمان، وأن تطالب بدور فاعل في إدارة المؤسسة التشريعية، لكن من حق بقية الكتل أيضًا أن تتمسك بحقها في المنافسة والتصويت. والفيصل في هذه المسألة يجب أن يكون القواعد البرلمانية وإرادة النواب، لا فرض شروط مسبقة تجعل عودة البرلمان إلى العمل مرتبطة بحصول طرف بعينه على المنصب.
إن المشكلة ليست في أن تتولى المعارضة رئاسة البرلمان، بل في تحويل هذا المطلب إلى شرط لتعطيل المؤسسة. فهناك فرق واضح بين المنافسة الديمقراطية على منصب، وبين جعل المنصب مدخلًا لمنع البرلمان من استكمال إجراءاته الدستورية.
وإذا كانت المعارضة ترى أنها الأحق برئاسة البرلمان، فلتطرح مرشحها، ولتخض المنافسة وفق الأصول. أما أن يبقى البرلمان معطلًا إلى حين تحقيق مطلب حزبي محدد، فإن ذلك يضع المصلحة العامة أمام حسابات سياسية لا ينبغي أن تتقدم على إرادة الناخبين.
فالديمقراطية ليست مجرد المطالبة بالمناصب، بل احترام القواعد التي تنظم الوصول إليها، وقبول نتائج التصويت، والاحتكام إلى المؤسسات بدلًا من فرض الشروط عليها. ومن يريد ممارسة دوره السياسي، سواء كان في موقع الحكومة أو المعارضة، عليه أن يتحمل مسؤولياته كاملة، لا أن يجعل الخلاف على منصب سببًا لاستمرار التعطيل.
الدور الوطني للحزب الديمقراطي والرئيس بارزاني
إن الحزب الديمقراطي الكوردستاني، بما يمتلكه من ثقل انتخابي وتاريخ سياسي، مطالب بمواصلة دوره في حماية التجربة الديمقراطية، والعمل على تفعيل البرلمان وتشكيل الحكومة العاشرة، بما يضمن استقرار الإقليم واستمرار مؤسساته.
وهنا تبرز أهمية دور الرئيس مسعود بارزاني، بما يمثله من مكانة سياسية وتاريخية في كوردستان والعراق. ففي مثل هذه المراحل، تزداد الحاجة إلى تغليب لغة الحوار على التصعيد، وإلى التعامل مع الخلافات باعتبارها تحديات ينبغي تجاوزها، لا فرصًا لتوسيع الانقسامات. فحماية الاستقرار الكوردستاني مسؤولية وطنية تتطلب من الجميع تقديم المصلحة العامة على الحسابات الحزبية.
كما أن مسؤولية الحزب الديمقراطي الكوردستاني تقتضي مواصلة الحوار مع مختلف القوى السياسية، والعمل على توفير التفاهمات التي تساعد على تجاوز الأزمة، من دون التنازل عن مبدأ احترام نتائج الانتخابات أو القبول بتحويل المؤسسات الدستورية إلى أدوات للمساومة.
إن الدور الوطني لا يُقاس بعدد المقاعد وحده، بل بالقدرة على تحمّل المسؤولية في الأوقات الصعبة، وحماية المكتسبات، وتغليب المصلحة العامة على المصالح الحزبية. والحزب الذي يتصدر نتائج الانتخابات يتحمل مسؤولية أكبر في دفع العملية السياسية إلى الأمام، كما تتحمل بقية القوى مسؤوليتها في تسهيل عمل البرلمان وعدم وضع العراقيل أمام استئناف دوره.
وفي هذا الإطار، جاء موقف رئيس مجلس الوزراء مسرور بارزاني ليؤكد أن من لا يريد تفعيل البرلمان إنما يتهرب من المسؤولية. وهي رسالة سياسية مهمة في جوهرها، لأن المسؤولية لا تعني المطالبة بالحقوق والمناصب فحسب، بل تعني أيضًا الاستعداد للعمل داخل المؤسسات، وتحمل نتائج القرارات، وعدم ترك المواطنين يدفعون ثمن الخلافات الحزبية.
فمن يطالب بدور أكبر في إدارة البرلمان، عليه أن يوضح كيف سيسهم في استئناف عمله. ومن يطالب بالشراكة السياسية، عليه أن يجعلها مدخلًا للحل لا سببًا إضافيًا للأزمة. ومن يرفع شعار الديمقراطية، عليه أن يقبل الاحتكام إلى القواعد والإجراءات التي تقوم عليها.
وكوردستان اليوم ليست بحاجة إلى جولات جديدة من الخلافات على المناصب، بل إلى مؤسسات فاعلة، وحكومة تتحمل مسؤولياتها، وبرلمان يمارس دوره التشريعي والرقابي، ويكون قادرًا على مناقشة الأزمات المالية والاقتصادية والخدمية التي تمس حياة المواطنين.
البرلمان مؤسسة وطنية وليس ورقة تفاوض
إن برلمان كوردستان ليس ملكًا لحزب بعينه، ولا يجوز لأي طرف أن يتعامل معه باعتباره وسيلة للضغط على الآخرين من أجل الحصول على مكاسب سياسية. إنه مؤسسة منتخبة تمثل المواطنين، ومن واجب جميع النواب احترام إرادتهم والقيام بمسؤولياتهم.
ولذلك، فإن الطريق إلى تجاوز الأزمة يبدأ باستئناف الإجراءات البرلمانية، وحسم رئاسة البرلمان وفق القواعد المعتمدة، ثم مواصلة الحوار بشأن تشكيل الحكومة وتوزيع المسؤوليات. فالمؤسسات لا تُبنى بالشروط المتبادلة، بل باحترام القانون والاحتكام إلى الآليات الديمقراطية.
كما أن الشراكة السياسية لا تعني تجاهل نتائج الانتخابات، مثلما أن احترام الاستحقاق الانتخابي لا يعني إقصاء الآخرين. فالديمقراطية الحقيقية تقوم على التوازن بين إرادة الناخبين وحقوق الكتل البرلمانية، وعلى قبول النتائج التي تفرزها الإجراءات القانونية، حتى عندما لا تتوافق مع رغبات بعض الأطراف.
إن المطلوب من جميع القوى السياسية أن تثبت أن هدفها هو بناء مؤسسات قوية، لا انتزاع المناصب بأي ثمن. فالمعارضة تمارس دورها من خلال الرقابة والمساءلة وطرح البدائل، والأغلبية تتحمل مسؤوليتها في إدارة المرحلة والحفاظ على الاستقرار، والبرلمان يبقى المؤسسة التي تجمع الجميع تحت سقف القانون.
ولا يمكن الحديث عن شراكة وطنية حقيقية ما لم تكن هناك إرادة جادة لإنهاء التعطيل. فالشراكة لا تُبنى بإضعاف المؤسسات، ولا تتحقق بإبقاء البرلمان خارج دائرة العمل، وإنما بالتفاهم على قواعد واضحة تحترم حقوق الجميع وتضمن استمرار الحياة الدستورية.
إن الحزب الديمقراطي الكوردستاني، بما يمثله من ثقل انتخابي وتاريخ وطني، مطالب بمواصلة المبادرة والحوار والعمل على إعادة برلمان كوردستان إلى دوره الطبيعي. كما أن الدور الوطني للرئيس مسعود بارزاني يظل حاضرًا في أهمية الحفاظ على وحدة الصف الكوردستاني، وحماية الاستقرار، وتغليب المصلحة العامة على الخلافات السياسية.
وفي المقابل، فإن جميع القوى السياسية مطالبة بالتعامل مع الأزمة بمسؤولية، وعدم جعل مستقبل المؤسسات رهينة للخلاف على منصب أو حصة أو موقع.
رئاسة البرلمان ليست حقًا حصريًا للأغلبية، وليست امتيازًا تلقائيًا للمعارضة؛ إنها مسؤولية دستورية تُحسم وفق القواعد البرلمانية وإرادة النواب. أما تحويلها إلى شرط مسبق لتعطيل البرلمان، فهو ما ينبغي رفضه، أيًا كان الطرف الذي يطرحه.
إن كوردستان لا تحتاج إلى انتصار حزب على حزب، بل إلى انتصار المؤسسات على التعطيل، والدستور على المساومات، والمصلحة الوطنية على الحسابات الضيقة. فالتاريخ الوطني لا يُصان بالشعارات وحدها، بل بالمسؤولية والعمل والقدرة على حماية ما تحقق من مكتسبات.
لقد آن الأوان لأن تعود المؤسسات إلى أداء واجباتها، وأن تتحول أصوات المواطنين إلى قرارات وسياسات تخدم مصالحهم. فاحترام إرادة الناخبين يبدأ من احترام المؤسسات التي انتخبوها، والديمقراطية لا تكتمل بالمنافسة على المناصب، بل بقبول قواعدها وتحمل مسؤولياتها.
إن قوة كوردستان في وحدتها، واستقرارها في مؤسساتها، ومستقبلها في قدرة قواها السياسية على وضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار حزبي. وهذه مسؤولية لا تقع على طرف واحد، بل على كل من اختار العمل السياسي وطلب ثقة المواطنين.
فمن يريد خدمة كوردستان، عليه أن يجعل المؤسسات فوق المصالح الحزبية، وأن يثبت بالعمل لا بالشعارات أن إرادة المواطنين هي الأساس، وأن المسؤولية الوطنية تبدأ من إنهاء التعطيل، لا من إضافة شروط جديدة إليه.