عبدالكريم شاكر
صحفي في مؤسسة كوردستان24
على خطى المسيرة الطويلة في بكين: ما الذي يمكن أن تتعلّمه كوردستان من متحفٍ يُبقي الذاكرة حيّة؟
في الطابق الثالث من المتحف العسكري للثورة الشعبية الصينية في بكين، تخفت الأضواء، وتبدو الأرض كأنها تتحوّل إلى سهولٍ عشبية، وتغدو الجدران سماءً عاصفة. هنا لا يكتفي الزائر بالنظر إلى التاريخ، بل يسير في قلبه بضع دقائق.
يحمل المعرض الدائم الجديد اسم "الرحلة العظيمة"، وقد افتُتح في أواخر أيلول/سبتمبر 2026 بمناسبة الذكرى التسعين لانتهاء المسيرة الطويلة؛ ففي الفترة بين عامَي 1934 و1936، قطع الجيش الأحمر في انسحابه نحو 10,000 كيلومتر عبر الصين تحت هجماتٍ متواصلة، حتى بلغ شمال غربي البلاد.
تبلغ مساحة المعرض نحو 3,300 متر مربع، ويمتدّ مسار الزيارة فيه أكثر من 760 متراً، ويضمّ 875 قطعة أثرية و186 وثيقة و357 صورة وخريطة، يُعرض أكثر من 300 منها على الجمهور للمرة الأولى. وطوال تجوالي فيه، ظلّ سؤالٌ واحد يُلحّ عليّ: كيف تحوّل أمةٌ معاناةَ جيلٍ إلى درسٍ للجيل الذي يليه؟ وهل نستطيع، نحن الكورد، أن نصنع الشيء نفسه لتاريخنا وللبيشمركة؟
تاريخٌ يُروى بالبشر لا بالتواريخ وحدها
أوّل ما استوقفني أن المعرض يجعل الإنسان محوره؛ فهو يروي 60 قصةً فردية من المسيرة. تعرض إحدى اللوحات رجالاً متقدّمين في السنّ انضمّوا إلى المسيرة رغم أعمارهم: فقد كان دونغ بي وو في التاسعة والأربعين حين عبر الجبال الثلجية، وكان شو تي لي في الثامنة والخمسين. وإلى جوارهم تنتصب منحوتات "جنود الجيش الأحمر الصغار"، أولئك الأطفال الذين شبّوا خلال المسيرة. وتعرض لوحةٌ أخرى نساءً مقاتلات قطعن الرحلة ذاتها في الظروف نفسها.
وعلى الجدار عبارةٌ تختصر الفكرة كلّها، قالها ضابطٌ من صفوف العدو وقع في الأسر خلال المسيرة: "لو لم يكن لكم هدفٌ ثابت في خدمة الوطن والشعب، فلماذا يتبعكم هؤلاء الشيوخ والأطفال والنساء مسافة عشرين ألف لي؟" (أي نحو عشرة آلاف كيلومتر).
ماضٍ يكاد يُلمَس
أما الدرس الثاني فيكمن في قدرة المعرض على تحويل التاريخ إلى شيءٍ يُرى ويكاد يُلمَس. ففيه 14 مشهداً مجسَّداً: في أحدها ينتشل الجنود رفيقاً سقط في المستنقع، وفي آخر تلتفّ مجموعةٌ من الرجال حول راية حمراء في السهول العشبية. وتصوّر لوحاتٌ ضخمة الجيشَ وهو يشقّ طريقه عبر الأنهار تحت وابلٍ من النيران. والطفل الذي قد لا يقرأ كتاب تاريخ قطّ، لن ينسى اللحظة التي وقف فيها إلى جوار الجنود المتجمّدين على الجبل.
لكلّ قطعةٍ حكاية
والدرس الثالث هو الاحتفاء بالأشياء البسيطة؛ فخلف الزجاج لا تقتصر المعروضات على البنادق والسيوف، بل تضمّ أيضاً فوانيس، وأحذيةً قماشية بالية، وإبريقاً مطليّاً بالأزرق، وبطانياتٍ مطويّة، وخرائط مرسومة يدوياً، وأوامر مخطوطة. وثمّة لوحٌ حجري نُقش عام 1935 تخليداً لذكرى المقاتلين الذين سقطوا، وصندوقٌ خشبي للوثائق يعود إلى مقرّ قيادة أحد الجيوش. لقد كانت كلّ قطعةٍ منها ملكاً لإنسانٍ ما، وهي مجتمعةً تمنح القصة صدقها وحقيقتها.
الذاكرة مشروعٌ لا ينتهي
والدرس الرابع أن الذاكرة هنا ليست نُصباً يُشيَّد مرةً ثم يطويه النسيان؛ فقد أقام المتحف معارض عن المسيرة الطويلة في الأعوام 1996 و2006 و2016، وأضاف في كلّ مرة موادّ اكتُشفت حديثاً. وهكذا تبقى الذاكرة حيّةً متجدّدة، ويرى كلّ جيلٍ منها أكثر ممّا رآه الجيل الذي سبقه. ويُختتم المعرض بربط تضحيات الماضي بحاضر البلاد. صحيحٌ أنها روايةٌ رسمية تتبنّاها الدولة وتحمل رسالةً واضحة، غير أن أسلوبها في العرض ناجحٌ ومؤثّر.
ماذا يعني هذا لكوردستان؟
للشعب الكوردي تاريخٌ طويل من النضال، والبيشمركة في قلبه. ولا يزال كثيرٌ من الرجال والنساء الذين عاشوا ذلك التاريخ بيننا؛ قصصهم محفوظةٌ في ذاكرتهم، وفي صورٍ عائلية قديمة، وفي رسائل، وفي أسلحةٍ ومقتنيات تحتفظ بها البيوت في أرجاء الإقليم. ومع كلّ عامٍ يمضي، تضيع بعض هذه القصص إلى الأبد.
لدينا مواقع تذكارية مهمّة، كنُصب حلبجة التذكاري ومتحف أمنه سوركه في السليمانية، ولكنّ بناء متحفٍ وطني لتاريخ الكورد والبيشمركة قادرٌ على أن يقدّم ما هو أكثر من ذلك بكثير. وبعد ما رأيته في بكين، أرى أن مثل هذا المتحف يحتاج إلى أربعة أمور:
الجمع قبل فوات الأوان. توثيق شهادات المحاربين القدامى وذوي الشهداء ما داموا على قيد الحياة، وجمع المقتنيات الشخصية قبل أن تضيع.
القصص لا الشعارات. إبراز المقاتل الفرد، والأمّ التي انتظرت، والقرية التي آوت المقاتلين، والطفل الذي نشأ في الجبال، بدلاً من الاقتصار على القادة والانتصارات.
التجربة الحيّة والتعليم. توظيف المشاهد المجسّدة والأرشيف الرقمي والزيارات المدرسية المنتظمة، كي يعيش الشباب الكورد تاريخهم بدلاً من أن يكتفوا بالسماع عنه.
متحفٌ للجميع. سيكسب المتحف الوطني ثقة الأجيال القادمة إذا أداره مؤرّخون وأمناء متاحف مختصّون، واحتضن تضحيات الكورد جميعاً، وتناول الفصول الصعبة بصدق.
وبينما كنتُ واقفاً إلى جوار تلك الأجساد المتجمّدة على الجبل المصطنع في بكين، تذكّرتُ جبالنا، وتذكّرتُ البيشمركة الذين عبروها في الثلج والجوع والخوف. إنّ تضحياتهم تستحقّ أكثر من الخُطب؛ تستحقّ مكاناً يقف فيه أطفالنا، فيتأمّلون، ويدركون الثمن الذي دُفع من أجل حريتهم.