روح الميثاق في مواجهة الفيتو: هل تستعيد الأمم المتحدة بوصلتها؟

روح الميثاق في مواجهة الفيتو: هل تستعيد الأمم المتحدة بوصلتها؟
روح الميثاق في مواجهة الفيتو: هل تستعيد الأمم المتحدة بوصلتها؟

تتزامن في هذا اليوم، الرابع والعشرين من أكتوبر، مناسبتان دوليتان تقعان في قلب المصير البشري المشترك: يوم الأمم المتحدة، الذي يخلّد ذكرى دخول ميثاق التأسيس حيز التنفيذ عام 1945، واليوم العالمي للإعلام الإنمائي، الذي أقرته الجمعية العامة لتوجيه أنظار العالم نحو قضايا التنمية والعدالة المعرفية. غير أن الوقوف عند هاتين المناسبتين في هذا العام لا ينبغي أن يكون مجرد طقس دبلوماسي أو احتفالية بروتوكولية، بل هو محطة استثنائية لمراجعة واقع شائك، وتفكيك أزمات مرادفة، واستشراف آفاق عالم يمر بمخاض إعادة التشكيل.

لقد أُنشئت الأمم المتحدة عقب ويلات الحرب العالمية الثانية لتكون مظلة جامعة تحمي العالم من ويلتين: نشوب حرب عالمية ثالثة واستمرار الفقر والجهل والتهميش، ومن هنا، جاء ربط اليوم العالمي للإعلام الإنمائي باليوم الأممي لتأكيد حقيقة مفادها: لا سلام بدون تنمية عادلة، ولا تنمية بدون إعلام حر ومسؤول يملك شجاعة نقل الحقائق وتعبئة الجهود لتغيير واقع الشعوب المجهدة. لكن الفجوة بين الأهداف التأسيسية الشريفة والواقع الميداني أصبحت اليوم أوسع من أي وقت مضى.

يعيش العالم اليوم في ظل نظام دولي يموج بالاضطرابات والتنافس الجيوسياسي المحموم، وتتضح معالمه في عدة مظاهر خطيرة:

تآكل الثقة في المنظومة الأممية.. تقف الأمم المتحدة ومجلس الأمن في حالات كثيرة موقف الفلج والمراقب أمام الحروب المشتعلة والصراعات الممتدة من الشرق الأوسط إلى أوروبا الشرقية نتيجة استخدام حق النقض (الفيتو) والانقسام بين القوى الكبرى، ما أفقر القرارات الأممية من قدرة التنفيذ.

استنزاف التنمية لصالح التسلح.. في وقت تعاني فيه برامج الإغاثة والتنمية من عجز مالي حاد وتراجع التمويل تتجاوز الإنفاقات العسكرية العالمية سنوياً حاجز الـ 2.2 ترليون دولار، إن عسكرة الموارد هذه تأتي على حساب القضاء على الفقر وتوفير المياه والرعاية الصحية.

تعثر أهداف التنمية المستدامة (SDGs 2030).. تؤكد التقارير الأممية أن نحو 15% فقط من أهداف التنمية تسير في مسارها الصحيح، بينما تراجعت الشواهد المعيشية في معظم دول الجنوب العالمي بفعل الحروب والديون المحبطة والتغير المناخي الكارثي.

أزمة الإعلام والتضليل الرقمي.. لم يعد التحدي الإنمائي يقتصر على نقص شبكات الاتصال  حيث يظل أكثر من 2.6 مليار إنسان محرومين تماماً من الاتصال بالإنترنت  بل بات يواجه خطر التضليل الرقمي العميق والتقنيات الموجهة التي تُستخدم في تأجيج الصراعات وطمس الحقائق التنموية.

إن تحليل الوضع الراهن يظهر أن المشكلة لا تكمن في نصوص ميثاق الأمم المتحدة، بل في هندسة الحوكمة العالمية التي صيغت في منتصف القرن الماضي ولم تعد تعكس موازين القوى الديموغرافية والاقتصادية الحالية وخاصة صعود الجنوب العالمي المطالب بصوت متساوٍ وعدالة حقيقية.

ومع ذلك، يجب أن نكون عقلانيين وموضوعيين: فالأمم المتحدة ليست حكومة عالمية قادرة على فرض إرادتها بسحر ساحر، بل هي مرآة لإرادة دولها الأعضاء. ورغم الشلل السياسي في مجلس الأمن، تظل وكالاتها الإنسانية والتنموية (كالـ UNRWA، وUNICEF، وFAO، وUNESCO) شريان الحياة الوحيد والملاذ الأخير لملايين اللاجئين والمنكوبين حول العالم.

أمام العالم اليوم ثلاثة مسارات مستقبلية تحدد طبيعة المرحلة القادمة:

التآكل التدريجي والفوضى (السيناريو التشاؤمي).. استمرار شلل المنظمة وتصاعد صراع القوى العظمى ما يحول العلاقات الدولية إلى قانون القوة وتفكك التضامن الإنساني.

التشرذم إلى تكتلات إقليمية (السيناريو البديل).. تراجع دور المظلة الأممية الشاملة واستبدالها بتحالفات وتكتلات اقتصادية وأمنية مغلقة تدير شؤونها بشكل منفصل.

الإصلاح الهيكلي الراديكالي (سيناريو الأمل الممكن).. استجابة القادة الدوليين للضغوط المتزايدة وبناء حوكمة جديدة تمنح صوتاً أكبر للدول النامية، وتصلح مجلس الأمن والنظام المالي العالمي.

نداء وأمانة.. إلى دول العالم عشية اختيار الأمين العام القادم

تأتي هذه الذكرى بالتزامن مع استحقاق قيادي بالغ الأهمية والحساسية، حيث يقترب العالم من اختيار الأمين العام العاشر للأمم المتحدة. إننا نتوجه بهذه الرسالة الصريحة والنداء المباشر إلى كافة القادة والدول الأعضاء، وبخاصة القوى المؤثرة في مجلس الأمن والجمعية العامة:

إن أصواتكم في هذا الاستحقاق ليست مجرد صفقات سياسية عابرة أو مجاملات دبلوماسية، بل هي أمانة تاريخية ستحاسبنا عليها الأجيال القادمة.

نحو خيار يجسد روح الميثاق

تجاوز المحاصصة والسياسة الضيقة.. إن حجم الأزمات المركبة التي يواجهها كوكبنا لا يحتمل اختيار قيادة بأسلوب التوازنات النفعية الشكليّة بل يتطلب الانحياز لشخصية تتمتع بالاستقلالية والجرأة الأخلاقية للوقوف بوجه التغول الجيوسياسي والدفاع عن الميثاق.

اختيار صانع رؤية لا مدير إداري.. إن الأمين العام القادم لا ينبغي أن يكون مجرد مسير لبيروقراطية المقرات مقيداً بالتسويات بل يجب أن يكون صانع سلام وشخصية رؤيوية يملك الشجاعة لقيادة الإصلاحات الهيكلية ومخاطبة كافة الشعوب بلغة العدالة والمساواة.

التاريخ يراقب.. إن أي خطأ في الاختيار في زمن الحروب المتشابكة والذكاء الاصطناعي والتغير المناخي لن تدفع ثمنه أروقة نيويورك بل ستدفع ثمنه الشعوب المقهورة، والفقراء، والأجيال التي تستحق كوكباً آمناً وقابلاً للحياة.

إن الأمم المتحدة ليست مجرد مبنى في نيويورك، بل هي الضمير الحي المشترك للبشرية وفكرتها الأسمى. وإن إنقاذ هذه الفكرة وتفعيل دور الإعلام الإنمائي ليسا ترفاً فكرياً، بل هما شرطان أساسيان لنزوع عالمنا نحو السلام والعدالة واستدامة الحياة.