فلسفة الضوء و اللون يستنطق أصداء العابرين

فلسفة الضوء و اللون يستنطق أصداء العابرين
فلسفة الضوء و اللون يستنطق أصداء العابرين

ثمة شمس لا تشرق في السماء وحدها بل في ذاكرة الأشياء أيضاً شمس تضيء ما تركه العابرون خلفهم وتمنح الغياب وجهاً آخر للحضور. ومن هذا الضوء الذي يتجاوز حدود الزمن تشرق لوحة أصداء العابرين للفنان وليد إبراهيم لتستعيد الإنسان بوصفه أثراً لا ينطفئ وذاكرةً تواصل نبضها حتى بعد الرحيل.

في لوحاته (اعماله) اصداء العابرين  المعروضة حديثا" في معرضه روژ  الأخير لا تبدو الحياة مشهداً نراه بقدر ما تبدو ذاكرةً نعيش داخلها.. ذاكرة تتزاحم فيها الوجوه والحكايات وتتداخل فيها ملامح الإنسان مع تفاصيل المكان حتى يغدو العبور أثراً لا يمحوه الزمن.
نرى في هذه اللوحة  تراكب لوني غني تتجاور فيه ضربات الفرشاة العفوية مع التكوينات الخطية والإيقاعات الدائرية في توازن دقيق بين الاندفاع والتماسك وتمنح التباينات بين الألوان الحارة والباردة سطح العمل حيويةً وعمقاً. .

في هذه اللوحة  يستوقفني النسيج اللوني المشحون بالدفء فاللون الاحمر والبرتقالي كأنها وهج الشمس والذكريات المشرقة. تخترقها ومضات الأزرق والأخضر كنوافذ صغيرة من الحياة والأمل. هذا التضاد اللوني المدروس يخلق توازناً مريحاً للعين و يضفي عمقاً وسحراً خاصاً على المشهد
نراها  تتحاور ..تتصارع وتتصالح لتمنح اللوحة إيقاعاً يشبه نبض الحياة بكل ما فيه من حنين ودهشة.

حيث يتجاوز اللون وظيفته الوصفية ليصبح بنية دلالية مستقلة ..
يكشف السطح عن جيولوجيا بصرية قائمة على تراكم الطبقات..

 المحو والإضافة.يشبه جلداً حياً يحمل ندوب الزمن ورغم أن الكثافة الطبقية قد تربك المتلقي أحياناً وتذيب تفاصيل العمق إلا أن هذه العتمة والومضات المتقطعة تتسق تماماً مع طبيعة الذاكرة الإنسانية التي لا تستحضر الأشياء كاملة بل عبر شذرات متناثرة.
في هذا النسيج الإيقاعي تتقاطع الأجساد مع الأسماك  فكلاهما كائن عابر يتحرك بين الحضور والزوال وبين عتمة الطين وسيولة الماء. الإنسان يعبر والسمكة تمتد لتشكل ذاكرة المكان ليغدو العبور نفسه حالة كينونة والجسد مساحة مؤقتة تتأرجح بين ما كان وما سيكون. 

حين تذوب الوجوه ..ذاكرة المدن، العائلات، والمهاجرين. 

هنا اللوحة  لا تسرد حكاية خطية بل تحرض على فعل التذكر . قد يحتاج المشاهد إلى زمن خاص للتأقلم مع توزيع العناصر لكن هذا البطء هو جوهر اللوحة  فاللوحة لا تشرح الذاكرة بل تجعلنا نمارسها بنبش الملامح ووصل الشظايا والخلط بين الواقع والمتخيل...
نستطيع القول بأن تجربة وليد إبراهيم تتقاطع مع تعبيرية إدفارد مونك المشحونة وعوالم مارك شاغال الحلمية واستقلالية الألوان عند كاندينسكي وصولاً إلى تفكيكية بيكاسو .. هذه التقاطعات لا تلغي فرادة العمل بل تضعه في سياق تحولات الفن الحديث..
حيث كل خط وبقعة في اللوحة  تضيف صدىً جديداً إلى المشهد دون أن يغلق أبواب التأويل. إنها لوحة لا تمنح أسرارها من النظرة الأولى بل تدعونا إلى الإصغاء لما وراء اللون وإلى اكتشاف ما تركه العابرون فينا من آثار لا ترى.

واحتفاء بالإنسان حين يتحول إلى علامة وبالمكان حين يتحول إلى كائن حي يتذكر  ..
الأجساد تعبر والوجوه تتوارى.. لكن الذاكرة تظل قادرة على إعادة الحياة إلى كل ما ظنناه غائباً....
روژ والتي تضيء أصداء العابرين ليست حكاية من ضوء فحسب بل حكاية ما يتبقى من الراحلين فينا..

الفنان وليد إبراهيم