سیاسة
د. ئاگرین عبدالله عزیز
د. ئاگرین عبدالله عزیز

كاتب

أزمة العلاقة بين الحكومة الاتحادية وإقليم كوردستان: إنها العقلية السياسية!

أزمة العلاقة بين الحكومة الاتحادية وإقليم كوردستان: إنها العقلية السياسية!
أزمة العلاقة بين الحكومة الاتحادية وإقليم كوردستان: إنها العقلية السياسية!

كُتب الكثير عن الخلافات السياسية والمالية بين الحكومة الاتحادية العراقية وحكومة إقليم كردستان، وهي خلافات تعود جذورها إلى سنوات طويلة، وشكّل عام 2014 إحدى أبرز محطاتها المفصلية، حين أقدمت الحكومة الاتحادية آنذاك على قطع حصة الإقليم من الموازنة الاتحادية بصورة كاملة. ومنذ ذلك الحين، دخل الإقليم، حكومةً وشعباً، في دوامة من الأزمات والتحديات، كان في مقدمتها ملف الرواتب، إذ واجهت حكومة الإقليم صعوبات كبيرة في تأمين مستحقات موظفيها بصورة منتظمة، في ظل محدودية الموارد المالية المتاحة لها وعدم كفايتها لتغطية الالتزامات المالية المتزايدة. ولم تقتصر التداعيات على الرواتب، بل امتدت لتشمل جوانب اقتصادية وخدمية وسياسية عديدة، وأثّرت بصورة مباشرة في قدرة الإقليم على تنفيذ مشاريعه التنموية وتطوير بنيته التحتية.

لا أريد أن أطيل الحديث عن تفاصيل ما جرى في الماضي وأسبابه، فقد كُتب في ذلك الكثير. لكن يكفي التذكير بأن قرار قطع الموازنة جاء متزامناً مع الحرب التي خاضها إقليم كردستان ضد تنظيم داعش الإرهابي، في مرحلة كانت تتطلب تضافر الجهود والإمكانات لمواجهة خطر أمني جسيم. وقد شكّل القرار صدمة اقتصادية وسياسية لقيادة الإقليم، التي وجدت نفسها أمام واقع بالغ الصعوبة، فرض عليها إدارة شؤونها بالاعتماد على موارد داخلية محدودة، لم تكن كافية لتغطية النفقات الأساسية، من رواتب الموظفين والخدمات العامة إلى المتطلبات الأمنية والمشاريع الاستراتيجية الخاصة بالبنية التحتية.

لكن السؤال الأهم الذي يستحق النقاش اليوم ليس فقط: كيف بدأت الأزمة؟ بل: لماذا استمرت كل هذه السنوات؟ ولماذا تتكرر الخلافات نفسها، على الرغم من تعاقب الحكومات الاتحادية وتغيّر القيادات السياسية والكابينات الحكومية؟ إن استمرار الأزمة، رغم التغيّرات السياسية المتعاقبة، يدفعنا إلى التفكير في احتمال أن تكون المشكلة أعمق من مجرد خلاف على الأموال أو الصلاحيات الدستورية. فربما يكمن جانب أساسي من المشكلة في العقلية السياسية التي تتعامل بها بعض النخب في الحكومة الاتحادية مع قضية إقليم كردستان، وفي التصورات التي تحكم نظرتها إلى العلاقة بين المركز والإقليم. وإذا كانت الحكومات تتغير، بينما تستمر أنماط التعامل ذاتها، فمن المشروع أن نتساءل عما إذا كانت المشكلة مرتبطة بنهج سياسي راسخ يتجاوز الأشخاص والحكومات.

وهنا ينبغي أن نتوقف ونتأمل طبيعة هذا الصراع، والنتائج التي يمكن أن تترتب على استمراره. كما ينبغي أن يكون المثقفون والأكاديميون والسياسيون المعتدلون من الجانبين جزءاً من حوار جاد ومسؤول، يهدف إلى تشخيص أسباب الأزمة ووضع الحلول لها، لا إلى تعميق الخلافات أو إعادة إنتاجها. فالمطلوب أن يكون الحوار جسراً للحل، لا ساحة جديدة للصراع. ومن المعروف في العلوم الاجتماعية أن النزاعات بين الأطراف قد تنشأ عن تضارب المصالح، أو ضعف الثقة، أو غياب آليات عادلة وفعالة لإدارة الخلافات. غير أن المشكلة تزداد تعقيداً عندما تتحول الخلافات السياسية إلى صراع على النفوذ، أو عندما تصبح موازين القوة أكثر تأثيراً من القانون والحقوق. وقد أظهرت تجارب تاريخية عديدة أن الطرف الأقوى ليس بالضرورة الطرف الأحق، وأن فرض الإرادة بالقوة قد يحقق مكاسب مؤقتة، لكنه لا يؤسس بالضرورة لاستقرار مستدام أو تعايش حقيقي.

وانطلاقاً من إيماننا بأهمية التعايش السلمي بين مكونات العراق، على اختلاف قومياتها وأديانها ومذاهبها، فإن تناول القضية الكردستانية ينبغي أن يستند إلى الموضوعية والإنصاف واحترام الدستور. وعند النظر إلى مسار العلاقة بين بغداد وأربيل، لا يمكن تجاهل ما يراه كثيرون من قصور في معالجة عدد من الحقوق الدستورية والمالية المستحقة لإقليم كردستان ومواطنيه. ولكيلا يبقى الحديث في إطار العموميات، يمكن التوقف عند ملف الموازنة الاتحادية لعام 2027، وما يثار بشأنه من تساؤلات تتعلق بحقوق الإقليم والتزاماته المالية. ومن بين القضايا التي تستحق المعالجة الجادة مدى مراعاة المعايير السكانية في توزيع الموارد، في ضوء نتائج التعداد السكاني الأخير والبيانات الرسمية المعتمدة، فضلاً عن حقوق الموظفين الذين أُحيلوا إلى التقاعد، وملف الترفيعات والعلاوات الوظيفية المستحقة قانوناً، التي ينتظر عدد من موظفي الإقليم تسويتها منذ سنوات طويلة أن بعض الموظفين قد وافهم المنية قبل أن يروا حقوقهم تتحقق ، بحسب ما أعلنته أطراف معنية بهذا الملف.

وهنا يبرز سؤال جوهري: لماذا يستمر هذا التعثر؟ وهل يعود إلى اختلافات فنية حقيقية يمكن معالجتها بالحوار والاتفاق، أم أن هناك مشكلة أعمق في طريقة إدارة العلاقة بين الحكومة الاتحادية والإقليم؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تتطلب شفافية في عرض البيانات، وتحديداً واضحاً للمسؤوليات، والاحتكام إلى النصوص الدستورية والقانونية، بعيداً عن الاتهامات المتبادلة أو التفسيرات الانتقائية. وفي هذا السياق، أُشير إلى ما ورد في البيانات المتداولة بشأن تحويلات الحكومة الاتحادية إلى إقليم كردستان خلال السنوات الماضية. فقد نُسب إلى بيان رسمي صادر عن وزارة المالية في الإقليم أن مجموع المبالغ المرسلة خلال اثنتي عشرة سنة بلغ نحو 42 تريليون دينار عراقي وهذا يعنى ان المعدل السنوى يبلغ نحو 3.5 تريليون دينار سنوياً.

وفي المقابل، تُطرح تقديرات تشير إلى أن احتياجات الإقليم المالية السنوية قد تصل إلى نحو 14 تريليون دينار، وفقاً لطبيعة الالتزامات التي يجري احتسابها. ولعل ما حدث معي شخصياً في عام 2016 يوضح مدى تأثير الخطاب السياسي والإعلامي في تشكيل تصورات المواطنين عن هذه القضية. ففي أثناء توجهي من مطار بغداد إلى اجتماع متعلق بصندوق إعادة الإعمار، استقللت سيارة أجرة، ودار بيني وبين سائقها حديث عن العلاقة بين بغداد وأربيل. وخلال الحديث، قال السائق، ببساطة وثقة، إن الحكومة الاتحادية ترسل رواتب موظفي الإقليم شهرياً إلى مطار أربيل، لكن السلطات هناك تستولي عليها ولا تسلمها إلى الموظفين!!

وفي ختام هذا الطرح، أتوجه إلى السياسيين والمثقفين والإعلاميين وسائر المهتمين بالشأن العراقي بسؤال أراه أساسياً لفهم الأزمة والبحث عن حلها: هل إن العقلية التي تُدار بها العلاقة بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان تنسجم فعلاً مع مبادئ الشراكة والعيش المشترك التي أقرها الدستور العراقي الدائم لعام 2005؟ وهل تساعد هذه العقلية على ترسيخ الثقة بين الطرفين، أم أنها تعيد إنتاج الخلافات التي أثقلت كاهل المواطنين وأضعفت فرص الاستقرار؟ ان استحضار تاريخ العراق الحديث يذكّرنا بأن تجاهل الحقوق المشروعة، أو محاولة معالجة القضايا السياسية بمنطق الغلبة والإقصاء، قد يفتح الباب أمام أزمات يصعب احتواؤها. وقد شهد الشعب الكردستاني، عبر عقود من تاريخه، محطات قاسية من الصراع والنضال، دفع خلالها أثماناً بشرية باهظة. ومن الحكمة اليوم أن نتعلم من دروس الماضي، لا أن نسمح بتكرار أسبابه بأشكال جديدة.

إن المطلوب ليس انتصار طرف على آخر، بل نجاح الدولة العراقية في ترسيخ نظام اتحادي عادل، يحترم الدستور، ويصون حقوق المواطنين، ويجعل الحوار والمؤسسات القانونية المرجعية الأساسية لحل الخلافات. فالعراق بحاجة إلى حكومة اتحادية قوية وعادلة، وإلى إقليم كردستان قوي ومستقر اقتصادياً وسياسياً، يعملان معاً في إطار الشراكة والمسؤولية المشتركة. ونحن نعيش في منطقة تعصف بها الاضطرابات والتحولات السياسية والأمنية.