كوردستان 24 في عامها الحادي عشر... مسيرة إعلامية تتجدد وطموح يتطلع إلى المستقبل

كوردستان 24 في عامها الحادي عشر... مسيرة إعلامية تتجدد وطموح يتطلع إلى المستقبل
كوردستان 24 في عامها الحادي عشر... مسيرة إعلامية تتجدد وطموح يتطلع إلى المستقبل

أحد عشر عاماً مرت على انطلاق قناة كوردستان 24، وهي مناسبة تستحق التوقف عندها، ليس لمجرد الاحتفال بذكرى التأسيس، وإنما للتأمل في تجربة إعلامية أصبحت حاضرة في المشهد الإعلامي الكوردي، وفي ما قدمته خلال السنوات الماضية، وما ينتظرها من مسؤوليات وتحديات في المرحلة المقبلة.

لقد شهدت كوردستان والمنطقة خلال السنوات الإحدى عشرة الماضية تحولات سياسية وأمنية واقتصادية كبيرة، وكان الإعلام في قلب هذه التحولات، يتابع الأحداث وينقل تفاصيلها، ويحاول تفسير ما يجري وانعكاساته على حياة الناس ومستقبلهم. وفي خضم هذه الظروف، واصلت كوردستان 24 عملها في تغطية الشأن الكوردي، ومتابعة التطورات العراقية والإقليمية والدولية، وتقديم الأخبار والبرامج والتقارير لجمهورها داخل كوردستان وخارجها.

ومن وجهة نظري، فإن قيمة أي مؤسسة إعلامية لا تتوقف عند قدرتها على نقل الخبر بسرعة، بل تتحدد أيضاً بقدرتها على تقديم المعلومة الصحيحة، ووضع الأحداث في سياقها، ومساعدة المشاهد على فهم ما يجري من حوله. فالسبق الصحفي مهم، لكن المصداقية هي التي تصنع الثقة وتمنح المؤسسة مكانتها على المدى الطويل.

الإعلام مسؤولية قبل أن يكون مهنة

لم يعد الإعلام في عالم اليوم مجرد وسيلة لنقل الأخبار، فقد أصبح أحد العوامل المؤثرة في تشكيل الرأي العام، وفي طريقة فهم المجتمعات للأحداث والقضايا التي تمس حاضرها ومستقبلها. ومع اتساع المنافسة الإعلامية وتعدد مصادر المعلومات، باتت المسؤولية أكبر، وأصبح التحقق من الأخبار والتمييز بين الحقيقة والشائعة، وبين الخبر والرأي والتحليل، أمراً لا يمكن التهاون فيه.

وهنا تكمن أهمية المهنية والاستقلالية والموضوعية. فالإعلام القوي ليس الذي يكتفي بتقديم ما يرغب الجمهور في سماعه، وإنما الذي يحترم عقل المشاهد، ويقدم له المعلومات بوضوح، ويفتح المجال للنقاش وتعدد الآراء. كما أن قوة المؤسسة الإعلامية لا تقاس بعدد ساعات البث أو حجم انتشارها فقط، بل بما تبنيه من ثقة بينها وبين جمهورها.

وبالنسبة إلى الإعلام الكوردي، فإن هذه المسؤولية تكتسب أهمية إضافية، لأن كوردستان ليست مجرد منطقة تتصدر أخبارها العناوين بين الحين والآخر، بل لديها تاريخ وقضية وتجربة سياسية وثقافية واجتماعية تحتاج إلى إعلام قادر على نقلها وشرحها للعالم بصورة مهنية.

كوردستان 24 وصورة كوردستان أمام العالم

أعتقد أن من أبرز التحديات أمام الإعلام الكوردي عموماً، هو الانتقال من مجرد متابعة الأحداث اليومية إلى المشاركة الفاعلة في تقديم صورة كوردستان للرأي العام الدولي.

فكثيراً ما تكون القضايا الكوردية حاضرة في وسائل الإعلام الدولية، لكن تناولها لا يعكس دائماً حقيقة الواقع أو جميع أبعاده. ومن هنا تأتي أهمية وجود مؤسسات إعلامية كوردية تمتلك القدرة على مخاطبة العالم بلغاته المختلفة، وتقديم المعلومات والتحليلات، والتعريف بتاريخ كوردستان وهويتها وثقافتها وتجربتها السياسية.

إن الإعلام لا يستطيع أن يحل محل الدبلوماسية أو المؤسسات السياسية، لكنه يستطيع أن يكون جسراً مهماً للتواصل، وأن يساهم في إيصال صوت المجتمع الكوردي إلى الخارج. وهذه مسؤولية تتطلب عملاً مهنياً مستمراً، وتطويراً للمحتوى، وتوسيعاً لشبكة المراسلين، والاهتمام بالإعلام متعدد اللغات، حتى لا تبقى كوردستان حاضرة في الأخبار التي يكتبها الآخرون عنها فقط، بل تكون قادرة أيضاً على تقديم روايتها وصورتها بنفسها.

وراء الشاشة جهود تستحق التقدير

وفي كل مناسبة تتعلق بمسيرة مؤسسة إعلامية، لا ينبغي أن ننسى أن ما يشاهده الجمهور على الشاشة هو نتيجة عمل فريق كامل، قد لا تظهر أسماؤه أمام الكاميرات، لكنه يتحمل جزءاً أساسياً من مسؤولية نجاح العمل واستمراره.

فالصحفي والمراسل والمحرر والمصور والمخرج والمهندس والفني والإداري، جميعهم يشكلون حلقات متكاملة في صناعة المحتوى الإعلامي. وقد تتطلب تغطية حدث واحد ساعات طويلة من العمل والجهد، وأحياناً ظروفاً صعبة تستوجب سرعة التصرف ودقة الأداء والالتزام بالمسؤولية المهنية.

لذلك، فإن التهنئة في هذه المناسبة لا تقتصر على إدارة القناة أو الوجوه التي تظهر أمام المشاهدين، بل تشمل كل العاملين فيها، وكل من ساهم في تأسيسها واستمرارها وتطوير تجربتها. فالمؤسسات لا تُبنى بالأجهزة والاستوديوهات وحدها، وإنما بالخبرات والكفاءات والطاقات البشرية التي تقف وراءها.

المشاهد هو أساس الثقة والاستمرار

هناك حقيقة لا يمكن لأي مؤسسة إعلامية تجاهلها، وهي أن الجمهور ليس مجرد متلقٍ لما يُبث على الشاشة. فالمشاهد اليوم يمتلك خيارات واسعة، ويتابع أكثر من وسيلة إعلامية، ويقارن بين التغطيات والمعلومات، ويستطيع أن يعبّر عن رأيه وانتقاده من خلال المنصات الرقمية.

ولهذا، فإن الحفاظ على ثقة الجمهور يحتاج إلى عمل يومي، وإلى الاستماع لملاحظاته واحترام حقه في المعرفة، وتقديم محتوى يعكس اهتماماته وقضاياه الحقيقية. كما أن النقد المهني ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره فرصة للتطوير، لا أمراً ينبغي الابتعاد عنه.

وأرى أن المؤسسة الإعلامية التي تريد الاستمرار والتقدم هي التي تعرف جمهورها، وتفهم تطلعات الأجيال الجديدة، ولا تكتفي بما حققته في الماضي، بل تراجع تجربتها باستمرار وتبحث عن الأفضل.

المرحلة المقبلة تحتاج إلى طموح أكبر

اليوم، يقف الإعلام أمام تحولات لا تقل أهمية عن التحولات السياسية التي تشهدها المنطقة. فالذكاء الاصطناعي، والتطور التكنولوجي، وانتشار المنصات الرقمية، والتغير في أساليب متابعة الأخبار، كلها عوامل أعادت رسم خريطة العمل الإعلامي.

ولم يعد كافياً أن تمتلك المؤسسة قناة تلفزيونية ناجحة، بل أصبح عليها أن تكون حاضرة بقوة في الفضاء الرقمي، وأن تنتج محتوى يناسب مختلف الفئات العمرية، وأن تستثمر في الصحافة الاستقصائية والتحليلية، وفي تدريب الكوادر الشابة وتطوير قدراتها.

كما أن المرحلة المقبلة تتطلب اهتماماً أكبر بالتحقق من المعلومات ومواجهة الأخبار المضللة، وتعزيز الشفافية والتعددية، وتوسيع مساحة النقاش حول القضايا التي تهم المجتمع الكوردي. فالتطور الحقيقي لا يعني تحديث الأجهزة والتقنيات فقط، بل يشمل أيضاً تطوير الفكر الإعلامي وأسلوب العمل والقدرة على التعامل مع متغيرات العصر.

ومن المهم أن تكون السنوات المقبلة فرصة لتعزيز القرار التحريري المهني، وتقديم محتوى يوازن بين متابعة الأحداث السياسية والاهتمام بالقضايا الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تمس حياة المواطن اليومية.

أحد عشر عاماً... وما زالت المسيرة مستمرة

في الذكرى الحادية عشرة لتأسيس كوردستان 24، أتوجه بالتحية والتقدير إلى جميع العاملين في القناة، وإلى الصحفيين والمراسلين والفنيين والإداريين، وإلى كل من وضع جهداً أو فكرة أو خبرة في بناء هذه التجربة الإعلامية، وكذلك إلى جمهورها الذي تابعها خلال السنوات الماضية.

إن أحد عشر عاماً من العمل تمثل محطة مهمة، لكنها في الوقت نفسه تضع أمام المؤسسة مسؤولية أكبر في مواصلة التطوير ومراجعة التجربة والاستعداد لما هو قادم. فالنجاح لا يعني الاكتفاء بما تحقق، وإنما القدرة على البناء عليه وتقديم الأفضل.

أتمنى لكوردستان 24 مزيداً من النجاح والتقدم، وأن تواصل حضورها الإعلامي بمهنية أكبر، وأن تكون قادرة على نقل واقع كوردستان بكل أبعاده، وأن تمنح جمهورها إعلاماً يحترم الحقيقة ويقدّر عقل المشاهد، ويعكس صورة شعب يمتلك تاريخاً وتطلعات نحو المستقبل.

كل عام وكوردستان 24 بألف خير، والتحية لكل من ساهم في مسيرتها، ولكل من يعمل خلف الشاشة وأمامها.

أحد عشر عاماً مضت، وما زال الطريق مفتوحاً أمام المزيد من العمل والإنجاز فالإعلام الحقيقي لا يعيش على أمجاد الماضي، بل يثبت قيمته بما يقدمه اليوم، وبما يستطيع أن يحققه غداً.