كورديّ سنجاريّ أصيل، إنسانيّ الانتماء… لن نتنازل عن الحقيقة لإرضاء أحد

كورديّ سنجاريّ أصيل، إنسانيّ الانتماء… لن نتنازل عن الحقيقة لإرضاء أحد
كورديّ سنجاريّ أصيل، إنسانيّ الانتماء… لن نتنازل عن الحقيقة لإرضاء أحد

أنا سنجاريّ، من مدينة لم تكن يوماً مجرد بقعة على الخريطة، بل موطناً للتاريخ والذاكرة والتنوع والتعايش. أنا ابن أرض عاش فيها المسلمون والإيزيديون والمسيحيون إخوةً وجيراناً، تقاسموا الحياة والأرض والخبز، كما تقاسموا المحن والآلام. ولم تكن اختلافاتهم الدينية يوماً سبباً للتخلي عن إنسانيتهم أو إنكار ما يجمعهم من روابط الجيرة والانتماء إلى هذه الأرض.

عانت سنجار وأهلها ظلماً كبيراً في ظل النظام البعثي السابق؛ فقد تعرض أبناؤها للاضطهاد والتهجير والسجن والتعذيب، وفقدت عائلات كثيراً من أحبائها، وصودرت حقوق وممتلكات. ولم تقتصر سياسات النظام على القمع والاضطهاد، بل سعى جاهداً إلى تعريب سنجار وتغيير هويتها القومية، كما عمل على إثارة الفرقة بين أبنائها وضرب نسيجها الاجتماعي، في محاولة لطمس انتمائها الكوردي وإضعاف روابط أهلها التاريخية. لكنه أخفق في تحقيق أهدافه، ولم يكن ذلك الفشل وليد الصدفة أو أمراً اعتباطياً، بل كان ثمرة تضحيات المناضلين، وثبات أبناء المنطقة وصمود أبطالها في مواجهة تلك السياسات، إلى جانب الدور الفاعل للقيادة الحكيمة للرئيس مسعود بارزاني، التي أسهمت في تعزيز ذلك الصمود والحفاظ على الهوية والحقوق.

لقد دفعت عائلاتنا أثماناً باهظة، وتحملت الألم والفقد، لكنها لم تتخلَّ عن كرامتها ولا عن إيمانها بحقوقها. ومن هنا، فإن الدفاع عن هويتنا وحقوقنا ليس عيباً، والتمسك بأرضنا ليس تهمة، والقول بالحقيقة ليس موقفاً ضد أحد. إنما المشكلة أن يتنكر الإنسان لتاريخه خوفاً من الآخرين، أو يقبل بتزييف الوقائع إرضاءً لهذا الطرف أو ذاك. فالاعتزاز بالهوية لا ينتقص من حقوق الآخرين، والاعتراف بالخصوصية القومية لا يعني رفض التنوع، كما أن الإنصاف لا يتحقق بإخفاء الحقائق أو الالتفاف عليها.

ولو كان التخلي عن هويتنا القومية طريقاً إلى النجاة، لربما اختار أجدادنا وآباؤنا ذلك في زمن النظام السابق، تجنباً للتهجير والسجون والتعذيب، وربما الموت. لكنهم لم يفعلوا؛ لأن الهوية ليست ثوباً نخلعه حين تشتد الظروف، ولا شعاراً نرفعه حين تقتضي المصلحة ثم نتخلى عنه عندما تصبح كلفته باهظة. إنها جزء من تاريخنا وذاكرتنا، ولا يجوز أن يُطلب من الإنسان التخلي عنها حتى ينال حقاً مشروعاً من حقوقه.

نحن لا نتمسك بكورديتنا انتقاصاً من أحد، ولا ندافع عن حقوقنا على حساب حقوق الآخرين. نؤمن بأن كرامة الإنسان واحدة، وأن أبناء سنجار، من المسلمين والإيزيديين والمسيحيين، يستحقون جميعاً العدالة والإنصاف والعيش بأمان وكرامة على أرضهم. فما شهدته المدينة لم يكن مجرد مأساة يمكن اختزالها في أرقام أو أسماء أو انتماءات دينية، بل ظلماً مسّ الإنسان وكرامته وحقه في الحياة والحرية والأمان.

وفي معركة تحرير سنجار من تنظيم «داعش» الإرهابي، التي جرت في ظل قيادة الرئيس مسعود بارزاني وإشرافه على خطة التحرير، قدّم مقاتلو البيشمركة تضحيات جسيمة دفاعاً عن الأرض والإنسان. ولم تكن تلك المعركة مجرد انتصار عسكري، بل محطة مفصلية في تاريخ المدينة، ارتبطت بتضحيات المقاتلين الذين واجهوا التنظيم الإرهابي، وبالأمل الذي استعادته عائلات كانت تنتظر نهاية الخوف والعودة إلى بيوتها. لقد أثبتت تلك المعركة أن سنجار لم تكن وحدها في محنتها، وأن إرادة التحرير والصمود كانت أقوى من محاولات الإرهاب والدمار.

ووفق الإحصاءات المعتمدة، بلغت تضحيات البيشمركة في معارك تحرير سنجار 500 شهيد وثلاثة آلاف جريح. وهذه الأرقام ليست تفصيلاً عابراً في سجل الحرب، ولا مادة للاستخدام السياسي، بل شهادة على الثمن الباهظ الذي دفعه المقاتلون من أجل تحرير المدينة من تنظيم إرهابي ارتكب جرائم لا يمكن إنكارها أو التقليل من فظاعتها. إن الوفاء لهؤلاء الشهداء والجرحى يبدأ بالاعتراف بتضحياتهم واحترامها، وصون الحقيقة التاريخية التي تحفظ مكانتهم في ذاكرة سنجار وأهلها.

ومع ذلك، فإن تحرير الأرض لا يعني أن معاناة أهلها قد انتهت. فما زالت قضية النازحين والعودة وإعادة الإعمار والاستقرار من الملفات التي تحتاج إلى حلول جدية، وما زالت عائلات كثيرة تنتظر العودة إلى بيوتها واستعادة ممتلكاتها وحياتها الطبيعية. ومن غير المقبول أن تستمر هذه المعاناة بسبب الحسابات السياسية أو الخلافات بين القوى، أو أن تصبح حقوق المهجّرين ورقة تُستخدم في الصراع على النفوذ.

إن سنجار ليست ملكاً لحزب أو جهة أو جماعة بعينها؛ إنها أرض أهلها وموطن تاريخهم المشترك، بكل ما يحمله من تنوع وذاكرة وتضحيات. ومن حق أبنائها أن يعيشوا فيها بأمان، وأن يستعيدوا منازلهم وأراضيهم وممتلكاتهم، وأن تُحترم إرادتهم وهوياتهم من دون إقصاء أو تمييز. وتقع على عاتق المسؤولين، أياً كانت مواقعهم وانتماءاتهم، مسؤولية تهيئة الظروف اللازمة لعودة المهجّرين وإنهاء معاناتهم، لا إطالة أمدها أو استثمارها في الحسابات السياسية.

ومن هنا، لا يمكن فصل قضية سنجار عن طبيعة العلاقة بين الحكومة الاتحادية في بغداد وحكومة إقليم كوردستان. فالقرارات التي تمس أمن المناطق المتنازع عليها واستقرارها ومستقبل سكانها لا ينبغي أن تُتخذ بمنطق الإقصاء أو تجاوز الأطراف المعنية، بل في إطار الشراكة والتنسيق والاحترام المتبادل، وبما ينسجم مع الدستور والقانون ويحفظ حقوق المواطنين.

إن التفاهمات المتعلقة بأمن سنجار وإدارتها ومستقبلها ينبغي أن تقوم على مشاركة الأطراف المعنية، وفي مقدمتها الحكومتان الاتحادية وحكومة الإقليم، مع ضمان أن يكون لأبناء سنجار صوت حقيقي في القرارات التي تخصهم. ولا أطرح هذه المسألة من باب الاعتراض على أي خطوة تهدف إلى تعزيز الأمن والاستقرار، بل من منطلق الإيمان بأن الاستقرار المستدام لا يتحقق بإبعاد الشركاء أو تهميشهم، وإنما بإشراكهم في صناعة القرار وتحمل مسؤولياته.

إن تجاهل الشراكة بين بغداد وأربيل في الملفات المشتركة، أو اتخاذ خطوات قد تُفهم على أنها تجاوز لدور أحد الطرفين، من شأنه أن يضعف الثقة ويزيد التوترات بدلاً من معالجتها. والعراق، بما يواجهه من تحديات سياسية وأمنية واقتصادية، ليس بحاجة إلى فتح أبواب جديدة للخلاف، بل إلى معالجة الملفات العالقة بالحوار والحكمة والاحتكام إلى الدستور والقانون.

وفي هذا السياق، أرى أن أمام رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي فرصة للعمل على تعزيز التقارب بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كوردستان، وفتح مسارات جدية لحل المشكلات العالقة بالتعاون مع رئيس حكومة الإقليم مسرور بارزاني. وما زال لدينا أمل في أن تكون المرحلة المقبلة فرصة لتغليب الحوار والتفاهم على الخلاف، وأن تُعالج الملفات المشتركة بروح المسؤولية، بعيداً عن القرارات التي قد تعمّق الانقسام أو تضعف الثقة بين الطرفين.

إننا لا نطالب بأن تكون الكلمة لطرف على حساب آخر، ولا بأن تُمنح جهة سياسية امتيازات خاصة، بل بأن تكون هناك شراكة حقيقية تحترم مسؤوليات كل طرف، وتضع مصالح المواطنين فوق الحسابات الحزبية. فنجاح الحكومة لا يُقاس بقدرتها على اتخاذ القرارات منفردة، وإنما بقدرتها على بناء الثقة، وجمع الأطراف حول حلول عملية، ومعالجة الأزمات بما يحفظ حقوق الجميع.

وهذا ما يتطلع إليه أبناء كوردستان، وما يحتاج إليه أبناء سنجار أيضاً: قرارات عادلة ومدروسة، واحترام للتضحيات، وشراكة سياسية حقيقية، وعدم تحويل الملفات الأمنية والإدارية إلى أسباب إضافية للتوتر. فأبناء سنجار الذين دفعوا أثماناً باهظة بسبب هويتهم وتمسكهم بحقوقهم، وقدموا تضحيات كبيرة من أجل أرضهم ووطنهم، لا يطلبون امتيازات على حساب الآخرين؛ إنما يطالبون بالعدالة وصون الكرامة، وبأن يكون لهم ولمن يمثلهم دور في القرارات التي تحدد مستقبل مدينتهم.

إن قوة الدولة لا تظهر في استبعاد طرف، بل في قدرتها على جمع الأطراف حول المصلحة العامة. وقوة العلاقة بين بغداد وأربيل لا تُقاس بعدد الاتفاقات المعلنة، بل بمدى الالتزام بها وتنفيذها بروح الشراكة. أما سنجار، فلا ينبغي أن تبقى ساحة لتصفية الحسابات أو اختبار موازين القوى، بل يجب أن تكون نموذجاً لاستعادة الحقوق وترسيخ التعايش وبناء الثقة بين مكونات المجتمع العراقي.

نحن لا نريد أن تتحول تضحيات الماضي إلى خلافات جديدة في الحاضر، ولا أن تصبح معاناة أهلنا وسيلة للمساومة السياسية. نريد دولة تحترم القانون وتضمن العدالة، وعلاقة متينة بين بغداد وأربيل تقوم على التعاون لا الإقصاء، وحلولاً تضع الإنسان وحقوقه في صدارة الأولويات. وهذا ليس مطلباً كوردياً فحسب، بل مصلحة عراقية عامة.

أنا كورديّ سنجاريّ أصيل، إنسانيّ الانتماء. ولا أرى تعارضاً بين الاعتزاز بأصلي وهويتي وبين انتمائي الإنساني؛ فاعتزازي بجذوري لا ينتقص من إنسانيتي، وتمسكي بكورديتي لا يلغي احترامي للآخرين. وما أطالب به لنفسي ولأبناء مدينتي أؤمن بأنه حق لكل إنسان: أن يعيش بكرامة، وأن يحتفظ بهويته، وألا يُضطر إلى الاختيار بين انتمائه وحقوقه.

أنا مع القانون والعدالة، وأبحث عن الإنسانية في كل موقف وقرار. لا أريد أن تكون هويتي سبباً للعداء، ولا أن تتحول تضحيات أبناء مدينتي إلى مبرر لتهميشهم، ولا أن تُستخدم معاناة الناس لخدمة مصالح سياسية ضيقة. أؤمن بأن الخلافات، مهما تعقدت، يمكن أن تجد طريقها إلى الحل إذا توافرت الإرادة الصادقة، واحترم الجميع القانون، ووُضعت كرامة الإنسان فوق المصالح.

لن نتنازل عن الحقيقة لإرضاء أحد، ولن نتخلى عن هويتنا لإثبات إنسانيتنا. سنظل نطالب بالعدالة والشراكة واحترام الحقوق؛ لأن الأوطان لا تُبنى بإنكار الهويات، ولا تستقر بإقصاء الشركاء، بل بالقانون والإنصاف والاعتراف بالتضحيات، وبالإيمان بأن كرامة الإنسان وحقوقه يجب أن تبقى فوق كل اعتبار.