برلمان اقليم كوردستان: من استحقاقٍ دستوري إلى عقدٍ وطني جديد

برلمان اقليم كوردستان: من استحقاقٍ دستوري إلى عقدٍ وطني جديد
برلمان اقليم كوردستان: من استحقاقٍ دستوري إلى عقدٍ وطني جديد

يقف إقليم كوردستان اليوم عند مفترق تاريخي بالغ الدقة، تتشابك فيه التحولات السياسية والاقتصادية والأمنية في المنطقة، وتُعاد فيه صياغة موازين القوى، وتتصاعد التحديات في علاقة الإقليم بالحكومة الاتحادية في بغداد، فضلاً عن تقلبات المشهدين الإقليمي والدولي. وفي مثل هذه اللحظات، لا يُقاس تماسك الكيانات السياسية بما تملكه من أدوات القوة، بل بقدرة مؤسساتها الدستورية على أداء أدوارها، وصون المكتسبات، وترسيخ ثقة المواطن بمستقبل تجربته الديمقراطية.

وفي هذا السياق، يكتسب تفعيل برلمان كوردستان وانتخاب هيئة رئاسته دلالةً تتجاوز حدود الإجراء البرلماني المجرد، أو إنهاء حالة الفراغ التشريعي. إنه إعلان عملي بأن الإرادة الشعبية التي عبّرت عنها صناديق الاقتراع لا يجوز أن تبقى معلّقة، وأن استمرارية المؤسسات الدستورية مبدأ لا يخضع للمساومة، وأن أحد أعمدة النظام الديمقراطي في الإقليم قد استعاد موقعه الطبيعي.

البرلمان مؤسسة تستمد شرعيتها من إرادة الناخبين، وليس إطاراً إدارياً أو منبراً سياسياً عابراً. فمن خلاله يمارس المواطنون حقهم في التمثيل والمشاركة في صناعة القرار، وبه تتحقق الوظيفتان التشريعية والرقابية اللتان تكفلان مساءلة السلطات العامة. ومن هنا، فإن تعطيل العمل البرلماني، مهما سيقت له من مبررات سياسية، لا يجوز أن يتحول إلى واقع دائم؛ إذ إن المؤسسات الديمقراطية إنما نشأت لإدارة الخلاف ومعالجة الأزمات، لا لتكون ضحيةً لها.

غير أن القيمة الحقيقية لهذه الخطوة لا تكمن في استئناف الجلسات بحد ذاته، بل في قدرتها على أن تكون مدخلاً لاستعادة الاستقرار وترسيخ الشراكة الوطنية. فالتفعيل ليس غاية إجرائية قائمة بذاتها، بل وسيلة لإعادة بناء الثقة بين القوى السياسية، وتوحيد الجهود في مواجهة تحديات تمس حاضر الإقليم ومستقبله.

ولا تكتمل قراءة هذه المؤسسة دون العودة إلى عام 1992، حين شهد الإقليم أولى تجاربه الانتخابية البرلمانية، بعد عقود من الاضطهاد والنضال والتضحيات في سبيل الحرية والحقوق والتمثيل السياسي. ففي الرابع من حزيران من ذلك العام، انتُخب الراحل جوهر نامق سالم أول رئيس للبرلمان، وتولى محمد توفيق منصب نائب الرئيس في الدورة الأولى.

لم يكن ذلك تأسيساً لمؤسسة تشريعية فحسب، بل تعبيراً عن إرادة شعبية وسياسية في بناء تجربة ديمقراطية قوامها التعددية والتمثيل والمشاركة. فقد وُضعت اللبنات الأولى في ظروف بالغة القسوة، وبإمكانات محدودة، لكن بإيمان راسخ بأن مستقبل كوردستان لا يقوم إلا على مؤسسات تعبّر عن إرادة شعبها وتحمي حقوقه. ونستذكر اليوم، بكل تقدير واعتزاز، الراحلين جوهر نامق سالم ومحمد توفيق، وأعضاء الدورة الأولى، وكل من أسهم في إرساء هذه التجربة. وكم نتمنى لو شهدوا استمرار ما شاركوا في بنائه، ورأوا أن المسيرة التي بدأت عام 1992 ما تزال حيّة في الوجدان السياسي والمؤسساتي لكوردستان، وأن جهودهم لم تذهب سدى.

وتضع هذه الخلفية التاريخية مسؤولية مضاعفة على القوى السياسية الراهنة، لأن صون البرلمان ليس شأن حزب أو كتلة بعينها، بل مسؤولية وطنية مشتركة. وقد أثبتت التجربة الكوردستانية أن قوة الإقليم لم تكن يوماً في غلبة طرف على آخر، بل في قدرته على بناء التوافقات وإدارة الاختلاف وترسيخ شراكة حقيقية بين مختلف القوى والمكونات.

تتطلب المرحلة الراهنة مشاركة جميع القوى الممثلة في البرلمان، وفي مقدمتها الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني، إلى جانب سائر القوى الوطنية والمعارضة. فاختلاف المواقف والرؤى حق ديمقراطي أصيل، والمعارضة عنصر جوهري في كل نظام برلماني سليم، غير أن قيمة دورها تتجلى في الحضور والرقابة وتقديم البدائل من داخل المؤسسة التشريعية، لا في الابتعاد عنها أو ترك مقاعد التمثيل شاغرة.

وفي المقابل، فإن مسؤولية إنجاح المرحلة لا تقع على عاتق من اختاروا عدم المشاركة وحدهم، بل تمتد إلى القوى التي شاركت في عملية التفعيل، وفي طليعتها الحزب الديمقراطي الكوردستاني والأطراف الفاعلة في المشهد. فبناء الشراكة يستوجب المرونة والانفتاح والاستعداد لسماع الآخرين، وعدم التعامل مع التفعيل بوصفه انتصاراً لطرف على حساب آخر، بل خطوة مؤسساتية ينبغي أن تتكامل فيها إرادة الجميع.

فالشراكة الحقيقية ليست توزيعاً للمناصب أو تقاسماً للمسؤوليات الإدارية، بل مشاركة فعلية في صناعة القرار، وتحمّل مشترك لمسؤولية الملفات الاستراتيجية، وضمان ألا يُهمَّش أي طرف يملك تمثيلاً شعبياً وإرادة انتخابية. والتوافق الوطني لا يتحقق بإلغاء الاختلاف، وإنما بابتكار آليات دستورية وسياسية لإدارته بما يحفظ التوازن والاستقرار.

لم تعد الظروف الراهنة تتيح للإقليم ترف الخلافات المفتوحة، في ظل التحديات المتصلة بالمستحقات المالية، والحقوق الدستورية، وأمن الإقليم واستقراره، وعلاقته بالحكومة الاتحادية، فضلاً عن المتغيرات الإقليمية والدولية. فالقوى الخارجية ترصد مدى تماسك مؤسسات كوردستان وقدرتها على اتخاذ مواقف موحدة في القضايا المصيرية، وأي انقسام داخلي أو شعور بالتهميش لدى أحد الأطراف قد يُضعف الموقف التفاوضي للإقليم، ويفتح ثغرات يمكن استغلالها للضغط على حقوقه ومكتسباته.

ومن ثم، فإن توحيد الخطاب السياسي وتعزيز التنسيق بين المؤسسات الدستورية والقوى السياسية لم يعد خياراً، بل ضرورة وطنية تفرضها طبيعة المرحلة. والمطلوب اليوم حوار سياسي جاد وصريح بين جميع الأطراف، أساسه الثقة المتبادلة والاعتراف بالشراكة والمسؤولية المشتركة، بحيث تكون خطوة التفعيل نقطة انطلاق نحو تفاهمات أوسع تفضي إلى تشكيل كابينة حكومية قوية، ممثِّلة لمختلف القوى، وقادرة على مواجهة التحديات وتحقيق تطلعات المواطنين.

وتقع على هيئة رئاسة البرلمان الجديدة مسؤولية جسيمة في إدارة العمل التشريعي بروح الانفتاح والحياد، وتوفير بيئة برلمانية تتسع لجميع الاتجاهات، وتضمن للأغلبية والمعارضة ممارسة أدوارهما الدستورية. وينبغي أن تكون الأولوية لإعادة تفعيل الدور التشريعي والرقابي، ومناقشة القوانين والملفات التي تمس الحياة اليومية للمواطنين، ولا سيما الأوضاع المعيشية والمالية، وحقوق الموظفين، والخدمات العامة، مع تعزيز الرقابة على أداء الحكومة ومؤسساتها.

فنجاح البرلمان لا يُقاس بعدد جلساته أو اكتمال نصابه، بل بقدرته على إنتاج التشريعات اللازمة، وممارسة رقابة فاعلة، ومعالجة قضايا المواطنين، وتحويل الإرادة الشعبية إلى سياسات وقرارات ملموسة. وكذلك لن يتحقق نجاح الحكومة المقبلة من دون شراكة سياسية حقيقية ومؤسسات رقابية فاعلة تكفل المساءلة والشفافية وسيادة القانون.

ولا يمكن إغفال الدور التاريخي الذي اضطلع به الحزب الديمقراطي الكوردستاني في مراحل مفصلية من تاريخ الإقليم، وما حمله من مسؤوليات ومبادرات في مواجهة الأزمات وحماية المكتسبات. وإن هذه المسؤولية التاريخية ينبغي أن تُترجم اليوم إلى مبادرات سياسية تعزز التفاهم الوطني، وتفتح الأبواب أمام الجميع، وتؤكد أن حماية المكتسبات لا تتحقق بانفراد طرف بالقرار، بل بتكاتف الجميع حول مشروع وطني مشترك. فالمبادرة في اللحظات التاريخية لا تقتصر على اتخاذ الخطوة الأولى، بل تكتمل بالقدرة على جمع الأطراف وتحويل المبادرة إلى توافق مستدام.

ولا يستقيم الحديث عن حماية مكتسبات الإقليم دون استحضار التضحيات الجسيمة التي قدمها أبناء شعب كوردستان، وفي طليعتهم شهداء البيشمركة، ومن بذلوا أرواحهم ودماءهم دفاعاً عن الأرض والكرامة والحقوق المشروعة. فما تحقق من مكتسبات سياسية ودستورية ومؤسساتية لم يكن منحة من أحد، بل ثمرة عقود من النضال والصمود. وعلى الأجيال الحالية، بقواها ومؤسساتها كافة، أن تدرك حجم المسؤولية في حماية تلك المكتسبات وتطويرها، وألا تسمح للخلافات السياسية بأن تتحول إلى تهديد لما تحقق بجهود أجيال متعاقبة.

إن المصلحة العليا لإقليم كوردستان وشعبه يجب أن تعلو على المصالح الشخصية والحزبية والحسابات السياسية الآنية. فالبرلمان ليس ملكاً لحزب أو جهة أو كتلة، بل مؤسسة عامة تستمد شرعيتها من الناخبين، وتمثّل مختلف مكونات المجتمع واتجاهاته، والحفاظ عليه وتطوير أدائه مسؤولية الجميع، في السلطة كانوا أم في المعارضة.

ونأمل أن تكون هذه الخطوة بداية لعودة جميع الكتل والأحزاب والأعضاء الذين لم يشاركوا في العملية البرلمانية، وأن تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الحوار وتجاوز الخلافات. فالمطلوب ليس مجرد عودة الجميع إلى القاعة، بل بناء ثقافة سياسية تقوم على احترام التعددية، والالتزام بالقواعد الدستورية، والاحتكام إلى الحوار والمؤسسات بدلاً من القطيعة والتصعيد.

وإن تفعيل برلمان كوردستان خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح، لكنه يظل بداية لمسؤولية أكبر، واختباراً حقيقياً لقدرة القوى السياسية على الارتقاء إلى مستوى المرحلة. والتاريخ لا يسجل فقط من بادر إلى الخطوات السياسية، بل يسجل أيضاً من استطاع تحويلها إلى إنجازات وطنية مستدامة.

وأصدق تعبير عن الوفاء لمؤسسي برلمان 1992، وللمناضلين وشهداء البيشمركة الذين قدموا أغلى ما يملكون، هو الحفاظ على المؤسسات التي ناضلوا من أجل قيامها، وتعزيز الشراكة الوطنية التي تضمن استمرارها وقوتها. فكوردستان الأقوى ليست تلك التي ينتصر فيها حزب على آخر، بل التي تتكامل فيها إرادة أحزابها وقواها ومؤسساتها حول هدف مشترك، وتعلو فيها المصلحة الوطنية وحقوق المواطنين ومستقبل الأجيال فوق كل اعتبار.

فالمؤسسات القوية لا تعني غياب الاختلاف، بل القدرة على إدارته بحكمة ومسؤولية، وتحويله من مصدر للأزمات إلى رافعة للنضج الديمقراطي. وتلك هي الرسالة التي ينبغي أن تحملها هذه المرحلة: شراكة حقيقية، ومؤسسات فاعلة، وإرادة سياسية موحدة من أجل كوردستان أكثر استقراراً وقوة وازدهاراً.