على أبواب اللجان البرلمانية توقفت الدولة العراقية!!

على أبواب اللجان البرلمانية توقفت الدولة العراقية!!
على أبواب اللجان البرلمانية توقفت الدولة العراقية!!

يشهد البرلمان العراقي حالة من التعطل السياسي المتكرر نتيجة الخلافات المتصاعدة حول تشكيل اللجان النيابية وتوزيع رئاساتها، في مشهد يعكس عمق الأزمة السياسية التي ما زالت تلقي بظلالها على مؤسسات الدولة فبعد كل دورة انتخابية، تتحول اللجان البرلمانية من أدوات رقابية وتشريعية يفترض أن تخدم المصلحة العامة إلى ساحات صراع سياسي بين الكتل والأحزاب التي ينظر إليها بوصفها مراكز نفوذ ومفاتيح تأثير داخل العملية السياسية وهكذا يجد البرلمان نفسه أسيراً لحسابات التوافق والمحاصصة، فيما تتراجع وظيفته الأساسية المتمثلة في التشريع والرقابة ومحاسبة السلطة التنفيذية.

إن اللجان البرلمانية ليست مجرد هياكل إدارية داخل المؤسسة التشريعية، بل تمثل القلب النابض للعمل النيابي فمن خلالها تُناقش مشاريع القوانين وتُراجع السياسات الحكومية وتُستدعى الجهات التنفيذية للاستجواب والمساءلة،وعندما يتأخر تشكيل هذه اللجان أو تتعطل اجتماعاتها بسبب الخلافات السياسية، فإن النتيجة الحتمية تكون شللاً في الأداء البرلماني وتأخيراً في إقرار القوانين المهمة التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.

تعود جذور الأزمة إلى طبيعة النظام السياسي القائم على التوازنات المعقدة بين القوى المتنافسة فكل كتلة تسعى للحصول على لجان بعينها لما تمثله من أهمية سياسية وإدارية واقتصادية وتبرز المنافسة بشكل خاص على اللجان ذات الصلة بالمالية والنفط والطاقة والنزاهة والأمن والدفاع، باعتبارها لجاناً تمنح رؤساءها وأعضاءها مساحة واسعة للتأثير في القرارات ومتابعة الملفات الحساسة لذلك غالباً ما تتحول عملية تشكيل اللجان إلى مفاوضات شاقة ومساومات طويلة قد تمتد لأشهر، وسط تضارب المصالح والرغبة في تعزيز المكاسب الحزبية.

هذا التأخير والتعطيل يضعف ثقة الشارع العراقي بالمؤسسة التشريعية التي ينتظر منها معالجة الأزمات المتراكمة في مجالات الخدمات والاقتصاد ومكافحة الفساد فالمواطن الذي يراقب المشهد من الخارج لا يرى سوى صراعات مستمرة حول المناصب والمواقع، بينما تتأخر القوانين المرتبطة بتحسين معيشته أو دعم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي ومع كل جولة جديدة من الخلافات يتعمق الإحساس العام بأن الأولوية لدى القوى السياسية ليست للإصلاح أو التنمية، بل لإعادة توزيع النفوذ داخل مؤسسات الدولة.

أن استمرار تعطيل اللجان ينعكس سلباً على العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية فغياب اللجان الفاعلة يعني ضعف الرقابة على أداء الوزارات والمؤسسات الحكومية، ويمنح الجهات التنفيذية مساحة أوسع للتحرك بعيداً عن المتابعة الدقيقة وسط التحديات الكبيرة التي يواجهها العراق، من أزمات اقتصادية وخدمية إلى ملفات الأمن والتنمية، يصبح وجود برلمان قوي وفعال ضرورة وطنية لا يمكن الاستغناء عنها.

أن أزمة تشكيل اللجان غالباً ما تكشف حجم الانقسامات داخل الكتل نفسها، إذ لا تقتصر المنافسة على الصراع بين الأطراف السياسية المختلفة، بل تمتد أحياناً إلى داخل الحزب أو التحالف الواحد فكل نائب أو مجموعة تسعى للحصول على مواقع متقدمة تضمن لها حضوراً سياسياً وإعلامياً أكبر، الأمر الذي يزيد من تعقيد المشهد ويؤخر الوصول إلى توافقات نهائية، في حين الكثير من المراقبين أن المشكلة لا تكمن فقط في آليات توزيع اللجان، بل في الثقافة السياسية السائدة التي ما زالت تنظر إلى المؤسسات الرسمية باعتبارها ساحات لتقاسم النفوذ بدلاً من كونها أدوات لخدمة الدولة والمجتمع فلو كانت المعايير المهنية والكفاءة والخبرة هي الأساس في اختيار رؤساء اللجان وأعضائها، لكان بالإمكان تجاوز جانب كبير من الإشكالات الحالية غير أن منطق المحاصصة ما زال يحكم الكثير من تفاصيل العمل السياسي، وهو ما يجعل الخلافات تتكرر مع كل دورة برلمانية جديدة.

إن استمرار هذا الواقع يحمل مخاطر متعددة على مسار العملية الديمقراطية في العراق فتعطل البرلمان لا يعني فقط تأخير التشريعات، بل ينعكس أيضاً على صورة النظام السياسي بأكمله ويؤثر في مستوى المشاركة الشعبية والثقة بالمؤسسات كما أن الفراغ التشريعي الناتج عن الخلافات قد يؤدي إلى تراكم المشكلات دون حلول واضحة، الأمر الذي يفاقم من حالة الإحباط المجتمعي ويزيد من الضغوط على الدولة.

يبدو أن أزمة تشكيل اللجان البرلمانية أكثر من مجرد خلاف إجرائي أو نزاع على المناصب، فهي تعبير عن أزمة أعمق تتعلق بطبيعة إدارة السلطة وآليات بناء التوافقات السياسية في العراق بينما يحتاج البلد إلى برلمان فاعل قادر على مواكبة التحديات الكبيرة التي تواجهه، يبقى الخلاف حول اللجان عنواناً لمعضلة مزمنة تعرقل الأداء المؤسسي وتؤخر إنجاز الاستحقاقات الوطنية ويبقى الرهان الحقيقي على قدرة القوى السياسية على تجاوز الحسابات الضيقة وتغليب المصلحة العامة، لأن البرلمان عندما يتعطل لا تتوقف أعمال مؤسسة دستورية فحسب، بل تتأخر معها مصالح ملايين العراقيين الذين ينتظرون دولة أكثر كفاءة واستقراراً وقدرة على الاستجابة لتطلعاتهم.