إسماعيل درويش
كاتب
عودة تفعيل برلمان إقليم كوردستان… انتصار للمؤسسات والديمقراطية
إن تفعيل برلمان إقليم كردستان العراق، وانتخاب رئيسه ونائبه وسكرتيره، يمثل محطة مهمة في الحياة السياسية والدستورية للإقليم، وخطوة نحو إعادة الاعتبار للمؤسسات الدستورية، وترسيخ مبدأ العمل الديمقراطي، وإحياء الدور الحقيقي للبرلمان بوصفه المؤسسة التشريعية الأولى التي تستمد شرعيتها من إرادة الشعب وصناديق الاقتراع.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية استثنائية لأنها تأتي بعد نحو سنتين من تعطيل عمل البرلمان، وهي فترة طويلة انعكست آثارها على الحياة السياسية والمؤسساتية في الإقليم، وأبقت العديد من الملفات والقضايا المهمة دون معالجة تشريعية ورقابية بالقدر المطلوب. ولذلك، فإن استئناف عمل البرلمان لا ينبغي النظر إليه بإعتباره مجرد إجراء إداري أو انتخاب هيئة رئاسة جديدة، بل بإعتباره استعادة لمسار دستوري ومؤسساتي لا يمكن الاستغناء عنه في أي نظام ديمقراطي .
إن البرلمان ليس مجرد مبنى أو قاعة اجتماعات، وليس مؤسسة تقتصر مهمتها على عقد الجلسات وانتخاب الرئاسة، بل هو المؤسسة التي يمثل فيها الشعب إرادته السياسية من خلال ممثليه المنتخبين. ومن خلاله تُشرّع القوانين التي تنظم شؤون المجتمع، وتحمي الحقوق والحريات، وتحدد العلاقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وتضع الأطر القانونية التي تستند إليها الحكومة في أداء مسؤولياتها.
فالبرلمان هو السلطة التشريعية الأولى في الإقليم، ومن أهم وظائفه سن القوانين وتعديلها ومراجعتها، ومراقبة أداء الحكومة ومساءلتها، والدفاع عن المصلحة العامة، وإيصال صوت المواطنين ومطالبهم إلى مراكز صنع القرار.
ومن هنا، فإن وجود برلمان فاعل وقادر على أداء مهامه يمثل ضمانة أساسية للمواطن، وملجأًدستورياً للاحتكام إلى القانون والمؤسسات بدلاً من ترك الخلافات السياسية والإدارية دون أطر واضحة لمعالجتها.
إن مقاطعة بعض الأحزاب السياسية لجلسة تفعيل البرلمان وانتخاب هيئة رئاسته تطرح تساؤلات مهمة حول طبيعة الممارسة الديمقراطية وآليات إدارة الخلاف السياسي داخل الإقليم.
ومن حق كل حزب أن تكون له مواقف واعتراضات وملاحظات سياسية أو قانونية، ومن حقه أن يعبر عنها بحرية، وأن يطالب بضمان حقوقه وتمثيله ومشاركته في القرارات. فالديمقراطية لا تعني الاتفاق الدائم، ولا تفرض على الأحزاب التخلي عن مواقفها السياسية.
لكن الديمقراطية تعني أيضاً احترام المؤسسات المنتخبة، والاحتكام إلى القواعد الدستورية، واستخدام الحوار والمشاركة والعمل البرلماني وسيلةً لمعالجة الخلافات. فالبرلمان هو المكان الطبيعي الذي تلتقي فيه الحكومة والمعارضة، والأغلبية والأقلية، لمناقشة القضايا المختلف عليها والدفاع عن وجهات النظر المتباينة.
إن تحويل الخلافات السياسية إلى سبب دائم لتعطيل المؤسسات لا يخدم التجربة الديمقراطية، ولا يمنح المواطن فرصة الاستفادة من الدور الذي انتخب ممثليه من أجله. كما أن المشاركة في البرلمان لا تعني بالضرورة الموافقة على جميع القرارات، بل يمكن للمعارضة أن تمارس دورها بقوة وفاعلية من داخل المؤسسة، عبر النقاش والتصويت والرقابة والمساءلة.
إن الأهمية الكبرى لتفعيل البرلمان اليوم تكمن أيضاً في أنه يفتح نافذة جديدة أمام الأحزاب والقوى السياسية في إقليم كردستان، سواء المشاركة في الحكومة أو الموجودة في صفوف المعارضة، من أجل تجاوز مرحلة الانقسام والتعطيل، والانتقال إلى مرحلة جديدة عنوانها الحوار والتفاهم والشراكة في إدارة الشأن العام.
فالإقليم يواجه تحديات سياسية واقتصادية وإدارية واجتماعية تتطلب وجود مؤسسات قوية وتعاوناً سياسياً مسؤولاً. ولا يمكن مواجهة هذه التحديات من خلال استمرار الخلافات أو تبادل الاتهامات أو تعليق المؤسسات، بل من خلال إيجاد أرضية مشتركة تضع مصلحة المواطنين فوق الحسابات الحزبية الضيقة.
وعلى الأحزاب السياسية أن تدرك أن البرلمان يمثل مساحة دستورية جامعة، وأن الاختلاف في البرامج والرؤى لا ينبغي أن يتحول إلى قطيعة سياسية. فالحكومة تتحمل مسؤولية إدارة شؤون الإقليم وتنفيذ السياسات العامة، بينما تتحمل المعارضة مسؤولية الرقابة والمساءلة وتقديم البدائل، وكلا الدورين ضروريان لاستمرار الحياة الديمقراطية بصورة متوازنة.
ومن هنا، فإن تفعيل البرلمان يمكن أن يكون بداية حقيقية لإعادة بناء الثقة بين القوى السياسية، وفتح قنوات الحوار، ومعالجة الملفات العالقة، والوصول إلى تفاهمات تخدم الاستقرار السياسي والمؤسساتي في الإقليم.
إن المواطن الكردستاني لا ينتظر من البرلمان مجرد انتخاب رئيس ونائب وسكرتير، بل ينتظر أن تتحول هذه الخطوة إلى عمل ملموس ينعكس على حياته اليومية.
ينتظر تشريع القوانين التي تحمي حقوقه، ومراجعة القوانين التي تحتاج إلى تطوير، ومراقبة أداء الحكومة، ومتابعة الملفات الاقتصادية والخدمية، وتعزيز الشفافية، ومكافحة الفساد، وحماية المال العام، وتحسين مستوى الخدمات وفرص العمل، وترسيخ العدالة والمساواة أمام القانون.
كما ينتظر أن يكون البرلمان منبراً حقيقياً للتعبير عن تطلعات مختلف مكونات المجتمع في الإقليم، وأن يشعر كل مواطن بأن له صوتاً مسموعاً وممثلاً داخل هذه المؤسسة.
ولهذا، فإن المسؤولية الملقاة على عاتق أعضاء البرلمان كبيرة، وتتطلب منهم الابتعاد عن الحسابات الحزبية الضيقة، والعمل بروح المسؤولية الوطنية والدستورية، وإثبات أن عودة البرلمان ستكون عودة للعمل والإنجاز، لا مجرد عودة للاجتماعات والمواقف السياسية.
إن تفعيل برلمان إقليم كردستان بعد نحو سنتين من تعليق عمله يمثل فرصة لإعادة بناء الحياة المؤسساتية والديمقراطية في الإقليم، وفرصة أمام جميع الأحزاب السياسية لإعادة ترتيب علاقاتها على أساس الحوار والشراكة واحترام الاختلاف.
فالبرلمان ليس ملكاً للحزب الذي يمتلك الأغلبية، ولا يقتصر دوره على الأحزاب المشاركة في الحكومة، بل هو مؤسسة منتخبة من الشعب، ويمثل جميع المواطنين، ويجب أن يكون فضاءً سياسياً ودستورياً يتسع للأغلبية والمعارضة على حد سواء.
إن نجاح هذه المرحلة لا يقاس فقط بانتخاب هيئة رئاسة البرلمان، وإنما بقدرة جميع الكتل والأحزاب على تحويل هذه البداية إلى ممارسة ديمقراطية حقيقية، يكون فيها القانون فوق المصالح الحزبية، والحوار بديلاً عن المقاطعة الدائمة، والمصلحة العامة أساساً للقرارات.
لقد آن الأوان لأن يكون البرلمان بيتاً جامعاً لكل القوى السياسية، ومنبراً لصوت المواطن، ومؤسسة فاعلة في التشريع والرقابة والمساءلة. فاختلاف الأحزاب يجب أن يكون مصدر إثراء للحياة الديمقراطية، لا سبباً لتعطيلها.
فكردستان بحاجة إلى برلمان فاعل، ومعارضة فاعلة، وحكومة مسؤولة، وأحزاب تؤمن بأن قوة الإقليم تبدأ من قوة مؤسساته الدستورية .