د. ياسمين السبع: مصر دولة محورية وتتابع القضية الكوردية باهتمام بالغ

هي صوت مسموع يدافع عن القضية الكوردية عبر البرامج التلفزيونية، وعبر كتاباتها، وتقديمها لبرامج تلفزيونية تخصص فيها حلقات لاقت صدى واسعاً عن الكورد، من منطلق خبرتها ودراستها التاريخية العميقة الحديثة والمعاصرة. 

الدكتورة ياسمين السبع عضو اتحاد المؤرخين العرب، وباحثة سياسية لها مكانتها.. تحدثت مع "كوردستان 24" عن أسباب الاهتمام بالقضية الكوردية، ورؤيتها لما يحدث حالياً في سوريا وغيرها من بلدان العالم المحيطة.

سألناها بداية: يشغلك الشأن الكوردي كثيراً كونه شأناً خاصاً بأمة متفردة وهي الكوردية.. ما السبب؟

د. ياسمين: لكونه شعباً عريقاً في المنطقة، وله أدوار محورية في مختلف مراحل التاريخ، ويتمتع بخصوصية ثقافية وقومية نابعة من جذورٍ ضاربة في جغرافيته، وتاريخٍ متشابك مع أعراقٍ وشعوبٍ عديدة؛ ولما تعرض له من سياسات قمعٍ ممنهجة مارستها بعض الأنظمة الاستبدادية، سعت إلى محو تاريخه، وقمع لغته، وطمس تراثه، وصولاً إلى محاولات إبادة متعددة، تجلت في سياسات التعريب والتتريك والتفريس؛ فإنني أرى أن الاهتمام بالشأن الكوردي واجبٌ إنساني وأخلاقي يقع على عاتق أصحاب الأقلام وكل من يملكون صوتاً مؤثراً. ويضاف إلى ذلك أهمية التعرف على شعوب المنطقة وتراثها وثقافاتها المتنوعة، لما في ذلك من تعزيزٍ للفهم المشترك، فضلاً عن أن الشعب الكوردي يُشكّل عاملاً مهماً من عوامل الاستقرار والأمن القومي المصري والعربي.

- أثارني ما قرأت من سردية تمثل حالة إبداعية بمفردات جميلة ومؤثرة: "جديلة كوردية تحمل شموخ الجبل استفزت إرهابياً فقصها وتباهى بمحاولة إذلال صاحبتها، كان هذا هو المشهد الذي وصم البشرية وتخاذلها وصمتها عما يجري ضد الكورد، لكنه تحوّل من محاولة إذلال إلى ظاهرة تضامن من قبل نساء من حول العالم بمختلف العرقيات". هل هذه الحالة الشاعرية لها علاقة بصداقات أو قرابة أو انتماءات كردية دفعتك إلى هذا التعاطف؟

د. ياسمين: لدي صداقات أعتزّ بها مع أصدقائي الكورد، غير أنّ جلّ تعاطفي مع القضية الكوردية نابعٌ أولاً من إنسانيتي، ثم من أزهريتي؛ فالدراسة في الأزهر الشريف علّمتني التمييز بين الشرائع السماوية السمحاء، وبين أولئك الذين يتلاعبون بالنصوص المقدسة ويوظفونها لخدمة أغراض دنيئة تتناقض مع جوهر الدين والإنسان معاً. فالإنسانية، كما الأزهر، كلاهما يرفضان العنصرية، وينبذان إقصاء الآخر بسبب الاختلاف، ويُدينان الإرهاب واستباحة الأرواح أيًّا كان مرتكبه. ثم إن ما جرى ويجري بحق الكرد في سوريا مؤخراً، ولا سيما بحق المرأة الكوردية، كفيلٌ بطبيعته بأن يوقظ التعاطف ويستدعي التضامن؛ فهم كانوا في طليعة من حموا سوريا والمنطقة من الإرهاب، وقدموا تجربة متقدمة في التعايش المشترك، قبل أن يتعرضوا لاحقاً لمعاملة مجحفة من قِبل قوى دولية وإقليمية معروفة. ومن هنا، يصبح التضامن معهم، والكتابة عن معاناتهم الإنسانية، موقفاً طبيعياً لكل إنسان حر، ولكل مسلم يؤمن بقيم العدل والكرامة وحرمة الدم.


- للكورد في مصر تاريخ لا يمكن محوه أو تجاهله من صفحات التاريخ المصري، وبخاصة منذ صلاح الدين الأيوبي ومروراً بالشاعر أحمد شوقي، والعائلة التيمورية والبدرخانية.. وحتى اليوم. هل في نظرك تراجع الاهتمام المصري بالكورد.. وما السبب؟

د. ياسمين: في اعتقادي، لم تتراجع العلاقة التاريخية بين الكورد ومصر يوماً؛ فما يزال الاهتمام الرسمي المصري، إلى جانب الاهتمام الأكاديمي والشعبي، حاضراً وفاعلاً. ويتجلى ذلك في وجود ممثلين عن الكورد في مصر، فضلاً عن أعداد كبيرة من الطلبة الكورد الذين يدرسون في الجامعات المصرية بمراحل وتخصصات مختلفة. غير أنّ حملهم جنسيات الدول الأربع: سوريا، والعراق، وتركيا، وإيران، يجعل من الصعب تحديد أعدادهم بدقة. كما أنّ عدداً من العائلات المصرية ذات الأصول الكوردية يعيش بيننا كمصريين، حاملين هوية وطنية جامعة، بل إن الوجود الكوردي حاضر أيضاً في الجغرافيا المصرية؛ إذ تحمل بعض المدن والشوارع أسماء مرتبطة بالكورد، مثل مدينة الكوردي في محافظة القليوبية، ومنطقة الكوردي في محافظة سوهاج، وشارع الكوردي في منطقة السيدة زينب بالقاهرة، وغيرها الكثير. ويُضاف إلى ذلك الحضور اللافت للكتاب الكوردي في مصر، سواء المترجم إلى العربية، أو ما يكتبه الكورد أنفسهم، أو ما يؤلفه باحثون وأكاديميون مصريون مهتمون بالقضية الكوردية؛ وقد شهدت مصر ندوات عديدة تناولت الشأن الكوردي وثقافته وأدبه. كما توجد رسائل وأبحاث دراسات عليا في الجامعات المصرية، أنجزها باحثون مصريون، ركّزت على الكورد من الزوايا السياسية والتاريخية والفكرية والأدبية.

- الزعيم جمال عبد الناصر اهتم بهم وساند الملا مصطفى بارزاني والرئيس السيسي التقى رئيس الحكومة مسرور بارزاني وهناك دعم دبلوماسي.. ولكن قضاياهم تغيب عن العامة، كيف يمكن أن نعرّف الناس بها؟ هل بالدراما؟

د. ياسمين: تُعدّ مصر دولةً محورية وكبيرة في المنطقة، وتنتهج سياسة خارجية تتسم بالاتزان الاستراتيجي، ودعم الاستقرار والأمن. وقد شاهدنا قبل سنوات حديثاً واضحاً وصريحاً للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، خلال أحد المؤتمرات، في خطابه لفتاة كوردية، حيث طمأنها بأن لا أحد يستطيع أن يسلبها هويتها الكوردية، مؤكداً أن السلام هو المسلك الأمثل للحفاظ على الهوية. ولا يمكن إغفال الدور المهم الذي تقوم به مصر في الشرق الأوسط بوصفها شقيقاً أكبر، يعمل على تحقيق الاستقرار وتعزيز التعاون بين الدول العربية، وهو ما يجعلنا، كباحثين مصريين، معنيين بالضرورة بمتابعة أحداث المنطقة، بما فيها الملف الكوردي، وما يتعرض له الشعب الكوردي في مناطق وجوده المختلفة. كما أن الزيارات الأخيرة إلى مصر من قِبل بعض القيادات الكوردية تسهم في تعزيز العلاقات المشتركة، وتساعد على خلق مساحات أوسع من التفاهم المتبادل. وقد رأينا مؤخراً صدور بيانات عن وزارة الخارجية المصرية بشأن سوريا، أكدت فيها على وحدة الأراضي السورية وسيادتها، ورحّبت بوقف إطلاق النار بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية المؤقتة، مشددة على ضرورة مشاركة جميع المكونات السورية في عملية سياسية شاملة، ولا سيما في ضوء الأحداث الأخيرة وما تعرّض له المكوّن الكوردي في سوريا من انتهاكات.

ألم تُقدّم الدراما ما يجب من اهتمام كبير بقضاياهم؟

د. ياسمين: في اعتقادي، تُعدّ الدراما من أهم الوسائل القادرة على الوصول إلى شرائح مجتمعية متعددة في آنٍ واحد، فهي لغة سهلة ومؤثرة في إيصال القضايا، ومنها القضية الكوردية، ويفضّلها قطاع واسع من الجمهور. غير أنّ ذلك لا يُلغي ولا يُقلّل من الدور الجوهري للأبحاث العلمية والكتب والدراسات المتخصصة التي تُنتَج مؤخراً حول الكورد. وفي هذا الإطار، نولي في "مركز أوتون للدراسات" اهتماماً خاصاً بهذا المجال، حيث نصدر بشكل دوري أبحاثاً ودراسات تتناول الكورد، والتاريخ الكوردي، وتاريخ السينما الكوردية، والأدب الكوردي، إلى جانب تحليلات مواكبة للأحداث الجارية بالتوازي مع تطوراتها، فضلاً عن تنظيم ندوات علمية مثمرة تسهم في تعميق الفهم المعرفي للقضية الكوردية.
 
- هل عندما تتحدثين عن الكورد في برامجك تتلقين ردود أفعال جيدة من كورد ومصريين وعرب؟

د. ياسمين: في الحقيقة، جاءت ردود الأفعال متباينة؛ فبين الاحتفاء بالحلقات التلفزيونية أو الدراسات أو المقالات من قِبل عدد كبير من الكورد والعرب والمصريين على حدٍّ سواء، وهو ما أسعدني كثيراً، برزت في المقابل فئات أخرى لا تعرف عن الكورد إلا القليل، أو لا تعرف عنهم شيئاً يُذكر. وربما يعود ذلك إلى التعتيم الإعلامي المتعمّد الذي مارسته أنظمة مستبدة في مناطق كوردستان الأربعة، أو من قِبل أعوانها. غير أنّه من الضروري دائمًا إضاءة المناطق التي يُراد لها أن تبقى معتمة، ولا سيما من جانبنا كمؤرخين؛ إذ أميل دائماً إلى تناول المسكوت عنه عمداً. فكما أن للكورد حقاً مشروعاً في الظهور الإعلامي بوصفهم مكوّناً رئيسياً وشريكاً في المنطقة، فإن للمجتمعين المصري والعربي الحق في التعرّف عليهم عن قرب، خاصة في ظل ما يجمع الشعوب العربية والكوردية من قواسم مشتركة عديدة، وتاريخ طويل من المودة والاحترام المتبادل.

- هل زرتِ كوردستان أو التقيتِ برموز كوردية؟

د. ياسمين: لدي شغف كبير لزيارة كوردستان، وكنت متابعة بشغف لما يقوم به بارزاني، وقادة إقليم كوردستان العراق، مع الأحداث الأخيرة في سوريا، وإرسالهم المساعدات إلى شمال سوريا، إلى جانب لقاء السيد بارزاني بابا الفاتيكان في محاولة لإيصال صوت الكورد في سوريا إلى العالم خارج الأسوار، ولقاءات قادة الإقليم مع مظلوم عبدي وإلهام أحمد في ظل الظروف الصعبة لكورد سوريا. حتى الآن لم تتح لي فرصة زيارة كوردستان، لكنني أتمنى أن أفعل ذلك قريباً، وربما تكون وجهتي مدينة أربيل أو السليمانية، اللتان تأسران القلوب، أو مدينة آمد (ديار بكر)، أو عفرين التي أسرت قلبي بجمالها وأشجار الزيتون فيها.