العراق في "منطقة الأمان".. هل تنجح بغداد في صياغة معادلة الحياد؟
أربيل (كوردستان 24)- تفتح موجة التهدئة النسبية بين واشنطن وطهران باباً جديداً أمام العراق لإعادة تعريف تموضعه الإقليمي، حيث تجد بغداد نفسها مدفوعة لإنتاج صيغة "توازن أكثر صرامة" في بيئة دولية تغيرت فيها حسابات الردع، ولم يعد بإمكان أي محور فرض إرادته المنفردة على الخارطة السياسية.
اختبار "التوازن الإجباري"
وفقاً لمراقبين، تعيش بغداد اليوم اختباراً حقيقياً لإدارة ما يمكن تسميته بـ"التوازن الإجباري". فالعراق، من جهة، لا يملك ترف خسارة العلاقة مع الولايات المتحدة لما تمثله من ثقل مالي وأمني واستثماري حيوي، ومن جهة أخرى، يجد نفسه مرتبطاً بوشائج جغرافية، تجارية، وطاقوية مع إيران لا يمكن الفكاك منها.
وفي هذا السياق، يرى الباحث في الشأن السياسي عماد محمد، أن العراق "لم يعد مخيراً بين الانحياز لأحد الطرفين، بل أصبح أمام ضرورة وجودية لبناء معادلة واقعية تمنع تحويل أراضيه إلى ساحة لتصفية الحسابات"، مشيراً إلى أن المرحلة الحالية أثبتت دخول المنطقة في حالة "ردع متبادل" لا تترك مجالاً لانتصارات حاسمة.
الاقتصاد والأمن.. تحديات تتجاوز الحدود
لا تقتصر أهمية التهدئة على الجانب السياسي، فالعراق يُعد الأكثر تأثراً بتقلبات المنطقة؛ نظراً لاعتماد موازنته العامة بشكل شبه كلي على إيرادات النفط المرتبطة باستقرار ممرات الطاقة، وعلى رأسها مضيق هرمز. أي اضطراب عسكري في الخليج يعني تهديداً مباشراً للرواتب والمشاريع القائمة.
داخلياً، يبرز ملف "السلاح المنفلت" كأحد أعقد ملفات التفاوض بين واشنطن وطهران. فبينما تضغط الولايات المتحدة لحصر السلاح بيد الدولة وتقليص نفوذ الفصائل، تتمسك طهران بهذه الجماعات كأدوات ردع ضمن شبكة نفوذها الإقليمي، مما يضع السيادة العراقية على المحك.
السلاح الثقيل ومركزية القرار
من جانبه، يؤكد عضو لجنة الأمن والدفاع النيابية، عثمان الشيباني، على ضرورة تبني موقف حيادي يحفظ كيان الدولة. ويقول الشيباني: "لا يمكن لدولة أن تستقر بوجود أكثر من مركز قرار عسكري. السلاح الثقيل يجب أن يكون بعهدة وزارة الدفاع حصراً، باعتبارها الجهة المعنية بحماية البلاد".
ويضيف الشيباني أن إخضاع كافة القوى لإطار الدولة وتسليم السلاح للمؤسسات المختصة "سيعيد رسم صورة العراق أمام المجتمع الدولي، مما يمهد الطريق لجذب الاستثمارات العالمية، فالدولة القوية هي الوحيدة القادرة على حماية التنمية والسيادة".
مهمة معقدة أمام الحكومة
تواجه حكومة علي الزيدي مهمة شديدة الحساسية؛ فهي مطالبة بطمأنة واشنطن بقدرتها على ضبط الميليشيات ومنع استخدام الأراضي العراقية كمنطلق للهجمات، وفي الوقت ذاته، تسعى لتفادي صدام داخلي مع قوى تمتلك امتدادات برلمانية واجتماعية واقتصادية واسعة.
فرصة "اللامنتصر" لإعادة التموضع
يخلص المختصون إلى أن حالة "اللامنتصر" في الصراع الإقليمي تمنح العراق فرصة نادرة. فإذا نجحت بغداد في تحويل علاقتها مع واشنطن إلى "شراكة لا وصاية"، ومع طهران إلى "جوار لا تبعية"، فقد يتحول العراق من "ساحة لتلقي الضربات" إلى "دولة محورية" تقود التوازن في المنطقة وتصنع الاستقرار.
المصدر: موقع ارم نیوز الاخباریة