المأزق السياسي في إقليم كوردستان ومبادرة "جماعة العدل الكوردستانية"

اربيل (كوردستان24) -  بين انسداد سياسي داخلي عطل البرلمان والحكومة، وتوتر إقليمي محتدم يقترب من حد الانفجار، يقف إقليم كوردستان عند مفترق طرق هو الأكثر خطورة في تاريخه الحديث.

أمام هذا المشهد المعقد، تبرز المبادرة الأخيرة لـ 'جماعة العدل الكوردستانية' كمحاولة لأحداث خرق في جدار الأزمة. فهل نجحت زيارة وفد الجماعة للرئيس مسعود بارزاني في كسر الجمود؟ وما هي الخارطة التي تحملها المعارضة لنقل الإقليم من ضفة الخطر إلى ضفة الأمان؟

استضافت شاشة كوردستان24، عضو الوفد المفاوض وعضو المجلس الأعلى لجماعة العدل الكوردستانية، عبد الستار مجيد.

 

وهذا نص الحوار: 

ژينو محمد: أهلاً بكم أعزائي المشاهدين. أطرح عليكم اليوم موضوعاً مهماً وراهناً وأقوم بتحليله، والمتعلق بالوضع السياسي في إقليم كوردستان؛ هذا الوضع الذي يعيش حالة من الانسداد السياسي سواء في مسألة إعادة تفعيل البرلمان، أو في عدم تشكيل الحكومة حتى الآن، في وقت لا تزال فيه الجهود الدبلوماسية مستمرة لإخراج الإقليم من هذا المأزق.

ومن بين المبادرات الأخيرة التي أُطلقت، كانت مبادرة "جماعة العدل الكوردستانية"؛ حيث التقى اليوم فضيلة الملا علي بابير مع سيادة الرئيس مسعود بارزاني، وناقشا عدة قضايا مفصلية حول الوضع الراهن وكيفية اتخاذ خطوات مستقبلية لإخراج كوردستان من هذا الوضع المعقد ومن التداعيات التي تخيم على المنطقة عامة والإقليم خاصة.

لمناقشة هذا الملف، يسعدنا أن نستضيف معنا في استوديو "كوردستان 24" أحَد أعضاء الوفد المشارك في الاجتماع، السيد عبد الستار مجيد، عضو المجلس الأعلى لـ "جماعة العدل الكوردستانية". أهلاً بك السيد عبد الستار، وشكراً لحضورك معنا.

عبد الستار مجيد: حياكم الله وسلّمكم، شكراً جزيلاً لكم. 

ژينو محمد: شكراً لك، يسعدني جداً أن نلتقي مجدداً بعد فترة طويلة لنناقش موضوعاً على هذا القدر من الأهمية.

عبد الستار مجيد: وأنا كذلك مسرور جداً بلقائكِ، حياكِ الله.

تفاصيل الاجتماع مع الحزب الديمقراطي الكوردستاني 

ژينو محمد: شكراً جزيلاً السيد عبد الستار. لنبدأ من اجتماع اليوم؛ ما الذي ناقشتموه مع الحزب الديمقراطي الكوردستاني، وإلامَ توصلتم؟

عبد الستار مجيد: بسم الله الرحمن الرحيم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته جميعاً. يسعدني مجدداً اللقاء بكِ وبالمشاهدين الأعزاء والأفاضل. اجتماعنا اليوم مع السيد كاك مسعود بارزاني ووفد المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكوردستاني كان اجتماعاً إيجابياً، لا سيما أنه اتسم بالشفافية والصراحة في مناقشة الأزمات والمشاكل التي يمر بها إقليم كوردستان حالياً؛ بدءاً من الأزمة السياسية والاقتصادية، وصولاً إلى تعقيدات المنطقة وسوء الأوضاع المعيشية للمواطنين، فضلاً عن حالة الانسداد والتراجع في حركة التجارة والعمل.

لقد تساءلنا بصراحة: ما الذي يتوجب علينا فعله في هذا الظرف؟ وما المطلوب لتقديم ضمانات حقيقية لمواطني الإقليم بأن هذه الأحزاب والقوى السياسية تتحمل مسؤولياتها، كلٌّ بحسب ثقله وموقعه؟

ژينو محمد: تطرقتَ إلى نقطة جوهرية سيد عبد الستار: "ما العمل؟".. هل توصلتم إلى إجابة حول هذا السؤال؟ 

مقترح عقد اجتماع رفيع المستوى للأحزاب السياسية

عبد الستار مجيد: نحن من جانبنا رأينا من الضروري -وعرضنا ذلك على كاك مسعود والإخوة الحاضرين- أنه طالما أن البرلمان غير مفعّل حالياً ولا يمكن تشكيل حكومة جديدة أو كابينة وزارية حالية، فإننا كأحزاب وقوى سياسية نتحمل مسؤولية عرفية وأخلاقية لتحسين أوضاع المواطنين.

وهذا لن يتحقق إلا بعقد اجتماع موسع لهذه الأحزاب؛ اجتماعٍ يكون أسمى وأكبر من مسألة البرلمان والحكومة، لأن الأزمة الاقتصادية والتطورات الإقليمية، ولا سيما المواجهة بين أمريكا وإيران، هي أكبر بكثير من هذه المسائل الداخلية. لذلك اقترحنا عقد اجتماع خماسي أو موسع للقوى السياسية لنقرر فيه سويةً: ما العمل؟

ژينو محمد: يعنى هذا أنه كان مقترحاً لعقد اجتماع على أعلى مستوى بين القوى والأطراف السياسية؟

عبد الستار مجيد: نعم، بالضبط.

ژينو محمد: وهل سيكون هذا الاجتماع هو المنقذ للوضع؟

عبد الستار مجيد: نرى أن هذا المقترح قد يفتح باباً أُغلق حتى الآن؛ حيث لم تكن الأحزاب قادرة على الجلوس سوية، وهذا في الواقع تطور سلبي في التاريخ السياسي للحكم في الإقليم، ففي أصعب الأوقات -وحتى أثناء الحرب الأهلية- كانت الأحزاب تنجح في الاجتماع بين الحين والآخر.

أزمة الثقة والتداعيات الإقليمية على إقليم كوردستان

ژينو محمد: ما الذي يمنع القوى والأطراف السياسية من الاجتماع حالياً؟ 

عبد الستار مجيد: أعتقد أن جزءاً كبيراً من السبب يعود إلى غياب الثقة؛ فالثقة أصبحت ضعيفة جداً، وخاصة بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني.

ژينو محمد: هل اقتصر مقترحكم على عقد الاجتماع أم كانت لديكم مقترحات أخرى؟ 

عبد الستار مجيد: اعتبرنا الاجتماع خطوة أساسية، والدوافع وراء ذلك هي الحديث عن حياة الناس، الرواتب، الأوضاع الاقتصادية المعقدة، والتوترات الإقليمية مثل الصراع الأمريكي-الإيراني الذي لا يعلم أحد إلى أين سيؤدي. هل سيبقى وضع الكورد على ما هو عليه؟ بل هل سيبقى العراق نفسه متماسكاً وسط هذه الأزمة العسكرية والأمنية؟

نحن نرى أنه بسبب تشتتنا وعدم تنظيم بيتنا الداخلي، فإن أي تغيير جديد في المنطقة -وهو أمر غير بعيد- سيجعل الكورد المتضرر الأكبر، لأن دول الجوار والبلدان المحيطة تملك مؤسسات وحكومات وبرلمانات قائمة. انظري مثلاً، رغم الحرب والتضربات الكبيرة التي تلقتها إيران، إلا أن الخدمات الأساسية من مياه وكهرباء وبنزين وخبز لا تزال متوفرة بانتظام.

ژينو محمد: هل طرحتم هذه الأمور خلال الاجتماع؟ 

عبد الستار مجيد: نعم، نحن ربما تعرضنا لبعض الصواريخ والمسيرات في أربيل والسليمانية ودهوك، لكن التأثير كان كبيراً جداً على وضعنا. والسبب في ذلك هو غياب المؤسسات الحقيقية والقوية في الإقليم.

نتائج الاجتماع وموقف "جماعة العدل الكوردستانية" من البرلمان

ژينو محمد: سأعود إلى ملف تداعيات الحرب السيد عبد الستار، لكن يهمني أن أعرف: طرحتم مقترحاتكم، فماذا كان رد الحزب الديمقراطي الكوردستاني؟ 

عبد الستار مجيد: لكي أكون صادقاً، الأمر لم ينتهِ عند هذا الاجتماع وتوقف الجهود الدبلوماسية لا، بل إن الجهود مستمرة. هناك أطراف أخرى يجب الحوار معها لنرى النتيجة.

ژينو محمد:  تقصد الاتحاد الوطني الكوردستاني؟ هل ستزورونهم؟

عبد الستار مجيد: نعم، سيقوم وفد من جماعة العدل بزيارتهم أيضاً. ليكون الأمر واضحاً للجميع سيدة ژينو: نحن كـ "جماعة العدل"، وبحكم عدم تواجدنا في البرلمان، فإن مسألة إعادة تفعيله لا تمسنا بشكل مباشر، وقد أعلنا موقفنا منها سابقاً.

ژينو محمد: لكن البرلمان مؤسسة سيادية مهمة ويجب أن تُفعَّل! 

عبد الستار مجيد: أعلم ذلك جيداً وسأتحدث عنه. نحن لسنا في البرلمان ولا في الحكومة، لكننا لم نكن يوماً مانعاً أمام تفعيل البرلمان. أنتم منذ سنتين عاجزون عن عقد جلسة للبرلمان! منذ سنتين عاجزون عن انتخاب هيئة الرئاسة وتشكيل اللجان وتفعيل عمل الحكومة والكابينة الجديدة! هذا الأمر لا يتعلق بنا مباشرة، لكن الوضع العام يعنينا بكل تأكيد. كنا نقول دائماً: نحن لسنا مسؤولين عن تردي الأوضاع لأن القرار لم يكن بيدنا، لكننا نعتبر أنفسنا مسؤولين عن الإصلاح.

موقف المعارضة وتقييم الشارع لها 

ژينو محمد: وبما أنكم تعتبرون أنفسكم مسؤولين عن الإصلاح، لو قُدمت لكم دعوة للمشاركة في تفعيل البرلمان والتواجد فيه لتجاوز هذه الأزمة، هل أنتم مستعدون؟

عبد الستار مجيد: حتى هذه اللحظة، قرار قيادة "جماعة العدل" هو عدم المشاركة في البرلمان.

ژينو محمد: حتى في ظل هذه الظروف الراهنة؟

عبد الستار مجيد: نعم.

ژينو محمد: وهل نقلتم هذه الرسالة ذاتها للحزب الديمقراطي؟ 

عبد الستار مجيد: نعم نوقش ذلك، حتى إن كاك مسعود قال لي: "كنتُ أُفضّل ألا تقاطعوا البرلمان". لكن هذا قرار قيادي في الجماعة، وحتى هذه اللحظة لا نعلم كيف ستتطور الأحداث غداً.

ژينو محمد: وكيف ستشاركون في الحل إذن السيد عبد الستار؟ 

عبد الستار مجيد: لقد أوضحنا ذلك السيدة ژينو. إن المخاطر الحالية كبيرة وقد تمس وجود الإقليم برمته. لقد ضعف موقع الإقليم تدريجياً ولم نعد نحظى بتلك الأهمية لدى القوى الدولية؛ سابقاً كان كبار المسؤولين الأمريكيين والبريطانيين يأتون للتوسط بين الديمقراطي والاتحاد، أما الآن فيأتي القنصل ويقول: "إذا اتفقتم فذلك خير لكم، وإذا لم تتفقوا فأنتم الخاسرون".

ژينو محمد: ما السبب في ذلك السيد عبد الستار؟ هل هو التشتت السياسي الداخلي؟

عبد الستار مجيد: بالتأكيد، السبب هو سوء إدارة الإقليم وسوء استخدام المؤسسات كالبرلمان والحكومة. ألم تسحب أمريكا منظومة باتريوت من هنا؟ هذا مثبت بالأدلة، والسبب هو تشتتنا وتراجع دعم الأصدقاء لنا.

تقييم دور المعارضة والوضع السياسي

ژينو محمد: نرى دائماً تحميل الديمقراطي والاتحاد مسؤولية هذا التدهور، لكن بمناسبة حديثك عن المعارضة، أتذكر أسئلة يطرحها العديد من الشخصيات السياسية والمثقفين؛ إذ يقولون إنهم لا يؤمنون بوجود "معارضة حقيقية" في إقليم كوردستان. لماذا تشكلت هذه النظرة السلبية تجاه المعارضة؟ 

عبد الستار مجيد: ربما لأن بعض تجارب المعارضة في الماضي لم تكن معارضة حقيقية، مما خيب أمل الناس حين اكتشفوا أنها كانت تسعى لمصالح ضيقة أو شاركت في السلطة لاحقاً. السبب الثاني هو أن السلطة في الإقليم قامت بقمع المعارضة والتضييق عليها وعلى التظاهرات والاحتجاجات. لكننا في "جماعة العدل" كنا وما زلنا معارضة حقيقية وثابتة في مواقفها.

السيناريوهات المستقبلية وتراجع موقع الإقليم في بغداد 

ژينو محمد: الوقت يداهمنا السيد عبد الستار. لو افترضنا استمرار هذا الانسداد السياسي، إلى أين نتجه؟ وما هي المخاطر التي تنتظرنا؟

عبد الستار مجيد: الله وحده يعلم ما سيؤول إليه الوضع، لكن الأمور تتجه نحو الأسوأ على الصعيد المعيشي والاقتصادي. الأزمات العالمية تُعمّق جراحنا، ونحن وضعنا أسوأ لأننا لا نملك مؤسسات موحدة تحمي حقوق الشعب.

ژينو محمد: وهل ينعكس هذا سلباً على موقع الإقليم في بغداد أيضاً؟ 

عبد الستار مجيد: بالتأكيد، وبشكل سيئ جداً. لذلك تتعامل بغداد معنا بهذه الطريقة الآن. في السابق، كانت الوفود تأتي إلى أربيل للتشاور معنا في حل مشاكل العراق. أما اليوم، فالإطار التنسيقي الشيعي يدخل بغداد برؤية وورقة موحدة، والسنة كذلك، بينما يذهب الإقليم مقسماً إلى ثلاث جبهات: الديمقراطي بمفرده، والاتحاد بمفرده، والمعارضة بمفردها! وقيمة المرء ومكانته تتحدد بمدى توحده.

ژينو محمد: اتضحت الفكرة تماماً. أشكرك جزيل الشكر السيد عبد الستار مجيد، عضو المجلس الأعلى لـ "جماعة العدل الكردستانية"، شكراً لحضورك ولإجاباتك الصريحة.

عبد الستار مجيد: حياكِ الله ووفقكِ، شكراً جزيلاً لكِ وللمشاهدين.

ژينو محمد: شكراً جزيلاً، على أمل أن تثمر جهودكم وسعيكم عما فيه خير للجميع.

عبد الستار مجيد: بإذن الله. 

ژينو محمد: إلى هنا نصل وإياكم أعزائي المشاهدين إلى ختام ملفنا الإخباري لهذا اليوم، دمتم بخير وإلى اللقاء.