الجفاف و"الإقطاع الجديد" يفتكان بالزراعة.. أراضي بغداد تحولت لصحراء وهجرها فلاحوها

اربيل (كوردستان24) - على مدّ البصر، لم تعد تلك المساحات خضراء شاسعة كما كانت عليه قبل سنوات قليلة؛ إذ تحولت آلاف الدونمات الزراعية في أطراف العاصمة بغداد ومحافظات أخرى إلى صحراء جرداء. مثلثٌ قاتل يتألف من الجفاف، قلة الأمطار، والإهمال الحكومي، بات يهدد القطاع الزراعي في العراق بالانهيار التام، دافعاً الفلاحين للفرار من أراضيهم والتخلي عن مهنة الآباء والأجداد بحثاً عن لقمة العيش.

هجرة الأرض.. من "الفلاحة" إلى "التاكسي"

في أطراف بغداد، تقف الأراضي الشبه صحراوية شاهداً على أزمة مائية وخدمية غير مسبوقة. لم تعد المزرعة تُطعم صاحبها، مما أجبر العشرات من المزارعين على ترك مشاتلهم ومحاصيلهم التي ضربها العطش نتيجة قطع الحصص المائية وتقليص الدعم.

يقول الفلاح محمد الدليمي، في حديث لـ كوردستان 24، واصفاً المعاناة:

"منذ ثلاثة إلى أربعة أعوام اضطررنا لترك هذه الأراضي تماماً بسبب الجفاف وعدم توفر المياه، فحتى مع هطول الأمطار يُفاجأ الفلاح بقطع الحصة المائية عنه. الأيادي العاملة تشتت؛ فبعض الفلاحين ذهبوا للعمل أجراءً في الشركات، وآخرون تحولوا للعمل سائقي سيارات أجرة (تاكسي) بعد أن أُهملت أرضهم وتيبست."

خبير اقتصادي لـ K24: "فشل حكومي وعودة للإقطاعية السابقة"

ولا تقف الأزمة عند حدود العوامل المناخية فحسب، بل يمتد الاتهام إلى سوء الإدارة والفساد المستشري في توزيع الأراضي الزراعية، بحسب خبراء في الشأن الاقتصادي، الذين حمّلوا وزارة الزراعة المسؤولية المباشرة عن ضياع ملايين الدونمات.

وفي هذا السياق، أكد الخبير الاقتصادي الدكتور مصطفى حنتوش لـ كوردستان 24 أن سوء التنظيم أدى إلى ظهور ما وصفه بـ"الإقطاع المعاصر"، موضحاً:

"يمتلك العراق نحو 28 مليون دونم صالح للزراعة، تقع 14 مليونا منها تحت ملكية وزارة الزراعة مباشرة. لكن هذه الدونمات مُوزعة بشكل غير صحيح وتفتقر إلى العدالة والشفافية؛ حيث نرى اليوم هيمنة متنفذين ومجموعات تفرض سيطرتها كـ'عصابات ريفية' على آلاف وملايين الدونمات. لقد عادت الإقطاعية الزراعية من جديد بسبب فشل وزارة الزراعة في حصر أراضيها وحمايتها."

خطر يهدد الأمن الغذائي

تستمر المساحات الصحراوية بالتمدد على حساب الأراضي الخضراء في عموم العراق وفي حزام بغداد خاصة، دون وجود خطط حصاد مياه حديثة أو تقنيات ري متطورة تنقذ ما يمكن إنقاذه.

ومع غياب الدعم الحكومي وتفاقم شح المياه، ينذر استمرار هجرة الفلاحين بنزيف بشرى واقتصادي حاد، يحول العراق من بلد زراعي تاريخي إلى سوق مستهلك يهدد أمنه الغذائي في المستقبل القريب.

تقرير: سيف علي – كوردستان 24 – بغداد