تعاون سري بين واشنطن وطهران لترحيل إيرانيين: وثائق تكشف كواليس التنسيق رغم التوترات العسكرية

أربيل (كوردستان 24)- كشفت رسائل إلكترونية مسربة، عن وجود تنسيق سري ورفيع المستوى بين سلطات الهجرة الأمريكية والحكومة الإيرانية لترحيل مواطنين إيرانيين من الولايات المتحدة خلال أواخر عام 2025 وأوائل عام 2026. وتُظهر هذه الوثائق وجود علاقة عمل قائمة بين واشنطن وطهران لإتمام عمليات الترحيل، رغم حالة التوتر الشديد والمواجهات العسكرية التي شهدتها الفترة ذاتها بين الطرفين.

وأماطت مئات الرسائل الإلكترونية، التي حصل عليها "المجلس الوطني الإيراني الأمريكي" (NIAC) ونُشرت للعلن، اللثام عن التفاصيل الدقيقة لكيفية تعاون البلدين لترتيب ثلاث رحلات جوية، نُقل على متنها أكثر من 100 إيراني إلى طهران في أيلول/سبتمبر وكانون الأول/ديسمبر 2025، وكانون الثاني/يناير 2026.

تأثير مباشر لطهران على قوائم الترحيل

تُثبت المراسلات أن المسؤولين الإيرانيين كان لهم نفوذ واضح في تحديد أسماء المهاجرين الذين سيتم ترحيلهم من الولايات المتحدة. وبحسب الوثائق، استجاب مسؤولو إدارة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE) لطلبات طهران بإجراء تعديلات اللحظة الأخيرة على قوائم المرحلين.

وفي أواخر آب/أغسطس 2025، قبل شهر من انطلاق أول رحلة ترحيل، كتب مسؤول في إدارة الهجرة الأمريكية: "بناءً على طلب السفارة الإيرانية، قمت بإضافة عدد من الحالات". وبعد أسبوع واحد فقط، قام مسؤول آخر بتعديل القائمة مجدداً بعد اجتماعه مع "مدير في السفارة الإيرانية"، مشيراً في رسالته إلى أن "إيران طلبت تعديل البيان السابق وتسريع عملية الترحيل".

وحتى يوم مغادرة الرحلة الأولى في 26 أيلول/سبتمبر 2025، استمرت السفارة الإيرانية في تقديم طلبات لإضافة أسماء جديدة، ورغم رفض بعض الطلبات المتأخرة جداً، إلا أن التنسيق ظل مستمراً حتى لحظة إقلاع الطائرة من الأراضي الأمريكية.

التنسيق في ظل الحرب والضربات المتبادلة

ما يثير الاستغراب في هذه الوثائق هو أن التنسيق حول رحلات الترحيل ظل يمثل "أولوية قصوى" للإدارة الأمريكية، حتى في الوقت الذي اعترف فيه مسؤولو الهجرة داخلياً بأن الإيرانيين كانوا يفرون من بلادهم بسبب الحرب الدامية التي استمرت 12 يوماً بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، في حزيران/يونيو 2025.

ورغم أن الرئيس دونالد ترامب، رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، كان قد حذر عبر وسائل التواصل الاجتماعي في 16 حزيران/يونيو 2025 بضرورة "إخلاء طهران فوراً" تزامناً مع الضربات الجوية، إلا أن القائم بأعمال مدير إدارة الهجرة حينها، تود ليونز، وصف ترحيل المهاجرين الإيرانيين بأنه "أولوية" في رسالة وجهها إلى قسم عمليات الترحيل.

وعلى الرغم من إغلاق المجال الجوي الإيراني أثناء القصف وصعوبة إصدار وثائق السفر، أصر المسؤولون الأمريكيون على وضع خطة عاجلة لترحيل 58 إيرانياً كانوا محتجزين، تنفيذاً لما وصفوه بـ "أولوية البيت الأبيض". وجاءت هذه الرحلات بعد أشهر قليلة من اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإسرائيل وبين إيران.

انتقادات حقوقية ومخاوف من الملاحقة

يمثل هذا التوجه تحولاً جذرياً في السياسة الأمريكية المستمرة منذ عقود، والتي كانت تقوم على استقبال المعارضين والمنفيين الإيرانيين منذ عام 1979. وقد أثار ترحيل هؤلاء الأفراد إلى بلد يُعرف بملاحقة المعارضين والناشطين انتقادات واسعة من منظمات حقوق الإنسان.

ولم يتضح من الرسائل ما إذا كان المرحلون قد غادروا طوعاً أم قسراً، إلا أن تقارير سابقة أشارت إلى أن من بين المرحلين طالبي لجوء أُخرجوا رغماً عن إرادتهم. وكشفت إحدى الرسائل عن وقوع خطأ فادح، حيث تم ترحيل شخص إيراني لم يكن مدرجاً في القائمة النهائية، وأقر مسؤول أمريكي في رسالته: "ليس لدي أي فكرة كيف صعد هذا الشخص إلى الطائرة".

اتهامات بمشاركة معلومات سرية

إلى جانب رحلات الترحيل، أظهرت الرسائل قيام مسؤولي الهجرة الأمريكيين بترتيب لقاءات بين مسؤولين إيرانيين وأفراد محتجزين داخل الولايات المتحدة لأسباب غير محددة. وتزامن ذلك مع دعوى قضائية رفعها 11 إيرانياً محتجزاً، أكدوا فيها أنهم أُجبروا على مقابلة وفود إيرانية كانت تمتلك تفاصيل دقيقة وسرية حول طلبات اللجوء الخاصة بهم.

وتتهم الدعوى القضائية الوكالات الأمريكية بمشاركة معلومات سرية مع طهران بشكل غير قانوني، وهو ما يحظره القانون الفيدرالي الأمريكي الصادر في أواخر التسعينيات، والذي يمنع الحكومة من مشاركة أي بيانات قد تكشف أن الشخص قد تقدم بطلب لجوء خوفاً من الملاحقة في بلده الأصلي. ومن جانبها، نفت وزارة الأمن الداخلي الأمريكية هذه الاتهامات، واصفة إياها بالادعاءات "الكاذبة".

يُذكر أن التنسيق اللوجستي لرحلات الترحيل تم في بعض الأحيان عبر وساطة قطرية، حيث ساهمت الدوحة في استئجار الطائرات وتسهيل الرحلات عبر مطارها، إلا أن الرسائل تشير بوضوح إلى اجتماعات مباشرة ومتكررة بين المسؤولين الأمريكيين و"الوفد الإيراني" ومدير السفارة الإيرانية، مما يؤكد أن قنوات الاتصال لم تنقطع حتى في ذروة الصراع العسكري.

المصدر: CBS News