صولة الفجر والديون: هل تنجح ملاحقة "حيتان الفساد" في فك حصار المديونية؟
أربيل (كوردستان24)- يواجه العراق اليوم منعطفاً اقتصادياً حرجاً مع تراجع كميات النفط المصدرة، مما أدى إلى اتساع الفجوة المالية في موازناته العامة وزيادة الاعتماد على الاقتراض الداخلي الذي وصل إلى مستويات قياسية. هذا الانحسار في الموارد النفطية وضع الدولة أمام ضرورة حتمية للربط بين استقرار الميزانية وتطهيرها من آثار الفساد؛ حيث لم يعد استرداد الأموال المنهوبة مجرد إجراء قانوني، بل أصبح مساراً إجبارياً لإطفاء الديون المتراكمة وتأمين الحد الأدنى من الاستدامة المالية في ظل تقلبات أسواق الطاقة العالمية التي لم تعد تضمن سد العجز المالي المتضخم.
تربط حكومة علي فالح الزيدي حالياً بين استقرار الميزانية وبين "استعادة الأموال المنهوبة". ويرى خبراء أن النجاح في مكافحة الفساد هو "الطريق الوحيد" لخفض المديونية.
وأكد الأكاديمي والباحث في الشأن السياسي ومكافحة الفساد الدكتور غالب الدعمي أن الفساد المالي يمثل السبب الرئيس وراء تفاقم أزمة الديون العراقية واستمرار العجز في الموازنة الاتحادية، مشيراً إلى أن حجم الأموال المهدرة فاق كل التوقعات.
وكشف الدعمي في تصريح خاص لكوردستان24، أن تقديرات الأموال التي ضاعت بسبب الفساد في العراق وصلت إلى قرابة 300 مليار دولار، مع احتساب النمو المالي الذي كان من المفترض أن تحققه تلك الأموال بمرور الزمن. وأوضح أن هذه القيمة الضخمة تتجاوز بكثير إجمالي الديون المترتبة بذمة العراق، مما يعني أن المديونية في حقيقتها هي إحدى تداعيات الفساد المستشري.
وشدد الدعمي على أن معالجة ملف الفساد بشكل جدي ستؤدي تلقائياً إلى إنهاء الديون العراقية بالكامل، موضحاً أن "مكامن الفساد" تتركز غالباً في الموازنات العامة، ومن خلال المبالغة الكبيرة في تخمين تكاليف المشاريع، سواء كانت على المستوى الاستثماري أو الخدمي.
وأشار إلى أن هذا الهدر الممنهج في تخمينات المشاريع والموازنات هو ما يقف وراء المشكلات الاقتصادية الكبيرة التي تعصف بالبلاد، مؤكداً أن حماية المال العام من هذه التقديرات الوهمية هو السبيل الوحيد لتحقيق الاستقرار المالي.
إليكم عرضاً مفصلاً لواقع المديونية العراقية، ومستجدات معركة استرداد الأموال المنهوبة ومكافحة الفساد، وأبرز التحديات التي تواجهها:
أولاً: خارطة الديون
يبلغ إجمالي ديون العراق الداخلية والخارجية نحو 150 مليار دولار امريكي بحسب تقديرات البنك المركزي العراق، وتنقسم إلى شقين أساسيين، يمثل كل منهما عبئاً ثقيلاً على موازنات الأجيال القادمة:
الديون الخارجية:
تشير التقديرات الرسمية "حسب مستشاري رئاسة الوزراء والبنك المركزي" إلى أن اجمالي الديون الخارجية المسجلة تبلغ 54 مليار دولار، والديون الخارجية الواجبة الدفع تبلغ نحو 13 مليار دولار.
هذه الديون تعود لمؤسسات دولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، بالإضافة إلى ديون نادي باريس التي تمت إعادة جدولتها.
المعضلة الكبرى: وجود ديون "معلقة" من حقبة النظام السابق ايضا، تقدر بنحو 40 مليار دولار، تعود لدول مثل دول الخليج وبعض الدول العربية، يطالب العراق بإلغائها كونها كانت مرتبطة بحروب عبثية.
الديون الداخلية (القنبلة الموقوتة):
هي الأخطر والأكبر، حيث تبلغ نحو 59.68 تريليون دينار عراقي، ما يعادل 73 مليار دولار امريكي، حتى نهاية إبريل 2026.
تتمثل هذه الديون في قروض اقترضتها الحكومات المتعاقبة من المصارف الحكومية (الرافدين والرشيد) ومن البنك المركزي عبر "إعادة خصم السندات".
هذه الأموال كان يُفترض أن تذهب للتنمية، لكنها استُخدمت لتمويل الرواتب وسد عجز الموازنات التشغيلية نتيجة تضخم الجهاز الوظيفي.
ثانياً: أين ذهبت الأموال؟
التحقيق في ملف المديونية يكشف صلة وثيقة بين "الاقتراض" و"الفساد". فالعراق لم يقترض للبناء، بل اقترض لتعويض الأموال التي نُهبت أو هُدرت في مشاريع وهمية:
المشاريع المتلكئة (الأشباح): هناك أكثر من 6000 مشروع معطل أو وهمي استنزفت مليارات الدولارات. هذه الأموال تم سحبها من خزينة الدولة أو عبر قروض، لكن المشاريع بقيت "حبراً على ورق".
نافذة بيع العملة: لسنوات طويلة، كانت هذه النافذة وسيلة لتهريب العملة الصعبة تحت غطاء "استيرادات وهمية"، مما اضطر الدولة للاقتراض الداخلي لتغطية النقص في السيولة بالدينار.
سرقة القرن: فضيحة الأمانات الضريبية (2.5 مليار دولار) هي نموذج مصغر لكيفية استنزاف السيولة النقدية، مما يدفع الحكومة لاحقاً للبحث عن مصادر تمويل خارجية أو داخلية بفوائد عالية.
ثالثاً: معركة استرداد الأموال
تربط حكومة علي فالح الزيدي حالياً بين استقرار الميزانية وبين "استعادة الأموال المنهوبة". ويرى خبراء أن النجاح في مكافحة الفساد هو "الطريق الوحيد" لخفض المديونية:
تفعيل "من أين لك هذا": بدأت هيئة النزاهة واللجنة العليا لمكافحة الفساد بملاحقة تضخم الأموال لدى المسؤولين. استرداد مليار دولار واحد يعني تسديد جزء من فوائد الديون الخارجية.
الرقمنة والأتمتة: التوجه نحو الدفع الإلكتروني وأتمتة الجمارك والضرائب يهدف إلى وقف "الهدر المالي" الذي يقدر بـ 10 مليارات دولار سنوياً. هذا المبلغ كفيل بتصفية الديون الداخلية خلال 5 سنوات دون الحاجة لضغط النفقات.
ربط القروض بالمشاريع المنتجـة: لأول مرة، بدأت الحكومة تتحدث عن "ضمانات سيادية" لمنح القطاع الخاص قروضاً دولية لإقامة مصانع، بدلاً من اقتراض الدولة للاستهلاك.
رابعاً: التحديات والمخاطر
رغم الجهود الحالية، يشير التقرير إلى وجود عوائق بنيوية:
الفائدة المركبة: الديون الداخلية والخارجية تترتب عليها فوائد سنوية ضخمة تلتهم جزءاً كبيراً من الموازنة الاستثمارية.
الارتهان لأسعار النفط: أي انخفاض في أسعار النفط سيعني العودة لدوامة الاقتراض، ما لم تنجح حملة مكافحة الفساد في تعظيم الإيرادات غير النفطية.
المقاومة السياسية: حيتان الفساد المرتبطون بجهات سياسية يحاولون عرقلة إجراءات الأتمتة والرقابة لأنها "تُجفف منابع التمويل" التي كانت تعوض عبر القروض.
الخلاصة
يمثل ملف المديونية في العراق واحداً من أكثر الملفات تعقيداً وتشابكاً، حيث يتجاوز كونه مجرد عجز مالي عابر ليتحول إلى مرآة تعكس عقوداً من التخبط الاقتصادي والهدر المنظم. وبينما توحي الأرقام الرسمية بوجود توازن نسبي في الديون الخارجية التي تمت السيطرة عليها ضمن سياقات نادي باريس والمؤسسات الدولية، إلا أن الخطر الحقيقي يكمن في "الدين الداخلي" الذي نما كوحش صامت في كواليس المصارف الحكومية والبنك المركزي، ليتجاوز عتبة السبعين تريليون دينار، وهو رقم يعكس اضطرار الدولة للاقتراض من مدخراتها ومستقبل أجيالها لتغطية نفقات استهلاكية ورواتب تضخمت بفعل التعيينات السياسية والعشوائية.
إن التدقيق الاستقصائي في أسباب هذا التراكم المالي يكشف عن علاقة عضوية غير قابلة للفصل بين تصاعد الديون واستشراء الفساد الهيكلي في مؤسسات الدولة. فالعراق لم يقترض لتمويل نهضة صناعية أو بنى تحتية منتجة، بل كان الاقتراض في كثير من الأحيان غطاءً لتعويض الأموال التي تسربت عبر "ثقوب سوداء" مثل المشاريع الوهمية التي استنزفت المليارات دون أن تترك أثراً على الأرض، أو عبر نافذة بيع العملة التي كانت لسنوات طويلة وسيلة لتهريب العملة الصعبة تحت غطاء استيرادات وهمية. ومن هنا، يبرز الدين العراقي ليس كضرورة اقتصادية، بل كـ "فاتورة فساد" مؤجلة يدفع المواطن البسيط ثمنها من خلال تراجع الخدمات ورهن القرار الاقتصادي للالتزامات الدولية.
وفي خضم معركة مكافحة الفساد التي تصدرت المشهد السياسي مؤخراً، تبرز محاولات جادة لربط استرداد الأموال المنهوبة بإطفاء الديون السيادية. فالتحقيقات الحالية في قضايا كبرى، مثل "سرقة القرن" وغيرها من ملفات الأمانات الضريبية والكمركية، كشفت أن المبالغ المفقودة كفيلة بسداد أجزاء واسعة من المديونية الداخلية دون الحاجة لسياسات تقشفية قاسية.
إن فلسفة الإصلاح الحالية تراهن على أن تجفيف منابع الفساد عبر الأتمتة والرقمنة لن يوفر مبالغ ضخمة للخزينة فحسب، بل سيعيد الثقة في النظام المالي العراقي، مما يقلل من كلفة الاقتراض المستقبلي ويحول الدولة من "مقترض مستهلك" إلى "مستثمر في أصوله".
ومع ذلك، يبقى التحدي الأكبر متمثلاً في "ديمومة" هذا المسار أمام ضغوط الدولة العميقة والمصالح السياسية التي ازدهرت في ظل فوضى الاقتراض. العراق اليوم يقف أمام مفترق طرق حاسم؛ فإما الاستمرار في سياسة الهروب للأمام عبر ترحيل الديون وتراكم فوائدها، وهو مسار يهدد بالانهيار عند أي هزة في أسعار النفط، أو المضي قدماً في ربط ملف المديونية بملف النزاهة بشكل عضوي، بحيث تصبح الأموال المستردة من الفاسدين هي المصدر الأول لتسديد الديون. نجاح هذه المعادلة هو الضمانة الوحيدة لتحويل الديون من قيد يكبّل السيادة الوطنية إلى درس قاسٍ في إدارة الموارد وبناء اقتصاد لا يرتهن للنفط ولا لجيوب الفاسدين.