سلاح الدولار.. ماذا يحدث لاقتصاد العراق إذا نفّذت واشنطن تهديدها بقطع السيولة النقدية؟
أربيل (كوردستان24)- بعيداً عن منطق التهويل أو إثارة الذعر، تفرض الوقائع الاقتصادية والسياسية قراءة مجردة لسيناريو بات يلوح في أفق العاصمة العراقية بغداد: ماذا لو أوقفت الولايات المتحدة تدفق شحنات الدولار إلى العراق؟
تكتسب هذه التساؤلات طابعاً ملحاً وعاجلاً في ضوء ما كشفته مصادر مطلعة لشبكة "كوردستان 24"، حول رسالة تحذيرية أمريكية حاسمة وُجهت للحكومة العراقية؛ مفادها أن عدم اتخاذ خطوات ملموسة للسيطرة على سلاح الفصائل المسلحة قبل حلول 30 أيلول/سبتمبر الجاري، سيقابله تعليق أو تأخير مباشر في إرسال شحنات الدولار النقدي (الكاش) إلى البلاد.
ولفهم خطورة هذا الإجراء، لا بد من العودة إلى البنية الهيكلية للاقتصاد العراقي؛ إذ لا يُعد العراق دولة منتجة تمتلك بدائل محلية كغيره من الدول الخاضعة للعقوبات، بل هو اقتصاد ريعي استهلاكي بامتياز، يعتمد بنحو شبه مطلق على الاستيراد لتأمين السلع الأساسية، وهو ما يتطلب تدفقاً يومياً ومستمراً للدولار لتغذية حركة التجارة وتلبية حاجات المواطنين.
شريان نيويورك.. كيف أصبحت أموال النفط رهينة الفيدرالي؟
بموجب قرارات دولية أعقبت عام 2003، تم إنشاء حساب خاص لإيداع عائدات النفط العراقي. وتستقر هذه العائدات – التي تُدفع حصراً بالدولار – في حساب تابع للبنك المركزي العراقي لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، لتُنقل لاحقاً في رحلات جوية منتظمة كشحنات نقدية إلى بغداد.
وكان الهدف الأساسي من هذه الآلية توفير "حصانة قانونية وسيادية" بمرسوم رئاسي أمريكي لحماية أموال العراق من الملاحقات القضائية الدولية ومطالبات الدائنين والتعويضات المترتبة على حروب النظام السابق. إلا أن هذه الميزة تحولت بمرور الوقت إلى "سلاح ضغط جيوسياسي" فتاك؛ إذ إن أي قرار بوقف هذه الشحنات النقدية يعني عملياً عزل العراق عن عوائده النفطية وشل قدرة البنك المركزي على ضخ السيولة في السوق.
سيناريوهات الانهيار بالأرقام.. ماذا يعني "وقف الدولار"؟
في حال دخل التحذير الأمريكي حيز التنفيذ، فإن مؤشرات الاقتصاد تنبئ بتداعيات متسلسلة ومدمرة:
شلل تام في الموازنة العامة (90%)
تعتمد موازنة العراق الاتحادية بنسبة تتجاوز 90% على الإيرادات النفطية. وتوقف تدفق الدولار سيؤدي تلقائياً إلى عجز الدولة عن تمويل برامجها ومشاريعها ونفقاتها التشغيلية، ما يعني دخول مؤسسات الدولة في حالة جمود شبه كلي.
تجريد الاحتياطي النقدي من فاعليته
بحسب بيانات شهر آب/أغسطس 2026، تراجع احتياطي البنك المركزي العراقي من العملة الأجنبية إلى 79.2 مليار دولار، بعد أن كان قد سجل 97.8 مليار دولار في نيسان/أبريل الماضي نتيجة تصاعد النفقات وضغوط السوق. ونظراً لأن الشطر الأكبر من هذا الاحتياطي مستثمر في سندات الخزانة الأمريكية أو مودع في حسابات مصرفية دولية تخضع لسلطة واشنطن، فإن البنك المركزي سيُحرم من استخدام "خط دفاعه الأول" لحماية واستقرار العملة الوطنية.
أزمة فورية في رواتب الموظفين
تحتاج الحكومة العراقية شهرياً ما بين 7 إلى 8 تريليونات دينار (وتشير تقديرات حكومية أخرى إلى حاجتها لنحو 11 تريليوناً) لتأمين رواتب الموظفين والمتقاعدين ومستحقات شبكة الرعاية الاجتماعية. وتؤمَّن هذه الكتلة النقدية عبر آلية "نافذة بيع العملة"، حيث يبيع المركزي الدولار النفطي للتجار مقابل الدينار العراقي لتمويل الرواتب. ومع غياب الدولار، ستجد الخزينة العامة نفسها عاجزة بشكل فوري عن صرف مستحقات ملايين المواطنين.
تهاوي الدينار وانفجار التضخم (+100%)
بينما يستقر السعر الرسمي عند 1320 ديناراً للدولار، أظهرت الأزمات السابقة حساسية السوق المفرطة؛ إذ تسبب احتجاز وزارة الخزانة الأمريكية لشحنة بقيمة 500 مليون دولار في نيسان 2026 بارتباك واسع.
وفي سيناريو القطع الكامل، يتوقع مراقبون ماليون أن يقفز سعر صرف الدولار في السوق الموازية خلال أيام معدودة إلى ما بين 3000 و4000 دينار، ما سيشعل موجة تضخم غير مسبوقة تتجاوز 100%، ستطال السلع الاستهلاكية والمواد الغذائية والمستلزمات الطبية.
توقف الاستيراد وشبح "حصار التسعينيات"
يستورد العراق سنوياً بضائع واحتياجات أساسية تتجاوز قيمتها 40 مليار دولار. وفي حال شملت الإجراءات الأمريكية تجميد الحوالات الخارجية والمنصة الإلكترونية لنظام "سويفت" (SWIFT)، فإن المستوردين والتجار سيعجزون عن سداد أثمان شحنات الغذاء والدواء.
هذا الانقطاع المفاجئ سيفرغ الأسواق المحلية من السلع الأساسية في زمن قياسي، ليعيد إلى الأذهان المشاهد القاسية التي عاشها المجتمع العراقي خلال سنوات الحصار الاقتصادي في تسعينيات القرن الماضي.
مفترق طرق
تؤكد المعطيات السابقة أن الاقتصاد العراقي غير محصن أمام أي صدمة ترتبط بمصادر تدفق الدولار؛ فالتبعية النقدية لواشنطن تجعل من المهلة الممنوحة لبغداد اختباراً وجودياً لا يمس فقط التوازنات السياسية والعسكرية، بل يهدد بشكل مباشر لقمة عيش المواطن واستقرار الدولة برمّتها.