نساء سوريات في مواجهة الترحيل: حين يصبح المستقبل سؤالاً
أربيل (كوردستان 24)- «لن أدخل هذا البلد بقرار وإنسانية، وأخرج منه مرغمة بعد كل ما حصل معي. لا أب، لا أم، لا معيل».
بهذه الكلمات تعبّر امرأة سورية عن خوفها من أن تنتهي سنوات عاشتها في ألمانيا بقرار يجبرها على الرحيل. وصلت وهي تبحث عن الأمان، وحاولت خلال سنوات وجودها أن تعيد بناء حياتها، لكنها اليوم تجد نفسها أمام مستقبل لا تعرف كيف سيكون.
وراء كل قرار ترحيل امرأة لها قصة مختلفة، وظروف لا تشبه بالضرورة ظروف امرأة أخرى. فهناك من فقدت أهلها، وهناك من تركت خلفها تجربة مؤلمة، وهناك من بنت حياة جديدة، وهناك من تقول إنها قد تعود إذا توافرت لها شروط أساسية تستطيع من خلالها أن تبدأ من جديد.
تقول امرأة أخرى: «ألمانيا التي آمنت لي عيشة رغيدة، مشكورة، ولكن عليها أن تعي أنني اخترت مكونات حياتي هنا».
هذه المرأة لا تتحدث فقط عن السكن والعمل، وإنما عن حياة تشكلت مع مرور السنوات. تعلمت اللغة، تعرفت إلى المجتمع، كونت علاقات، وربما أصبح أطفالها جزءاً من المدارس والحياة اليومية في ألمانيا. لذلك فإن فكرة الرحيل بالنسبة إليها لا تعني تغيير مكان الإقامة فقط، بل تعني فقدان جزء من الحياة التي بنتها بنفسها.
وفي حالة أخرى، تخشى امرأة سورية العودة بسبب قصة عائلية مرتبطة بالعادات والتقاليد في بيئة ريفية. بالنسبة إليها، الخوف لا يرتبط فقط بما يحدث في البلد بصورة عامة، وإنما بظروف شخصية وعائلية ترى أنها قد تجعل عودتها صعبة أو غير آمنة.
امرأة أخرى تقول: «إذا تم تأمين السكن والعمل قد أعود، ولكن هذه الأحلام لن تتحقق».
هذه العبارة تختصر موقف كثير من الأشخاص الذين لا ينظرون إلى العودة باعتبارها مستحيلة بالضرورة، وإنما يسألون عن شروطها. فالعودة إلى مكان لا يوجد فيه سكن أو عمل أو مصدر دخل ثابت قد تجعل المرأة عاجزة عن بناء حياة مستقرة، خصوصاً إذا كانت تعيش بمفردها أو تعيل أطفالاً.
وهناك الأم التي لا تفكر في نفسها فقط. أطفالها ربما ولدوا في ألمانيا أو أمضوا فيها سنوات طويلة، وتعلموا في مدارسها، وأصبح لهم أصدقاء وحياة يعرفونها. بالنسبة إليها، قرار العودة لا يتعلق بمستقبلها وحدها، وإنما بمستقبل أطفالها أيضاً.
أما امرأة أخرى فقد تكون وصلت إلى ألمانيا بعد تجربة عنف أو ظروف أسرية صعبة. استطاعت خلال السنوات الماضية أن تجد الأمان وأن تبدأ حياة مستقلة. لذلك فإن فكرة العودة قد تعيد إليها مخاوف وتجارب حاولت طويلاً تجاوزها.
وهناك من فقدت منزلها في سوريا، أو لم يعد لديها المكان الذي يمكن أن تعود إليه، فيما تمكنت امرأة أخرى من بناء مسار مهني من خلال تعلم اللغة والتدريب والعمل. بالنسبة إليها، الرحيل يعني أيضاً ترك سنوات من الجهد ومحاولة البدء من الصفر مرة أخرى.
وفي حالات أخرى، تكون المرأة بلا أسرة قريبة أو شبكة دعم تستطيع الاعتماد عليها. وقد تبدو العودة في الأوراق أمراً بسيطاً، لكنها في الواقع تطرح أسئلة كثيرة: أين ستعيش؟ كيف ستؤمن دخلها؟ من يساعدها إذا مرضت؟ ومن يقف إلى جانبها إذا واجهت مشكلة؟
لكن هناك جانباً آخر لا يظهر في ملفات الإقامة وقرارات الترحيل: الأثر النفسي لهذه القرارات على النساء.
فالخوف من الترحيل قد يبدأ قبل تنفيذ أي قرار. يكفي أحياناً أن تصبح المرأة غير متأكدة من مستقبلها حتى تدخل في حالة من القلق والانتظار. يصبح السؤال عن الغد حاضراً في تفاصيل حياتها: هل سأبقى هنا؟ ماذا سيحدث لأطفالي؟ هل سأفقد منزلي وعملي؟ وهل سأضطر إلى ترك كل ما بنيته خلال سنوات؟
وبالنسبة إلى امرأة مرت بتجارب الحرب أو الفقدان أو العنف، قد يكون الخوف من المستقبل سبباً في عودة ذكريات مؤلمة كانت تحاول تجاوزها. وقد ينعكس القلق على النوم والاستقرار النفسي والشعور بالأمان، بينما تعيش بعض الأمهات ضغطاً مضاعفاً بسبب خوفهن على أطفالهن.
إن عدم اليقين بحد ذاته يمكن أن يكون مرهقاً. فالإنسان يستطيع التعامل مع كثير من الصعوبات عندما يعرف ما ينتظره، لكن أن يعيش أشهراً وهو لا يعرف أين سيكون غداً، فهذا يضعه في حالة دائمة من الترقب والخوف.
ولهذا لا يمكن النظر إلى النساء السوريات باعتبارهن مجموعة واحدة. هناك امرأة تريد العودة، وأخرى لا ترى العودة ممكنة في ظروفها الحالية، وثالثة قد تقبل بها إذا توافرت لها شروط الأمان والسكن والعمل، ورابعة تخشى على أطفالها، وخامسة تخشى العودة بسبب تجربة شخصية أو عائلية.
وفي كل حالة، توجد حياة كاملة لا تظهر في الأرقام.
سوريا بالنسبة إلى هؤلاء النساء ليست مجرد عنوان على الخريطة، وألمانيا بالنسبة إلى كثيرات منهن ليست مجرد مكان مؤقت. بين البلدين توجد سنوات من الذاكرة والتجربة والعمل والتعلم والعلاقات، وبينهما أيضاً أسئلة صعبة عن المستقبل.
لذلك، فإن السؤال الإنساني لا ينبغي أن يكون فقط: هل تستطيع المرأة العودة؟
بل أيضاً: ماذا ينتظرها بعد العودة؟ وهل تستطيع أن تعيش بأمان وكرامة واستقرار؟ وكيف يمكن أن يؤثر الخوف من فقدان حياتها الحالية على حالتها النفسية؟
فالعودة ليست مجرد عبور حدود، وإنما بداية حياة جديدة. والمرأة التي يُطلب منها أن تبدأ من جديد تحتاج إلى أكثر من قرار؛ تحتاج إلى الأمان، والسكن، والعمل، والحماية، وإمكانية بناء مستقبل تستطيع أن ترى نفسها فيه.
وفي النهاية، ربما تختصر إحدى النساء هذا الشعور كله بجملة بسيطة:
«أنا لا أطلب أن أنسى سوريا، ولا أنكر أنني سورية، أطلب فقط أن يُنظر إلى حياتي كما أصبحت، وإلى الظروف التي أعيشها، لا إلى مكان ولادتي فقط».