تلاعب ديموغرافي يهدد استحقاقات الإقليم.. كيف انتهكت بغداد اتفاقيات التعداد السكاني لتقليص حصة كوردستان في الموازنة؟
أربيل (كوردستان24)- كشف تقرير توثيقي أُعدّ بالتعاون مع وزارة التخطيط في حكومة إقليم كوردستان، عن سلسلة من الخروقات والتجاوزات الأحادية التي ارتكبتها الحكومة الاتحادية في بغداد عقب إجراء التعداد العام للسكان (في 20 تشرين الثاني/نوفمبر 2024). وأظهر التقرير تراجعاً متعمداً عن الاتفاقات والقرارات الرسمية الملزمة لمجلس الوزراء الاتحادي، تُوجت بتقليص نسبة سكان الإقليم من 14.14% إلى 12.68%، وهو ما يُنذر بتبعات مالية واقتصادية قاسية على حصة كوردستان في الموازنة الاتحادية لعام 2027.
قرارات ملزمة تحولت إلى "حبر على ورق"
سبقت عملية التعداد سلسلة مفاوضات فنية مستفيضة بين وزارتي التخطيط في أربيل وبغداد، تمخضت عن صدور ثلاثة قرارات جوهرية عن مجلس الوزراء الاتحادي (الأرقام: 24853، و24859، و24860)، حددت خارطة طريق واضحة ترتكز على:
الإدارة المشتركة: تشكيل فِرق ميدانية تمثل كافة المكونات (الكورد، العرب، التركمان، المسيحيين، والإيزيديين) لإدارة التعداد في المناطق المتنازع عليها.
المطابقة التاريخية: تدقيق البيانات ومقارنتها بسجلات تعداد عام 1957، وبيانات وزارات الداخلية، والتجارة، والهجرة والمهجرين.
الإشراف والحفظ المزدوج: خضوع قاعدة البيانات للإشراف المشترك لكلا الحكومتين، مع إنشاء سجل خاص للمناطق المشمولة بالمادة 140.
التغطية المالية: تخصيص 13.83 مليار دينار لدعم وزارة التخطيط في الإقليم لإنجاز مهامها.
غير أن الوقائع الميدانية اللاحقة أثبتت تنصل بغداد التام من هذه الالتزامات؛ حيث هُمّشت الفِرق المشتركة، وجرت العملية دون مشاركة فاعلة وحقيقية لممثلي المكونات في المناطق المتنازع عليها.
إعلان أحادي وعرقلة مقصودة: 28 كتاباً رسمياً بلا رد!
وفي خطوة أثارت استياء أربيل، أعلنت وزارة التخطيط الاتحادية النتائج الإجمالية من طرف واحد، محددةً عدد سكان العراق بـ 46,118,793 نسمة، وسكان إقليم كوردستان بـ 6,519,129 نسمة، دون استكمال مطابقة البيانات المتفق عليها.
ولم تقتصر الانتهاكات على ذلك، بل امتدت لتشمل:
تجاهل المخاطبات الرسمية: وجّه الإقليم 28 كتاباً رسمياً إلى الرئاسات العراقية ومجلس النواب، وأجرى 5 زيارات رسمية لحل الإشكالات الفنية والحصول على "البيانات الخام"، لكن دون أدنى استجابة.
ذرائع التسويف (12 عاماً لمطابقة البيانات!): ادّعى مسؤولون في بغداد أن مطابقة البيانات مع سجلات 1957 تتطلب أكثر من 12 عاماً، في حين تؤكد التقييمات العلمية والتكنولوجية أن العملية لا تتجاوز 6 أشهر في حال توفر الإرادة السياسية.
حرمان مالي: امتنعت بغداد حتى اليوم عن صرف التخصيصات المالية المقرة للإقليم والبالغة 13.8 مليار دينار.
تلاعب بالأرقام: استبعاد نصف مليون مواطن ومئات آلاف النازحين
بلغ التراجع الاتحادي ذروته مع التلاعب بالنسب الديموغرافية؛ فبعد أن أقرت وزارة التخطيط الاتحادية مطلع عام 2026 بأن نسبة سكان الإقليم تبلغ 14.14%، عادت في نيسان/أبريل من العام نفسه لتخفض النسبة قسراً إلى 12.68%.
وجاء هذا التخفيض غير القانوني عبر ذريعتين:
حرمان النازحين واللاجئين: استبعاد مئات الآلاف من النازحين واللاجئين المقيمين في الإقليم من الحسابات، رغم أن حكومة كوردستان هي من تتحمل أعباء رعايتهم وخدماتهم.
إقصاء 500 ألف مواطن في المناطق المشتركة: يعيش نصف مليون نسمة في مناطق تديرها حكومة الإقليم وتتحمل نفقاتها بالكامل (مركز قضاء شيخان، نواحي زيلكان وفائدة، ونواحي ديبكة وقراج والكوير التابعة لمخمور)، ومع ذلك نسبتهم الحكومة الاتحادية إلى إدارتها دون الاعتراف بهم كجزء من الإقليم أو تغطية نفقاتهم.
المخاطر الاقتصادية.. تهديد مباشر للمشاريع والتعيينات والدواء
لا يمثل هذا التقليص مجرد أرقام إحصائية، بل ينعكس كـ "عقاب اقتصادي جماعي" يؤثر بشكل مباشر على حياة مواطني كوردستان؛ فتخفيض الحصة إلى 12.68% في موازنة عام 2027 يعني تلقائياً:
تقليص فرص التعيينات والدرجات الوظيفية لمواطني الإقليم.
خفض حصة الإقليم من مفردات البطاقة التموينية، والأدوية، والمستلزمات الطبية.
تراجع السيولة المخصصة للمشاريع الاستراتيجية والخدمات الأساسية ونفقات التشغيل.
موقف أربيل: تثبيت نسبة 14.14% ووقف الإجحاف التاريخي
أمام هذه التجاوزات، تعلن حكومة إقليم كوردستان رفضها القاطع لهذه المعايير المزدوجة، وتطالب بما يلي:
الالتزام الدستوري بنسبة 14.14%: اعتماد هذه النسبة كاستحقاق سكاني ثابت لحصة الإقليم في الموازنة العامة لعام 2027.
إنهاء الغبن المالي المتراكم: تكشف البيانات الرسمية لوزارة المالية والاقتصاد في الإقليم أنه خلال الفترة الممتدة من (2019 حتى 2025) – ورغم أن الحصة القانونية كانت محددة بـ 12.67% – لم ترسل بغداد سوى معدل 3.31% فقط من الموازنة العامة، وهو إجحاف مالي تراكمي لا يمكن القبول باستمراره تحت غطاء إحصاءات مجتزأة.
تؤكد حكومة إقليم كوردستان أن التعداد السكاني كان ينبغي أن يكون أداةً تنموية عادلة لا سلاحاً سياسياً للالتفاف على الحقوق الدستورية لشعب كوردستان، مشددة على أن تصحيح هذه الخروقات هو السبيل الوحيد لضمان استقرار العلاقات بين أربيل وبغداد وتفادي أزمات مالية جديدة.