جمال كوجر يكشف كواليس مسودة الموازنة: موازنة بـ 218 تريليون دينار وعجز قياسي يخالف القانون

أربيل (كوردستان24)- تتجه الأنظار مجدداً نحو أروقة مجلس النواب العراقي واللجنة المالية النيابية، وسط تصاعد حدة الجدل حول مسودة قانون الموازنة العامة الاتحادية وتفاصيل أرقامها، وما تحمله من ملفات شائكة ترتبط بمصير الرواتب، وحصة إقليم كوردستان، واستحقاقات التعيينات وتثبيت العقود، فضلاً عن تداعيات تعديل سعر الصرف.

وفي حوار مفصل عبر شاشة "كوردستان 24" وخلال برنامج "باسى ڕۆژ"، استعرض الدكتور جمال كوجر، عضو اللجنة المالية في مجلس النواب العراقي، ملامح المشهد المالي والسياسي المعقد، كاشفاً عن أسباب التوتر بين البرلمان ووزارة المالية الاتحادية، والخطوط العريضة للأرقام غير الرسمية المتداولة حول الموازنة.

استهل كوجر حديثه بالإشارة إلى مبررات طلب اللجنة المالية استضافة وزيرة المالية الاتحادية، مبدياً عتبه على غياب التنسيق المؤسسي المطلوب، لا سيما وأن الوزيرة كانت عضواً سابقاً لسنوات طويلة في اللجنة المالية وتدرك طبيعة عملها الرقابي والتشريعي.

وأوضح كوجر أن الوزارة تتعامل بغموض ولا تُشرك اللجنة في تفاصيل النفقات وجداول التعيينات والمشاريع، مفضلة التحرك وفق الرؤى والضغوط السياسية بدلاً من التنسيق المشترك، مؤكداً أن أعضاء اللجنة لم يتسلموا حتى الآن أي مسودة رسمية مكتوبة تتضمن البيانات الدقيقة.

وحول أسباب هذا التحفظ، بيّن كوجر أن المسودة تتضمن عدة "ألغام" ونقاط خلافية قد تفجر الشارع في حال إعلانها دون تهيئة، ومن أبرزها:

سعر الصرف والفوارق النقدية بين الدينار والدولار.
الفجوة في تخصيصات النفقات والمشاريع بين المحافظات والوزارات.
ملف تثبيت العقود والتعيينات الجديدة والوعود المعلقة.
تحديد النفقات السيادية مقابل الإنفاق الفعلي.
 
وفيما يتعلق بحجم الموازنة العامة، لفت عضو اللجنة المالية إلى أن الأرقام المسربة تفيد بأن إجمالي الموازنة يبلغ نحو 218 تريليون دينار عراقي، مع تسجيل عجز مالي ضخم يصل إلى 65 تريليون دينار.

وشدد كوجر على أن هذا المستوى من العجز يُعد مخالفة صريحة لـ "قانون الإدارة المالية الاتحادية"، الذي يشترط ألا يتجاوز العجز المخطط نسبة 3% من الناتج المحلي الإجمالي (المقدر بنحو 260 تريليون دينار)، ما يعني أن العجز المسموح به يجب ألا يتعدى 8 إلى 12 تريليوناً كحد أقصى، محذراً من أن هذا التوسع في الإنفاق سيكبّل الدولة بديون وعجز حقيقي في السيولة إذا انخفضت أسعار النفط.

وفي السياق ذاته، أشار كوجر إلى أن الموازنة تمر عبر أربع مراحل أو "فلاتر" (وزارة المالية، المجلس الوزاري للاقتصاد، مجلس الوزراء، ثم البرلمان)، مبيناً أن التقديرات المعتمدة للإيرادات تعتمد بنسبة 88% إلى 92% على النفط، في حين يقترح خبراء شركة "سومو" اعتماد سعر برميل تخميني بين 53 و56 دولاراً، بينما تميل الحكومة لتثبيته ورقياً بين 60 و65 أو 70 دولاراً لموازنة النفقات دفترياً.

وحول استحقاقات إقليم كوردستان، انتقد كوجر محاولات إعادة اعتماد نسبة 12.67% باعتبارها مجرد "نسخ ولصق" لموازنة 2023 دون مراعاة الواقع، مشيراً إلى أن المعطيات الديمغرافية والتعداد السكاني تمنح الإقليم حصة تفوق 14%.

وأكد كوجر بوضوح أن الكورد يمثلون أقلية داخل البرلمان (نحو 65-66 نائباً من أصل 329، و5 أعضاء فقط في اللجنة المالية)، مما يعني أن الاعتماد على آلية "التصويت العددي" ستؤدي حتماً إلى خسارة حقوق الإقليم وتمرير بنود لا تخدمه.

وأضاف: "الحل الوحيد والضمانة الأساسية لحصة الإقليم لا تكمن في قبة البرلمان فقط، بل في عقد اتفاق وتوافق سياسي مسبق بين القيادة الكوردستانية في أربيل ورئاسة الوزراء وقادة الإطار التنسيقي في بغداد قبل إرسال الجداول إلى مجلس النواب."وتناول التقرير التعديلات المقترحة في سعر الصرف، حيث أوضح كوجر أن توجه الحكومة لتعديل السعر إلى 150 ألف دينار لكل 100 دولار أو اللجوء لتخفيض قيمة العملة بهدف تعظيم السيولة المحلية من مبيعات النفط بالدولار، ينعكس بشكل سلبي ومباشر على معيشة المواطن عبر مسارين:

الأول: موجة تضخم وارتفاع حاد في أسعار المواد الاستهلاكية، لكون معظم البضائع مستوردة بالدولار.
الثاني: تآكل القوة الشرائية للدخول والرواتب بنسبة لا تقل عن 15%، مما يضع أعباءً ثقيلة على كاهل الطبقات الهشة ومحدودي الدخل.
 
وبشأن الأنباء عن استحداث مئات الآلاف من الدرجات الوظيفية، استبعد كوجر قدرة الدولة على استيعاب هذه الأعداد دفعة واحدة في ظل العجز المالي الراهن.

وكشف أن خطة رئيس مجلس الوزراء ترتكز على جدولة تثبيت العقود واستيعاب الخريجين تدريجياً عبر دفعات محسوبة على مدار عمر الكابينة الحكومية وحسب الحاجة الفعلية لكل وزارة، تجنباً لإنهاك الخزينة العامة.

وفي ختام تصريحاته، أكد الدكتور جمال كوجر أن موعد إرسال الموازنة إلى البرلمان مرهون بنضوج التوافقات السياسية داخل "الإطار التنسيقي" والتفاهمات المبرمة مع إقليم كوردستان.

وطمأن كوجر الشارع الكوردستاني والعراقي عموماً بأن هناك قناعة وإجماعاً واسعاً بين مختلف القوى السياسية (الشيعية، والسنية، والكوردية) بضرورة تحييد رواتب الموظفين تماماً عن أي صراع أو تجاذب سياسي بين بغداد وأربيل، وضمان صرف مستحقات المعيشة للمواطنين باعتبارها استحقاقاً دستورياً وقانونياً ثابتاً لا يخضع للمساومات.