حصري لكوردستان24.. مسودة مشروع موازنة 2027 وحصة كوردستان المقترحة
أربيل (كوردستان24)- تضع التقديرات المقترحة لمشروع موازنة عام 2027 المالية العامة أمام مرحلة توسعية جديدة؛ حيث يقترح المشروع نفقات إجمالية تصل إلى 217.239 تريليون دينار، يقابلها إجمالي إيرادات مقدرة بـ 174.234 تريليون دينار. ويحمل المشروع تحولات جذرية في آليات احتساب العوائد النفطية وغير النفطية، وإعادة هيكلة فصول الإنفاق التشغيلي والاستثماري، فضلاً عن تغييرات جوهرية في القواعد الحسابية والافتراضات النقدية الحاكمة.
أولاً: حصة إقليم كوردستان والعجز المالي في المشروع
1. انخفاض مخصصات إقليم كوردستان
سجلت التخصيصات المقترحة لبند إقليم كوردستان تراجعاً واضحاً في مشروع 2027 لتبلغ 13.308 تريليون دينار، مقارنة بـ 16.498 تريليون دينار في موازنة 2023 المعدلة (بانخفاض نسبته 19.3%)، مقابل 11.482 تريليون دينار في موازنة 2021.
وبهذا تنخفض حصة الإقليم لتشكل 6.1% من إجمالي النفقات العامة للموازنة، بعد أن كانت تمثل 8.3% في عام 2023 و8.8% في عام 2021.
التوزيع الداخلي لبند الإقليم في 2027:
تعويضات الموظفين: 10.210 تريليون دينار (مقارنة بـ 9.300 تريليون في 2023).
الرعاية الاجتماعية: 2.000 تريليون دينار (مقارنة بـ 1.158 تريليون في 2023).
الإنفاق الاستثماري: انخفض بنسبة حادة إلى 0.499 تريليون دينار مقارنة بـ 2.784 تريليون دينار في 2023.
خدمة الدين / المديونية: صفر تريليون دينار (مقابل 0.400 تريليون في 2023 كانت مخصصة لمستحقات المصرف العراقي للتجارة).
الالتزامات والنسب الحاكمة: يُبقي المشروع على احتساب كميات نفط الإقليم المصدرة عند 400 ألف برميل يومياً، مع بقاء النسبة الحسابية لحصة الإقليم من النفقات الحاكمة (بعد استبعاد النفقات السيادية) عند 12.67%.
2. العجز المالي المخطط ومصادر تمويله
يبلغ العجز المالي المحسوب في مشروع 2027 نحو 43.005 تريليون دينار (ما يمثل 19.8% من إجمالي النفقات)، مسجلاً انخفاضاً عن العجز المخطط في موازنة 2023 والبالغ 64.357 تريليون دينار (32.4% من النفقات)، وعن عجز 2021 البالغ 28.673 تريليون دينار (22.1%).
حقيقة انخفاض العجز: الانخفاض لا يعود إلى ضغط النفقات—إذ ارتفعت النفقات بنسبة 9.2% عن 2023—بل نتج كلياً عن ارتفاع الإيرادات المقدرة بنسبة 29.5%.
تحولات تمويل العجز: كشفت مقارنات التمويل عن تصاعد الاعتماد على الموارد المحلية لتمويل العجز العام من 52.8% في 2021 إلى 84.5% في 2023 بقيمة تجاوزت 54.39 تريليون دينار (أبرزها: الرصيد المدور في حساب وزارة المالية بـ 23 تريليوناً، وخصم حوالات الخزينة لدى البنك المركزي بـ 23.39 تريليوناً، وسندات وطنية وقروض مصارف حكومية)، مقابل غياب كامل للقروض الخارجية لدعم الموازنة في موازنة 2023 بعد أن سجلت 8.45 تريليون دينار في 2021.
ثانياً: تفكيك هيكل الإيرادات (النفطية وغير النفطية)
بلغ إجمالي الإيرادات المقدرة 174.234 تريليون دينار، مقسمة كالتالي:
1. الإيرادات النفطية (144.720 تريليون دينار):
جاءت الزيادة النفطية الصافية البالغة +27.468 تريليون دينار مقارنة بـ 2023 مدفوعة بثلاثة محركات:
صادرات النفط الخام المنقول: 127.020 تريليون دينار (باحتساب تصدير 4.00 ملايين برميل يومياً بسعر 58 دولاراً وسعر صرف 1500 دينار).
بند جديد لبيع الخام للمصافي: أدرج لأول مرة بقيمة 17.000 تريليون دينار (يمثل 9.8% من إجمالي الإيرادات، محسوباً بسعر 40 دولاراً وبكمية 776,256 برميلاً يومياً).
إيرادات المعادن الأخرى: 0.700 تريليون دينار.
الأثر التراكمي للعوامل: أظهر التفكيك الرياضي للعوامل أن انخفاض السعر التقديري (من 70 إلى 58 دولاراً) أحدث أثراً سالباً قدره (-19.929 تريليون)، لكن قابله أثر موجب لزيادة الكمية المصدرة (+13.761 تريليون) وأثر موجب لتعديل سعر الصرف (+16.936 تريليون).
2. الإيرادات غير النفطية (29.514 تريليون دينار):
سجلت قفزة بنسبة 70.6% عن تقديرات 2023؛ وتعتمد هذه الزيادة على بنود تقديرية مرتفعة:
حصة الموازنة من أرباح القطاع العام: 7.524 تريليون دينار (+128.0%).
الضرائب السلعية ورسوم الإنتاج: 5.917 تريليون دينار (+116.6%).
إيرادات أخرى: 5.904 تريليون دينار (+172.6%).
الضرائب على الدخول والثروات: انخفضت إلى 5.703 تريليون دينار (-10.3% عن 2023 و-38.9% عن 2021).
الإيرادات التحويلية: 1.524 تريليون دينار (+76.0%).
الرسوم: 1.687 تريليون دينار (-6.2%).
الإيرادات الرأسمالية: 1.255 تريليون دينار.
ثالثاً: هيكل النفقات بحسب الفصول وتضخم البنود الحاكمة
أظهر توزيع النفقات هيمنة البنود الأقل مرونة وتراجعاً في النشاط الاستثماري:
البنود الأقل مرونة (الرواتب، الرعاية، خدمة الدين): بلغت مجتمعة 118.172 تريليون دينار (تمثل 54.4% من النفقات العامة و67.8% من إجمالي الإيرادات المقدرة):
تعويضات الموظفين: ارتفعت إلى 68.125 تريليون دينار (+15.1% بزيادة 8.951 تريليون)، وتتركز الزيادات في التربية (+2.957)، والداخلية (+1.116)، والحشد الشعبي (+1.091)، والصحة (+0.864).
الرعاية الاجتماعية: ارتفعت إلى 33.032 تريليون دينار (+33.7% بزيادة 8.329 تريليون)، وتتركز في نشاط وزارة المالية (17.328 تريليون)، ووزارة العمل (9.011 تريليون)، ووزارة التجارة (4.562 تريليون).
خدمة الدين / المديونية: بلغت 17.015 تريليون دينار (+33.4% بزيادة 4.264 تريليون).
المستلزمات السلعية والخدمية: قفزت المستلزمات السلعية بنسبة 114.2% لتصل إلى 26.437 تريليون دينار، في حين تراجعت المستلزمات الخدمية إلى 3.599 تريليون دينار (-26.3%).
المنح والإعانات والفوائد: انخفضت إلى 18.877 تريليون دينار (-22.9%).
الإنفاق الاستثماري العام: تراجع إلى 47.897 تريليون دينار (بانخفاض 11.7% عن موازنة 2023 البالغة 54.253 تريليون).
رابعاً: مخصصات الوزارات وظاهرة "جهات البرامج والأداء"
استحداث صف مجمّع لجهات البرامج والأداء: خُصص له مبلغ ضخم قدره 41.931 تريليون دينار (19.3% من الموازنة) دون تفصيل مفرداته، ويتضمن 23.033 تريليون مستلزمات سلعية و13.498 تريليون إنفاقاً استثمارياً. ويفسر هذا الصف غياب 7 جهات كانت مفصلة في 2023، أبرزها (وزارة الكهرباء، ومحافظتا الديوانية وصلاح الدين، والتعليم العالي).
أبرز موازنات الوزارات في المشروع:
وزارة المالية (المركز والنشاط العام): 42.823 تريليون دينار.
وزارة النفط: 18.158 تريليون دينار (استثماريها 14.003 تريليون).
وزارة الداخلية: 15.088 تريليون دينار.
وزارة التربية: 14.758 تريليون دينار.
وزارة الصحة: 11.106 تريليون دينار (استثماريها ارتفع إلى 2.050 تريليون).
وزارة الدفاع: 10.118 تريليون دينار.
وزارة العمل والشؤون الاجتماعية: 9.259 تريليون دينار.
وزارة التجارة: 8.850 تريليون دينار.
هيئة الحشد الشعبي: 4.914 تريليون دينار.
وزارة الإعمار والإسكان: 4.245 تريليون دينار (استثماريها 3.633 تريليون).
انكماش الاستثمار القطاعي: تراجع الاستثمار خارج النفط والبرامج بنسبة 39.2% (من 33.533 إلى 20.396 تريليون). وسجلت وزارة التخطيط أكبر انهيار في موازنتها الاستثمارية من 7.047 تريليون إلى 0.175 تريليون فقط (-97.7%)، وتراجعت استثمارات وزارة النقل من 2.753 إلى 0.720 تريليون دينار (-71.7%).
خامساً: تخصيصات المحافظات وتراجع المشاريع المحلية
بلغ مجموع مخصصات 12 محافظة إضافة إلى كركوك 8.770 تريليون دينار (بانخفاض 23.9% مقارنة بجدول "هـ المعدل" لعام 2023 البالغ 11.529 تريليون)، وتراجع الشق الاستثماري للمحافظات بنسبة 40% ليصل إلى 5.479 تريليون دينار.
سادساً: اختبارات الحساسية ونقاط التعادل المالي
حددت الحسابات المالية حساسية الموازنة لأي تغير في المتغيرات النقدية والنفطية:
كل 1 دولار تغير في سعر البرميل = 2.190 تريليون دينار.
كل 100 ألف برميل/يوم تغير في التصدير = 3.176 تريليون دينار.
كل 100 دينار تغير في سعر الصرف = 9.601 تريليون دينار.
سعر التعادل للنفط: يحتاج العراق إلى سعر 77.64 دولاراً للبرميل (عند صرف 1500) لتغطية كامل نفقات موازنة 2027 بدون عجز، ويرتفع سعر التعادل إلى 90.78 دولاراً إذا طُبق سعر صرف 1300 دينار (مقارنة بـ 108.75 دولار في 2023 و61.67 دولار في 2021).
سيناريوهات المخاطر والضغط:
انخفاض النفط 10 دولارات (إلى 48$): يرتفع العجز إلى 64.905 تريليون دينار (29.9% من النفقات).
انخفاض الصادرات بـ 200 ألف برميل يومياً: يرتفع العجز إلى 49.356 تريليون دينار (22.7%).
سيناريو الضغط المركب (48$ للبرميل + صرف 1300): يقفز العجز إلى مستوى حرج يبلغ 81.188 تريليون دينار (37.4% من إجمالي النفقات).
سابعاً: المقارنة التشريعية للأحكام المالية الحاكمة (2021 مقابل 2023)
تعكس المقارنة بين قانوني الموازنة السابقين التحولات في الصياغة المالية والقانونية:
التزامات نفط إقليم كوردستان: تحولت الصياغة من النص في 2021 على تسليم قيمة 250 ألف برميل بسعر "سومو" بعد استبعاد الكلف، إلى إلزام الإقليم في 2023 بتسليم ما لا يقل عن 400 ألف برميل يومياً لـ"سومو" في جيهان أو لوزارة النفط، مع فتح حساب موحد لدى البنك المركزي يخضع لتدقيق دولي.
البترودولار: خصص قانون 2021 نسبة 5% مع تمويل صناديق من فروق الأسعار، بينما وزع قانون 2023 فروق الأسعار بنسبة 50% لمستحقات المحافظات و50% لتسديد العجز المالي.
احتياطي الطوارئ: تدرج من 0.150 تريليون في 2021 بصلاحيات مقيدة لمجلس الوزراء بـ 3 مليارات للحالة، إلى 0.500 تريليون في 2023 بصلاحية مشتركة لرئيس الوزراء ووزير المالية وموافقة مجلس الوزراء لما زاد عن ذلك مع تقارير رقابية فصلية.
التعيينات والمناقلات: تشددت القوانين بمنع التعيين والتعاقد إلا باستثناءات محددة تشريعياً (كالتعاقد مع 37,100 شرطي في 2023 وتثبيت عقود الكهرباء في 2021)، وحصر صلاحيات المناقلة بوزير المالية والوزراء والمحافظين بنسبة لا تتجاوز 10% وبقيود تمنع المناقلة من الاستثماري إلى الجاري.
خاتمة وقراءة خاصة: "معضلة سعر الصرف" بين الحساب الدفتري والواقع النقدي
تمثل فرضية اعتماد سعر صرف 1500 دينار للدولار في مشروع 2027 حجر الزاوية الذي بُنيت عليه التوازنات الرقمية للمشروع بأكمله:
مكاسب ورقية تغطي العجز: وفر رفع سعر الصرف من 1300 إلى 1500 دينار إيراداً إضافياً "دفترياً" يقدر بـ 19.203 تريليون دينار (16.936 تريليون من النفط الخام المصدر، و2.267 تريليون من مبيعات المصافي). وهذا البند وحده هو المسؤول عن تقليص العجز الظاهري من نحو 62.2 تريليون إلى 43 تريليون دينار.
مخاطر الثبات النقدي: في حال تمسك البنك المركزي العراقي بسعر الصرف الرسمي الحالي (1300 دينار للدولار) مع بقاء حجم النفقات المقترحة (217.2 تريليون دينار)، فإن الإيرادات ستنكمش فوراً إلى 155.031 تريليون دينار، ليعود العجز المالي ليقفز إلى 62.208 تريليون دينار (28.6% من الموازنة).
ازدواجية الأثر الاقتصادي: احتساب الصرف عند 1500 لا يقتصر أثره على تعظيم الإيرادات العامة المقومة بالدينار، بل يفرض تلقائياً كلفة إضافية على الاستيرادات، ويزيد من أعباء النفقات الحكومية المقومة بالدولار (كخدمة الديون الخارجية ومستحقات جولات التراخيص)، فضلاً عن أثره المباشر على القوة الشرائية، مما يجعل ملف سعر الصرف العقدة المالية الأبرز التي تحكم مصير واستدامة هذا المشروع.