خيارات عسكرية تسبق الانتخابات.. هل يوجه ترامب ضربة جديدة لإيران؟

أربيل (كوردستان 24)- كشف مسؤولون في الإدارة الأمريكية، أن البيت الأبيض طلب من وزارة الحرب (البنتاغون) إعداد خيارات لشن ضربات عسكرية محتملة ضد أهداف إيرانية قبل موعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، المقررة في الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، على الرغم من عدم اتخاذ قرار نهائي بهذا الشأن حتى الآن.

وتأتي هذه التحركات بعد أسابيع من الهدوء النسبي والقتال المتقطع المستمر منذ نحو ثمانية أشهر، إذ توقفت الضربات الأمريكية المباشرة ضد إيران مؤخراً بالتزامن مع دخول الحملات الانتخابية مرحلتها الحاسمة. وساد اعتقاد واسع بأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يفضل الإبقاء على هذا التهدئة لتجنب تذكير الناخبين بحرب تثير استياءً شعبياً واسعاً وتلقي بظلالها السلبية على مرشحي الحزب الجمهوري في مختلف أنحاء الولايات المتحدة.

حسابات سياسية وأزمة أسعار الوقود

وفقاً لمسؤولين في الإدارة الأمريكية، فإن توجيهات البيت الأبيض تعكس رغبة ملحة لدى ترامب في خفض أسعار الوقود وإظهار تقدم ملموس في مسار النزاع قبل توجه الناخبين إلى صناديق الاقتراع. وتعمل القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم)، المسؤولة عن تنسيق العمليات العسكرية، على صياغة تلك الخيارات وتحديد حجم الأهداف المحتملة.

ويقر المدافعون عن خيار توجيه ضربات استباقية بأن العمليات المحدودة لن تجبر طهران بمفردها على الجلوس إلى طاولة المفاوضات، كما أنها لن تضمن فوراً استئناف الملاحة الآمنة في مضيق هرمز أو خفض أسعار البنزين قبل يوم الاقتراع. غير أن مؤيدي هذا التوجه يرون أن استئناف التحرك العسكري بعد فترة من التهدئة الهشة قد يمنح ترامب فرصة لإظهار الحزم والقوة، وإعلان نوع من "الانتصار" الذي يحتاجه المرشحون الجمهوريون بشدة لاستعادة الزخم السياسي، وسط آمال بأن يسهم ذلك في إعطاء انطباع بنجاح الإدارة في تطويق الأزمة وخفض الأسعار لاحقاً.

في المقابل، يرى محللون واستراتيجيون سياسيون أن هذا الطرح يحمل مخاطر عكسية جسيمة؛ إذ يرى البروفيسور ويل والدورف، أستاذ الشؤون الدولية في جامعة ويك فورست والباحث في معهد "ديفينس برايتييز"، أن التحركات العسكرية لم تنجح في خفض أسعار الطاقة، بل أدت تاريخياً إلى نتائج معاكسة تماماً، مشيراً إلى أن تصعيد النزاع لن يخدم تعبئة الناخبين لصالح الجمهوريين في ظل تراجع التأييد الشعبي للحرب.

مخاطر استراتيجية على القوات والمنطقة

تثير احتمالات استئناف العمليات مخاوف أمنية واسعة النطاق، إذ إن أي حملة عسكرية جديدة ستضع نحو 50 ألف جندي أمريكي منتشرين في المنطقة، إلى جانب حلفاء واشنطن في الخليج، في دائرة الاستهداف المباشر جراء ردود الفعل الإيرانية الانتقامية المحتملة. فضلاً عن ذلك، تحذر الدوائر العسكرية من أن استمرار العمليات يهدد باستنزاف مخزونات الذخيرة الاستراتيجية لدى القوات الأمريكية.

 

وتشير بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى أن أسعار النفط الخام شهدت ارتفاعات متكررة في كل مرة تستأنف فيها واشنطن ضرباتها عقب فترات التهدئة. ورغم أن بعض أشد مؤيدي ترامب يدعون صراحة إلى إنهاء الحرب لوقف موجات التضخم المتصاعدة، فإن التحركات العسكرية غير الحاسمة قد تدفع أسواق الطاقة إلى مزيد من الاضطراب.

وكان ترامب قد لوّح مراراً بإمكانية استئناف الضربات العسكرية بعد انتهاء الانتخابات، مهدداً في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة الشهر الماضي بـ"القضاء التام على الجمهورية الإسلامية" في حال تعثر التوصل إلى اتفاق. وأكد في تصريحات لاحقة لمجلة "تايم" أن بلاده واصلت تكديس الذخائر والمعدات خلال الأشهر الستة الماضية استعداداً لمرحلة ما بعد الاقتراع، قبل أن يشير الأسبوع الماضي إلى إمكانية حسم الحرب فور انتهاء الانتخابات أو "ربما قبلها".

خيارات البنتاغون وانقسام الحزب الجمهوري

تتضمن الخطط التي وضعتها وزارة الدفاع خيارات واسعة النطاق لما بعد الانتخابات، تتدرج من عمليات موجهة ومحدودة إلى هجمات واسعة تستهدف شل قطاع الطاقة والصناعة النفطية في إيران. والآن، انضمت القيادة المركزية إلى سباق إعداد بدائل قابلة للتطبيق قبل موعد الانتخابات.

ويرى المرشحون الجمهوريون أن استمرار النزاع وما نتج عنه من ارتفاع أسعار المحروقات يمثل العقبة الأكبر أمام احتفاظ الحزب بالأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ؛ حيث اشتكى مرشح مجلس الشيوخ عن ولاية تكساس كين باكستون للمانحين من أن أسعار البنزين والديزل أصبحت المعضلة الانتخابية الأكثر تعقيداً.

وبينما تبدي الإدارة الأمريكية ثقة في فاعلية الضغوط الاقتصادية الممارسة ضد طهران، يحذر مسؤولون من أن القيادة الإيرانية قد تماطل أشهراً إضافية قبل الدخول في محادثات جادة. ويعكس هذا المشهد غضباً في أروقة الإدارة من استعصاء النزاع على الحسم السريع، بينما يشدد مستشارو ترامب على أن استئناف المواجهة قبل الانتخابات قد يعيد الحرب إلى صدارة العناوين الإخبارية ويكلف الحزب ثمناً انتخابياً باهظاً، خاصة في حال وقوع خسائر بشرية في صفوف القوات الأمريكية.

مضيق هرمز وأزمة أسعار الطاقة

قفزت أسعار النفط العالمية بصورة حادة منذ اندلاع الحرب مع إيران، مسجلة قرابة 118 دولاراً للبرميل في الربيع، ورغم تراجعها الطفيف وتجاوزها حاجز 100 دولار الشهر الماضي، فإنها لا تزال تدور حول مستويات مرتفعة. وشهدت أسعار الوقود انخفاضاً محدوداً بداية هذا الأسبوع مدفوعة بأنباء عن زيادة تدريجية في حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز، الممر المائي الاستراتيجي الذي كان ينقل خمس إمدادات النفط العالمية قبل أن تعطل طهران الملاحة فيه خلال المراحل الأولى للحرب.

 

ولم تتوقف التوترات البحرية عند هذا الحد؛ إذ شنت إيران مطلع هذا الأسبوع هجمات استهدفت سفناً حاولت عبور المضيق، ما دفع شركات ملاحة عالمية إلى التراجع عن تسيير ناقلاتها عبر هذا المسار، وهو ما اعتبره مسؤولو البيت الأبيض رسالة سياسية موجهة مباشرة ضد الإدارة الأمريكية. ورداً على ذلك، أعلنت واشنطن عزمها السحب من الاحتياطي البترولي الاستراتيجي لزيادة المعروض والحد من غلاء الوقود، حيث يدفع المستهلك الأمريكي حالياً نحو 4.37 دولارات للغالون الواحد مقارنة بأقل من ثلاثة دولارات قبل بدء الحملة العسكرية في 28 شباط/فبراير.

المسار التفاوضي والوضع الداخلي في طهران

تتحرك الإدارة الأمريكية وفق مسارين متوازيين: مواصلة الضغوط العسكرية والاقتصادية، والإبقاء على قنوات تفاوض غير مباشرة عبر وسطاء دوليين. إلا أن الخلافات الجوهرية ما تزال تعيق إحراز تقدم بشأن شروط وقف إطلاق النار، وآليات إنهاء الحصار البحري لمضيق هرمز، وجدول إعادة فتحه بالكامل.

وتشير تقديرات استخباراتية إلى أن طهران تترقب بدورها الاستحقاق الانتخابي الأمريكي وتسعى لتوظيف عامل الوقت للضغط على ترامب، الأمر الذي انعكس في إجراءات دفاعية أمريكية منها نقل قاذفات قنابل من طراز "بي-1" من قاعدة فيرفورد الجوية البريطانية إثر تحذيرات أمنية من هجمات محتملة مرتبطة بإيران.

في غضون ذلك، ترى أوساط البيت الأبيض أن طهران تعيش أضعف مراحلها منذ بدء المواجهة، في ظل اقتصاد متداعٍ وتضخم قياسي وخلافات داخلية تعكس تباينات في إدارة المشهد السياسي والأمني بين الحرس الثوري والتيارات السياسية الأخرى. ورغم تشبث الجناح المتشدد بمواقفه الرافضة للتسوية، يراهن بعض المقربين من ترامب على اقتراب اللحظة التي تضطر فيها القيادة الإيرانية إلى تقديم تنازلات، ما يجعل خيار الضربة المسبقة مطروحاً كورقة ضغط أخيرة، رغم ما يحمله من مخاطر حقيقية بجر الحملة الانتخابية إلى قلب الحرب ونتائجها غير المحسوبة.

المصدر: صحیفة The Atlantic الامریکیة، عدد الیوم.