باحثة اقتصادية لكوردستان24: الاستدامة المالية تتطلب معالجة جذور العجز لا الاكتفاء بتعديل سعر الصرف

أربيل (كوردستان24)- أكدت الباحثة في الشأن الاقتصادي ندى طاهر أن أي توجه لتعديل سعر صرف الدينار العراقي لا يمثل "مكسباً صافياً" للموازنة العامة ولا "خسارة مطلقة" للمواطن، بل ينطوي على إعادة توزيع للأثر الاقتصادي والأعباء المالية بين الدولة والقطاع الخاص، محذرة من أن الاستدامة المالية الحقيقية لا يمكن اختزالها بتغيير الأرقام وسعر الصرف بمعزل عن حزمة إصلاحات اقتصادية شاملة.

وأوضحت ندى طاهر أنه كان من الأجدى اقتصادياً أن تسبق أي تعديل في السياسة السعرية خطوات تمهيدية مدروسة؛ تشمل إعلاناً حكومياً شفافاً يوضح مسببات التغيير ومعدلات التضخم المتوقعة، ووضع آليات واضحة لحماية الفئات الهشة وأصحاب الدخول الثابتة كالمتقاعدين، فضلاً عن تسوية أوضاع العقود والمشاريع الحكومية القائمة والمقومة بالدينار، وإتاحة فسحة زمنية كافية للأسواق لاستيعاب المتغيرات وتفادي حدوث "صدمات مباغتة".


وفصلت الباحثة الاقتصادية التداعيات بين سيناريوهين مطروحين:

الإبقاء على سعر الصرف الحالي: يحافظ على استقرار القوة الشرائية للدينار ويكبح جماح التضخم في أسعار السلع والخدمات، إلا أنه يُبقي الإيرادات النفطية المحولة إلى الدينار عند مستويات منخفضة، مما يفاقم الضغوط على تمويل النفقات العامة ويزيد من عجز الموازنة في ظل تصاعد وتيرة الإنفاق الحكومي.
اعتماد سعر (152 ألف دينار لكل 100 دولار): يمنح المالية العامة هوامش وسيولة دينارية أوسع لتغطية التزاماتها وتقليص العجز عبر زيادة العوائد الدينارية من مبيعات النفط المقومة بالدولار، لكنه في المقابل يلقي بتبعات تضخمية مباشرة على كاهل المواطنين والقطاع الخاص عبر رفع أسعار المواد الاستهلاكية والمدخلات الإنتاجية في بلد يعتمد هيكلياً على الاستيراد.

وشددت ندى طاهر على أن ارتدادات تعديل سعر الصرف تتجاوز العلاقة بين الموازنة والمواطن لتلقي بظلالها على مفاصل النشاط الاقتصادي كافة:

القطاع التجاري: يُعد المتضرر الأكبر بفعل ارتفاع تكلفة السلع المستوردة وتقلص هوامش أرباح تجار الجملة والتجزئة.
القطاعان الصناعي والزراعي: يواجهان ارتفاعاً في تكاليف الآلات والمواد الخام والأسمدة المستوردة، مقابل فرصة نسبية لتحسن تنافسية بعض المنتجات المصنعة محلياً في مواجهة المستوردات البديلة.
القطاع المالي والمصرفي: يتعرض لضغوط ناتجة عن تذبذب الطلب على النقد الأجنبي، وتأثر تقييم الموجودات والالتزامات، مما يجعل حسم الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي ركيزة للاستقرار المصرفي.
قطاع الإنشاءات والمقاولات: يشهد ارتفاعاً في الكلف التشغيلية والتنفيذية للمشاريع العامة والخاصة نتيجة اعتمادها على مواد ومعدات خارجية.
قطاع النفط: يحقق وفورات دينارية دفترية ناتجة عن فروق التصريف، دون أن يعكس ذلك نمواً حقيقياً في الطاقات الإنتاجية أو الثروة النفطية للبلاد.
واختتمت الباحثة الاقتصادية تصريحها بالتأكيد على أن المعيار الاقتصادي السليم لا يقف عند حدود التساؤل عن "حجم الإيرادات الإضافية التي ستجنيها الموازنة"، بل يمتد لقياس "الكلفة الشاملة التي سيدفعها الاقتصاد والمواطن مقابل تلك العوائد"، مشددة على أن الحل الجذري يكمن في معالجة مسببات العجز الحقيقية، وضبط وترشيد الإنفاق العام، وتنويع مصادر الدخل، والحد من الارتهان لاقتصاد الريع النفطي.