غضبان لـ"كوردستان 24": دمج قسد يسير بإيجابية.. والمرسوم الرئاسي حول حقوق الكورد تاريخي

غضبان لـ"كوردستان 24": نثمّن دور الرئيس بارزاني في احتضان اللاجئين ودعم الحوار السوري

أربيل (كوردستان24)- أكد مستشار وزير الخارجية السوري، نجيب غضبان، أن سوريا طوت مرحلة الصراع العسكري ودخلت رسمياً مرحلة إعادة الإعمار وبناء مؤسسات الدولة بعد حرب استنزاف دامت نحو 14 عاماً، كاشفاً عن تحولات جوهرية تقودها دمشق على مسارات متوازية تجمع بين استعادة السيادة الوطنية الكاملة، وتصفير الأزمات الحقوقية، وتثبيت أركان الاستقرار الأمني والاقتصادي في آن واحد.

وفي مستهل حديثه الشامل عبر شاشة تلفزيون "كوردستان 24"، ربط غضبان بين مسار التعافي الداخلي في سوريا واستقرار المحيط الإقليمي، معرباً خلال زيارته الثانية إلى أربيل—عقب مشاركته في منتدى "ميري" العام الماضي—عن تقديره لقدرة إقليم كوردستان العراق على تجاوز ارتدادات الأزمات والحروب المشتعلة في المنطقة، ومؤكداً بالوقت ذاته إدانة دمشق الصريحة للاعتداءات التي طالت الإقليم في الفترات الماضية، انطلاقاً من المصلحة السورية المباشرة في الوقف الفوري لكافة أشكال التصعيد العسكري وحماية أمن المواطنين في البلدين.

وهذا المناخ الإقليمي الضاغط لم يحل دون تحقيق دمشق تقدماً ملموساً على الصعيد الداخلي؛ إذ شدد غضبان على أن المؤشرات الأمنية الحالية في سوريا تعكس استقراراً استثنائياً قياساً بحجم الدمار الذي خلفه صراع امتد لأكثر من عقد، لافتاً إلى أن عملية إعادة هيكلة المؤسستين العسكرية والأمنية تسير بخطى حثيثة وإيجابية، لا سيما بعد المضي في دمج "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) ضمن أجهزة الدولة الرسمية؛ وهو المسار العسكري الذي توازى فوراً مع تحول سياسي وتشريعي غير مسبوق في معالجة القضية الكردية.

وفي هذا السياق، اعتبر غضبان أن الاتفاقات المبرمة مع "قسد" ترافقت مع إصدار مرسوم رئاسي تاريخي باعتراف الجميع، أرسى اعترافاً صريحاً بحقوق المكون الكوردي، وحسم نهائياً ملف تجنيس "المكتومين" الذي ظل عالقاً لعقود، مشدداً في الوقت ذاته على أن ترجمة هذا المرسوم إلى واقع ملموس تتطلب وقتاً وتنسيقاً دقيقاً بين الطرفين؛ سواء في مجال تدريس اللغة الكوردية في مناطق الكثافة السكانية، أو إدماج الكوادر الكوردية في المؤسسات والوزارات المدنية على امتداد الجغرافيا السورية ككل، دون حصرها في محافظتي الحسكة وعين العرب (كوباني).

وانطلاقاً من معالجة هذا الملف العالق، فكك مستشار الخارجية السورية الرؤية الاستراتيجية لشكل الدولة المستقبلية، مؤكداً أن دمشق تنطلق من معادلة توازن بين "المركزية القوية" و"الإدارة الرشيدة للتنوع"، ومشدداً على أن أزمة الماضي تمثلت في غياب التطبيق الحقيقي لمفهوم "المواطنة المتساوية"؛ حيث ينبغي ألا تتحدد علاقة المواطن بدولته بناءً على هويته القومية أو الدينية، بل عبر ميزان الحقوق والواجبات وتكافؤ الفرص وحكم القانون، مع كبح جماح أي خطابات عنصرية أو مذهبية متطرفة، لضمان صياغة عقد اجتماعي جامع يشمل الكورد والعرب والآشوريين والمسيحيين والمسلمين والعلويين والدروز.

ولدى مقارنة هذا المسار بالتجارب الدولية وأنظمة الحكم الفيدرالي في سويسرا وبريطانيا والعراق، بيّن غضبان أن الحالة السورية تقتضي ابتكار نموذج وطني نابع من تركيبتها الخاصة، مبرزاً التمايز الجوهري عن الحالة العراقية؛ حيث فرض التمركز الديموغرافي والجغرافي للكورد في العراق خيار الفيدرالية، بينما يفرض الانتشار الكوردي المتداخل في مختلف المحافظات السورية تبني نظام اللامركزية الإدارية وتطوير "الحكم المحلي"، بما يمنح صلاحيات خدمية وأمنية واسعة لكافة المحافظات دون تجزئة، ويحوّل التنوع من بؤرة شقاق إلى مصدر منعة وقوة.

غير أن تثبيت هذه البنية السياسية والإدارية يصطدم بتركة اقتصادية بالغة التعقيد، حيث كشف غضبان بصراحة عن حجم الكارثة التي تواجه الدولة، واصفاً التحدي الاقتصادي بأنه المعضلة الأكبر في المرحلة الحالية، في ظل بنية تحتية متهالكة، واقتصاد استنزفته العقوبات الدولية وعزلته عن المنظومة المالية العالمية، ونسب فقر قياسية تجاوزت 90% قبل عمليات التحرير، الأمر الذي يجعل من جذب الاستثمارات الخارجية، وتحريك عجلة الإنتاج، وتوحيد الأراضي والسيادة شروطاً غير قابلة للتجزئة أو التأجيل.

وتتشابك هذه الأزمة المعيشية الخانقة بصورة مباشرة مع قضية النزوح واللجوء التي طالت نصف الشعب السوري؛ إذ جدد غضبان التزام دمشق الرسمي والمعلن في مؤتمر جنيف بتسهيل عودة كافة اللاجئين من دول الجوار والعالم، بيد أنه قيد هذا الالتزام بمعايير "العودة الطوعية والآمنة والكريمة"، رافضاً في هذا الإطار الطروحات الأوروبية المجتزأة التي تقتصر على رغبة ترحيل فئات بعينها كالمحكومين قضائياً أو العاطلين عن العمل، وداعياً تلك الدول إلى تحويل جهودها نحو الاستثمار في إعادة تأهيل البنية التحتية والخدمات الأساسية من مياه وكهرباء ومدارس ومستشفيات، تفادياً لتحول اللاجئ العائد إلى نازح داخلي في بلاده من جديد.

وعلى الرغم من قسوة هذه الظروف، نوه غضبان بنجاح دمشق—باعتراف مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين—في استعادة قرابة 1.6 مليون لاجئ حتى الآن، بالتزامن مع وضع خطة حكومية استراتيجية تهدف إلى طي صفحة مخيمات النزوح الداخلي نهائياً وإعلان سوريا "بلداً خالياً من الخيام" مع نهاية العام الحالي، وهي المعايير والخدمات التي تسعى دمشق لتوفيرها لعودة اللاجئين السوريين المقيمين في العراق وإقليم كوردستان، والذين يعيش قطاع واسع منهم ظروفاً إنسانية حرجة تتطلب تأمين منازلهم المدمرة قبل عودتهم.

وقد شكل هذا الملف الإنساني جسراً أساسياً لتعميق وتطوير العلاقات الدبلوماسية مع أربيل، حيث ثمّن غضبان عالياً الدور التاريخي للرئيس مسعود بارزاني وقيادة إقليم كوردستان في احتضان مئات الآلاف من اللاجئين السوريين إبان سنوات المحنة، ودعم مسارات الحوار الوطني السوري واحتضان المعارضة السياسية ممثلة بـ "المجلس الوطني الكردي"، مشيراً إلى أن العلاقات الثنائية انتقلت اليوم إلى مرحلة استراتيجية جديدة دشنها التحول الدبلوماسي الكبير الذي أحدثته الزيارة التاريخية لرئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني إلى دمشق، وما فتحته من آفاق للتعاون الأمني، والاقتصادي، ومكافحة الإرهاب والتطرف.

وتتويجاً لهذا التقارب المتسارع، أعلن مستشار الخارجية السورية عن التوصل إلى اتفاق مبدئي رسمي لافتتاح قنصلية عامة للجمهورية العربية السورية في مدينة أربيل، بانتظار استكمال بعض الترتيبات الفنية والتنفيذية الأخيرة لبدء عملها؛ وهي الخطوة التي تضعها دمشق ضمن أولوياتها القنصلية العالمية لرعاية مصالح الجالية السورية العريضة، وتسهيل حركة رجال الأعمال والاستثمارات المشتركة بين الجانبين.

ولم تقف دمشق عند حدود التقارب السياسي والدبلوماسي، بل وضعت ملف المعابر الحدودية وتنشيط التجارة الإقليمية على رأس جدول أعمالها الاستراتيجي، مستندة إلى موقع سوريا الحيوي كحلقة وصل جغرافية بالغة الأهمية؛ حيث استشهد غضبان بالتوسعة الكبيرة التي أنجزها الطرف السوري في المعابر الرابطة مع الأردن، مؤكداً وجود إرادة صلبة لتكرار النموذج ذاته مع العراق والإقليم، لتسهيل انسياب البضائع وتنقل الأفراد، وترسيخ الاستقرار الإقليمي عبر بوابات الاقتصاد والتجارة البينية.

وفي ختام حديثه، نزع غضبان فتيل القلق بشأن المستقبل الأكاديمي والمهني لآلاف الطلبة السوريين الدارسين في جامعات إقليم كوردستان، مؤكداً عدم وجود أي عقبة مبدئية تعترض الاعتراف بشهاداتهم ومؤهلاتهم، وموضحاً أن لجنة المعادلات في وزارة التعليم العالي السورية تتبنى توجهاً واضحاً ومرناً لمعادلة واعتماد كافة الشهادات الصادرة عن الجامعات المعترف بها دولياً في الإقليم، على غرار المعايير المطبقة مع خريجي الجامعات في تركيا وألمانيا؛ بما يضمن استيعاب هذه الكفاءات الوطنية ضمن ورشة إعادة الإعمار، ومجدداً حرص دمشق على استمرار هذا التواصل الإيجابي وتطويره بشكل دائم ومثمر بين الشعبين.