باكرهان لـ "كوردستان 24": نقترب من نهاية المرحلة الأولى لعملية السلام.. والحل في تركيا يرسخ الاستقرار الإقليمي
أربيل 0كوردستان24)- أكد الرئيس المشترك لحزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM Party)، تونجر باكرهان، أن منطقة الشرق الأوسط تمر بمنعطف سياسي وأمني حاسم يستدعي إعادة صياغة المعادلات الإقليمية على أسس ديمقراطية عادلة تضمن حقوق الشعب الكوردي وكافة المكونات، مشدداً على أن مسار السلام والحل في تركيا يمر بمرحلة مفصلية تتطلب خطوات شجاعة وتهيئة أرضية قانونية ودستورية شاملة، ومثمناً في الوقت ذاته الدور التاريخي والبنّاء لقيادة إقليم كوردستان في دعم الاستقرار ومراقبة مسارات نزع السلاح.
وجاءت تصريحات باكرهان خلال مقابلة خاصة أجرتها معه "كوردستان 24" في أربيل، على هامش مشاركته في أعمال "منتدى ميري" الحواري، حيث أوضح أن التحولات المتسارعة التي تشهدها الساحة لا تنعكس على تركيا وسوريا فحسب، بل تمس بصورة مباشرة الوجود الكوردي ومستقبل التوازنات في عموم المنطقة، مبيناً أن الحوارات الجارية في أربيل تبرهن على القيمة الفائقة للسلام وتفضح في المقابل ما آلت إليه أوضاع الشرق الأوسط جراء قرن كامل من سياسات الإنكار والإلغاء والتهميش؛ وهو ما يفرض في هذا القرن الجديد طرح أسئلة مصيرية حول طبيعة مكانة الكورد في العراق، والأسس التي يجب أن يُبنى عليها الحل في تركيا، ومسارات التحول في إيران، لضمان أن يعيش الشعب الكوردي وسائر الشعوب بحرية وكرامة فوق أرضية ديمقراطية راسخة.
وفي معرض تشخيصه للداخل التركي، وصف باكرهان مسار السلام بأنه خطوة تاريخية غير مسبوقة لنقل قضية استمر إنكارها لمئة عام إلى طاولة المفاوضات وتحت قبة البرلمان، كاشفاً عن إجراء الدولة لقاءات مع السيد عبد الله أوجلان، وتشكيل لجنة برلمانية مختصة أعدت تقريراً يتضمن عناوين بالغة الأهمية تشمل خطوات التحول الديمقراطي إلى جانب آليات الحل؛ ومع إقراره بأن ما تحقق خلال العامين الماضيين يمثل تقدماً جيداً، إلا أنه نبّه إلى أنه لا يزال غير كافٍ وتنقصه السرعة المطلوبة، مؤكداً عزم حزبه على مواصلة بذل أقصى الجهود برلمانياً وميدانياً وفي مختلف أرجاء تركيا لتسريع الخطى وإنجاح المسار.
وارتباطاً بهذه الجهود، أشاد باكرهان بالثقل الاستراتيجي الذي يمثله إقليم كوردستان وعاصمته أربيل كشريك أساسي في مساعي الحل، موجهاً شكره لرئيس الإقليم السيد نيجيرفان بارزاني، وللقوى السياسية والمؤسسات الإعلامية، لدورهم الإيجابي والبنّاء؛ ولفت إلى أن تواجد مقاتلي حزب العمال الكوردستاني فوق جغرافيا الإقليم يمنح قيادته موقعاً مؤهلاً للإشراف على مسار نزع السلاح، وضمان العودة الآمنة للمواطنين إلى ديارهم، وحث حكومة بغداد على المساهمة الإيجابية، بما ينقل المناطق الحدودية في إقليم كوردستان من واقع المظاهر العسكرية إلى فضاءات الدبلوماسية.
ولم يفصل باكرهان هذا الدور عن المكانة التاريخية للرئيس مسعود بارزاني، مثمناً جهوده المحورية في رعاية خطوات السلام منذ انطلاقتها الأولى، ومؤكداً أن القادة الكورد يحظون بتقدير رفيع لدى شعبٍ يبلغ تعداده ما بين 50 إلى 60 مليون نسمة تجمعه لغة وثقافة واحدة ومصير مشترك؛ حيث تتماثل أربيل والسليمانية مع آمد، مثلما تتماثل القامشلي مع مهاباد وأورمية، وأي ألم يصيب كوردياً في أي بقعة يتردد صداه في مدن سيرت وباتمان كما في مدن الإقليم. وفي هذا السياق، كشف باكرهان أن السيد عبد الله أوجلان حمّل وفد الحزب خلال زيارته الأخيرة لسجن إمرالي تحياته الخاصة إلى القادة: الرئيس مسعود بارزاني، ونيجيرفان بارزاني، ومسرور بارزاني، وبافل طالباني، وقباد طالباني، وإلى كافة الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني في إقليم كوردستان.
وعلى الصعيد الإجرائي للمسار، فصّل باكرهان معالم خريطة الطريق، موضحاً أن العملية تقترب من استكمال مرحلتها الأولى للعبور إلى المرحلة الثانية المخصصة لمناقشة الحقوق والحريات الديمقراطية للشعب الكوردي وصياغة دستور ديمقراطي بعد إسكات لغة البنادق، مشترطاً قبل طي المرحلة الأولى حسم المكانة والصفة القانونية للسيد أوجلان ودوره كصاحب مبادرة، إلى جانب التزام السلطات التركية بتنقية المناخ الديمقراطي عبر إلغاء نظام الأوصياء (القيّومين)، وإعادة رؤساء البلديات المنتخبين لمواقعهم، والإفراج العاجل عن المعتقلين السياسيين، وتأمين عودة المغتربين والمهجرين من أربيل والسليمانية ومختلف عواصم اللجوء، مشيراً إلى أن حسم هذا الصراع سيوقف هدر ميزانية الدولة في الحروب والدموع، لتُوجّه الأموال نحو التنمية والخدمات وفرص العمل في شمال كوردستان وعموم المحافظات التركية.
واستناداً إلى مسيرته النضالية الممتدة لـ 35 عاماً، أعرب باكرهان عن تفاؤله العميق بإمكانية بلوغ الحل، مشدداً على أن ممارسات التسعينيات والقمع والاغتيالات وسلب الحريات أثبتت عقمها أمام إرادة 25 مليون كوردي في تركيا، مبيناً أن مطالب شعبهم عادلة وتتمثل في حرية التعلم باللغة الأم، وإنهاء التمييز، والعدالة في توزيع مقدرات البلاد على مدن مثل سيرت وموش وباتمان؛ ومعلقاً على شكوك حزب العمال الكوردستاني في جدية أنقرة، أوضح أن الحزب طرف رئيس ومن حقه التعبير عن هواجسه، إلا أن "دَم بارتي" -بوصفه القوة السياسية الثالثة في البرلمان ويستند لقاعدة جماهيرية واسعة من قوى التغيير والنساء والشباب- يرفض اليأس، وسيدير عمليتي الحوار والنضال الديمقراطي بالتوازي لسحب النظام إلى مربع السلام وتبديد الشكوك، مستنداً إلى رؤية أوجلان ونموذجه الفكري (البارادايم) الهادف لضمان عيش حر ومتساوٍ لجميع مواطني تركيا البالغ عددهم 86 مليون نسمة.
وتعزيزاً للمؤشرات العملية للسلام، أشار باكرهان إلى التصريحات الأخيرة للقيادي في حزب العمال الكوردستاني مراد قره يلان بشأن سحب قوات الحزب من داخل الأراضي التركية، واصفاً إياها بالخطوة المفصلية المعبرة عن صدق النوايا استجابةً لنداء أوجلان، وداعياً أنقرة للرد بالمثل وتوفير الضمانات التشريعية؛ إذ إن إرساء الغطاء الدستوري والقانوني سيُفقد الكفاح المسلح مبرراته تلقائياً ويفتح الباب أمام المقاتلين للعودة إلى ديارهم والانخراط في الحياة السياسية والمدنية.
وفي موازاة الملف التركي، شدد باكرهان على أن قضية غرب كوردستان (روجآفا) والشأن السوري تمثلان عمقاً وجدانياً وسياسياً لا يتجزأ، حيث يتألم الكورد لأي انتكاسة تصيب إخوانهم هناك تماماً كما يتألمون لمشاهد الإعدام بحق الكورد في إيران؛ داعياً تركيا إلى انتهاج سياسة إيجابية وبنّاءة في سوريا وغرب كوردستان، واحترام حق الكورد في التعليم بلغتهم الأم التي تعد مقدسة لديهم كما اللغة العربية لدى العرب، ومؤكداً أن الاعتراف بهذه الحقوق يمثل الاختبار الحقيقي لسوريا الجديدة، في حين أدان التوترات الأخيرة التي شهدتها مدينة الحسكة، مطالباً دمشق والمجتمع الدولي بلجم المجموعات المناهضة للكورد لقطع الطريق أمام تأزيم المنطقة.
واختتم الرئيس المشترك لحزب المساواة وديمقراطية الشعوب حديثه بالتأكيد على أن المؤشرات السياسية تعكس تصاعداً كبيراً في شعبية حزبه واتساعاً في رقعة مؤيديه؛ إذ أسهم انحسار لغة الصراع المسلح وبروز الأفق الديمقراطي في كسر الحواجز واستقطاب فئات جديدة، معرباً عن ثقته التامة في مضاعفة الحزب لحضوره النيابي وزيادة عدد البلديات التي يديرها في أي استحقاق انتخابي مقبل.