معضلة ما بعد التحالف: هل تكفي الجاهزية الميدانية لاحتواء فوضى السلاح وتحديات سنجار؟

أربيل (كوردستان24)- شهد "منتدى ميري" في أربيل مواجهة فكرية وأمنية عكست تبايناً صريحاً في قراءة التحديات الراهنة بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كوردستان؛ فبينما دقّ وزير داخلية الإقليم، ريبر أحمد، ناقوس الخطر محذراً من أن تنظيم "داعش" بات اليوم أكثر شراسة وقوة مما كان عليه قبيل عام 2014، ومعتبراً أن التوجه لإنهاء مهام التحالف الدولي تحركه حسابات سياسية تهدد الأمن القومي، بدا مستشار الأمن القومي العراقي، قاسم الأعرجي، أكثر طمأنة وتفاؤلاً، إذ أكد الجاهزية العالية للقوات المسلحة لتسلم كامل زمام المبادرة الميدانية، والتحرك بخطى واثقة نحو ترسيخ "الحياد الإيجابي" وتوحيد سلطة القرار العسكري في البلاد.

هذا التباين الجذري تجلى بأوضح صوره عند تشريح مستقبل الوجود العسكري الأجنبي وتقييم خطر الإرهاب؛ إذ رأى ريبر أحمد أن المؤسسات الأمنية والعسكرية ما تزال في أمسّ الحاجة للدعم الاستخباري والتسليح والتدريب المشترك لمواجهة شبكات الجريمة وتجارة المخدرات وخلايا الإرهاب النائمة، محذراً من التسرع في قطع الجسور، وداعياً إلى الاستعاضة عن الانسحاب الكلي بإبرام معاهدات أمنية ثنائية مع واشنطن والعواصم الأوروبية لضمان استمرار الدعم الفني وربط أمن العراق بمنظومة الاستقرار الدولي.

في المقابل، وازن الأعرجي هذه التحذيرات بالتشديد على أن إنهاء مهام التحالف يمثل استحقاقاً دستورياً واستراتيجياً حتمياً أقرته اتفاقية الإطار الاستراتيجي لعام 2011، مشيراً إلى أن اللجان المختصة ومجلس وكلاء الأمن أعدوا خططاً محكمة لمنع حدوث أي فراغ أمني. ورغم هذا الموقف الحازم، لم يُخفِ الأعرجي وجود ثغرة تقنية حقيقية في مجالات الاستطلاع والرصد الجوي المتقدم في المناطق النائية، كاشفاً عن تحركات حكومية ودراسات تسليحية لسدها ذاتياً، مع الإبقاء على التعاون الاستشاري مع حلف "الناتو"، فضلاً عن مواصلة بغداد تحمّل العبء الأكبر دولياً عبر احتجاز ومحاكمة أكثر من خمسة آلاف إرهابي من "داعش" نُقلوا من سوريا، والمطالبة بصندوق دولي لدعم هذا المسار القضائي المعقد.

ولم تقف حدود التباين عند مظلة التحالف الدولي، بل امتدت لتلامس جغرافية الأرض وتحديداً في قضاء سنجار، الذي تحول إلى مرآة عاكسة لصراع الإرادات بين سلطة الدولة والجماعات المسلحة؛ فمن جهته، وجّه وزير داخلية الإقليم انتقادات حادة لتعثر تطبيق اتفاقية سنجار المبرمة عام 2020، مؤكداً أن النوايا الإيجابية والقرارات الصادرة عن رؤساء الوزراء المتعاقبين بما فيهم محمد شياع السوداني تصطدم بجدار من الهيمنة الميدانية لفصائل مسلحة خارجة عن القانون وتشكيلات تابعة لحزب العمال الكوردستاني، ما يعرقل عودة الإيزيديين ويحدث تغييراً ديمغرافياً خطيراً، ومشدداً على أن الحل الوحيد يكمن في تطبيق الاتفاق بحذافيره عبر تسليم الأمن للشرطة المحلية بتطويع 2500 عنصر من أبناء القضاء وإخراج المسلحين كافة، مع الدفع نحو لجنة ثلاثية تضم بغداد وأربيل وأنقرة لإنهاء التهديدات الحدودية.

وعلى النقيض من هذه النظرة التي ترى المسار مسدوداً، طرح الأعرجي مقاربة قائمة على الاحتواء والحلول السلمية التدريجية، كاشفاً عن اقتراب حسم الملف من خلال نزع السلاح ودمج المقاتلين في المؤسسات الأمنية النظامية، حيث تم استيعاب نحو 1500 مقاتل و500 امرأة إيزيدية ضمن الشرطة المجتمعية، ومؤكداً رفض عسكرة القضاء لصالح اختيار قائممقام مدني مستقل، بالتوازي مع تفاهمات ثنائية مع تركيا للانسحاب العسكري من الأراضي العراقية بدءاً من معسكر بعشيقة، تزامناً مع إجراءات بغداد الصارمة بحظر أنشطة حزب العمال الكوردستاني.

وتقود تعقيدات سنجار والانسحاب المرتقب للتحالف تلقائياً إلى الملف الأكثر حساسية على الساحة الداخلية، والمتمثل في معركة استعادة هيبة الدولة وإنهاء فوضى السلاح؛ حيث وضع ريبر أحمد الحكومة الاتحادية أمام اختبار تاريخي، مؤكداً أن غياب المظلة الدولية يفرض على بغداد واجب حصر السلاح بيد المؤسسات الدستورية وإنهاء السلاح المنفلت، معتبراً أن الالتزام ببنود الدستور دون اجتزاء واحترام مبادئ الشراكة والتوافق التي يتبناها الرئيس مسعود بارزاني يمثلان صمام الأمان الحقيقي، لا سيما وأن قوات البيشمركة أثبتت كونها ركيزة مكملة للمنظومة الدفاعية الوطنية كما حدث إبان معارك الموصل، ومشيداً في الوقت ذاته بمستوى التنسيق القضائي والتنفيذي الراهن مع حكومة السوداني في ملاحقة الفاسدين واسترداد الأموال المنهوبة.

ومن جانبه، تلاقى الأعرجي مع هذا المبدأ، مؤكداً أن حكومته تمضي بلا تردد نحو إنهاء ظاهرة تشظي السلاح وترسيخ وحدة القرار الأمني تحت سلطة القانون، مستندة إلى إرادة سياسية حازمة لمنع انزلاق البلاد نحو صراعات الفصائل.

وبعيداً عن الترتيبات الداخلية، التقى المسؤولان في نهاية المطاف عند ضرورة ضبط بوصلة السياسة الخارجية انطلاقاً من حماية السيادة الوطنية؛ إذ شدد الأعرجي على أن الدستور يكرس نهج "الحياد الإيجابي"، واصفاً العراق بالدولة الوحيدة المحايدة في الشرق الأوسط التي ترفض سياسة المحاور ولا تملك أذرعاً مسلحة خارج حدودها، بل تسعى لتحويل التحديات الجيوسياسية إلى شراكات استثمارية تعتمد على استقرارها ومكانتها كمورد عالمي رئيس للطاقة بتصدير يتجاوز ثلاثة ملايين برميل نفط يومياً. وهي رؤية تتكامل مع ما اختتم به ريبر أحمد مداخلته، حين حذر من استنساخ أخطاء الماضي بمخاطبة الداخل عبر بوابات الخارج، مؤكداً أن الحصانة الحقيقية للدولة والشرط الأساسي لامتلاك سياسة خارجية قوية ومهابة، ينبعان أولاً وأخيراً من إرساء تفاهمات صلبة بين بغداد وأربيل واحترام جميع المكونات، لتخاطب بغداد العالم الخارجي كدولة موحدة، ذات سيادة كاملة وقرار وطني مستقل.