عزيز أحمد: مشاريع التشكيلة التاسعة نقلت كوردستان إلى مرحلة الاستقرار الخدمي والمصرفي
عزيز أحمد: "حسابي" يتجاوز سحب الرواتب نحو بناء منظومة مصرفية متكاملة
أربيل (كوردستان24)- في حوار خاص وشامل، استعرض نائب مدير مكتب رئيس وزراء إقليم كوردستان، عزيز أحمد، تفاصيل المشهد الخدمي والمالي في الإقليم، مجيباً بدقة وشفافية عن التساؤلات والملفات الأكثر إثارة للاهتمام والجدل في الشارع الكردستاني، وفي مقدمتها مشروعا "روناكي" لتأمين الطاقة الكهربائية على مدار الساعة ومبادرة "حسابي" (هەژماری من) للشمول المالي والتحول الرقمي؛ بهدف دحض الشائعات ووضع الحقائق كاملة أمام الرأي العام.
واستهل عزيز أحمد حديثه بفتح ملف قطاع الكهرباء الشائك، مؤكداً أن عملية توليد وإنتاج الطاقة في الإقليم، كما هو الحال في جميع بلدان العالم، تخضع لعمليات فنية معقدة ونفقات مالية ضخمة لا تقتصر على ضغطة زر كما يتصور البعض، حيث كشف أن التكلفة التشغيلية للقطاع تتجاوز شهرياً 200 مليون دولار، وهو ما يعادل محلياً ما بين 300 إلى 350 مليار دينار عراقي في ظل تقلبات أسعار الصرف والقرارات المالية الاتحادية في بغداد، في حين لا يتعدى متوسط الإيرادات الشهرية المتحققة عبر مشروع "روناكي" حاجز الـ 80 مليون دولار، ما يضع الحكومة أمام عجز شهري مباشر يتجاوز 120 مليون دولار.
وانطلاقاً من هذا الفارق التمويلي الكبير، شدد نائب مدير مكتب رئيس الوزراء على أن حكومة الإقليم تواصل تحمّل هذا العبء انطلاقاً من التزامها بدعم المواطنين، موضحاً أن مجلس الوزراء في التشكيلة التاسعة أقرّ الاستمرار في تقديم دعم حكومي سخي يتراوح بين 80 إلى 85% لقطاع المنازل والقطاع الزراعي، ومؤكداً أن هذا الدعم مستمر وثابت ويهدف بالدرجة الأولى إلى حماية العائلات ذات الدخل المحدود والمستهلكين الذين يرشدون استهلاكهم، إذ يقوم جوهر نظام "روناكي" على العدالة النسبية؛ فكلما قلّ استهلاك المنزل للطاقة، انخفضت قيمة الفاتورة الشهرية تلقائياً.
ولم يكن القطاع الزراعي بمنأى عن هذه التسهيلات الاستراتيجية؛ حيث أكد أحمد أن وزارة الكهرباء تواصل تقديم دعم بنسبة 50% لتعرفة الكهرباء الخاصة بالمشتركين الزراعيين، لتتحمل الحكومة نصف قيمة استهلاكهم الفعلي، علاوة على تخصيص أدنى وأرخص تسعيرة للوحدة الكهربائية في عموم الإقليم لهذا القطاع، بهدف خفض تكاليف تشغيل آبار المياه والمعدات الزراعية الإلكترونية في المزارع والبساتين، بما يضمن استقرار الطاقة على مدار 24 ساعة لرفع الإنتاجية الزراعية وتطوير البنية التحتية للإقليم دون إرهاق كاهل الفلاحين.
وفي معرض رده على الانتقادات والشكاوى الفردية التي رافقت المراحل الأولى للمشروع، أوضح أحمد أن قطاع الكهرباء يضم نحو مليوني مشترك يتوزعون بين منازل ومصالح تجارية ومصانع ومشاريع زراعية ومؤسسات حكومية، ومن الطبيعي جداً مع انطلاق أي مشروع خدمي حديث بوجود تراكمات قديمة أن تظهر أخطاء أو مراجعات لدى 10 آلاف أو حتى 100 ألف مشترك، مشيراً إلى أن المعيار الحقيقي لنجاح الحكومة يكمن في ابتكار قنوات تواصل وتنسيق سريعة لمعالجة أي خلل فني أو تصحيح أي فاتورة غير دقيقة، مؤكداً أن هذه الحالات المحدودة لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تُتخذ ذريعة للتشكيك في المشروع برمته.
وعند المقارنة الجغرافية والزمنية لمستوى الخدمة، بيّن أحمد أن حكومة الإقليم تسابق الوقت مع تبقي شهرين فقط على نهاية العام الجاري لإعلان اكتمال مشروع "روناكي" وتغطية كافة مناطق كوردستان بالكهرباء المستمرة على مدار 24 ساعة، معتبراً هذا الإنجاز قفزة نوعية تسجل لإدارة التشكيلة الوزارية التاسعة ولرئيس حكومة الإقليم مسرور بارزاني، لاسيما عند مقارنة هذا الاستقرار بالواقع المأساوي وشبه المنعدم لمنظومة الكهرباء في باقي مناطق العراق الاتحادية التي تواجه احتمالات تفاقم أزمتها مستقبلاً.
واتصالاً بإنهاء التراكمات المالية السابقة، كشف أحمد عن أن حجم الديون القديمة المترتبة بذمة المواطنين لما قبل انطلاق "روناكي" بلغ نحو ترليوني دينار عراقي (قرابة 1.5 مليار دولار)، معلناً أن أكثر من نصف مليون مشترك (500 ألف مواطن) بادروا بالفعل إلى تصفير ديونهم مستفيدين من قرار الخصم الحكومي البالغ 50%، والذي ينتهي العمل به في الثامن عشر من شهر تشرين الأول الجاري، مع الإشارة إلى أن قرابة نصف المدينين المتبقين لا تتجاوز ديونهم 200 ألف دينار، وفي حال تخلفهم عن السداد، سيتولى النظام الرقمي أوتوماتيكياً تقسيط مبالغهم المخفضة على مدار 24 شهراً وبحد أدنى يبلغ 20 ألف دينار شهرياً تضاف للقائمة الدورية تجنباً لإثقال ميزانياتهم الأسرية.
ولدحض محاولات التضليل والتشكيك في عدالة التعرفة، استند أحمد إلى الأرقام المستخلصة من العدادات الذكية والمنظومة الرقمية، مؤكداً أن 80% من مواطني الإقليم يدفعون حالياً مبالغ أقل مما كانوا يدفعونه في السابق عند جمع فواتير الكهرباء الحكومية مع اشتراكات المولدات الأهلية، في حين تنحصر نسبة الـ 20% التي ارتفعت فواتيرها في كبار المستهلكين وأصحاب الفلل الفارهة والقصور والمزارع الكبرى، مستشهداً بحالات التراكم الناتجة عن إهمال دفع الفواتير لسنوات طويلة قد تصل لـ 15 عاماً في بعض المصالح، حيث تعاملت الحكومة معها بتصفير الماضي وجدولة المتأخرات على 24 إلى 36 شهراً بعد شطب نصف قيمتها.
وعن خطط الاستعداد لذروة الاستهلاك في الشتاء المقبل لتفادي ما حدث الصيف الماضي، أقر أحمد بحدوث انقطاعات في بعض مناطق محافظتي أربيل ودهوك نتيجة الارتفاع القياسي في درجات الحرارة والأحمال العالية، كاشفاً أن إدارة المشروع ستعرض على مجلس الوزراء خلال أسبوعين حزمة مقترحات متكاملة تهدف إلى تعويض المتضررين وتقديم دعم وحصص كهربائية إضافية للمنازل بما يضمن استقرار التجهيز وتخفيف الأعباء المعيشية خلال موسم البرد.
وفي سياق متصل بالتحول نحو الرقمنة الشاملة، انتقل أحمد لتسليط الضوء على منجزات مشروع "حسابي" (هەژماری من)، معلناً بفخر نجاح المنظومة في تحويل أكثر من مليون موظف ومتقاعد ومستفيد من رواتب القطاع العام إلى النظام المصرفي الإلكتروني شهرياً، ولم يتبقَ سوى فئات محدودة تتراوح بين 25 إلى 50 ألف شخص غالبيتهم من المتقاعدين أو المقيمين خارج الإقليم، وهو ما طوى نهائياً المشاهد المأساوية القديمة لطوابير الانتظار الطويلة تحت وطأة الشمس الحارقة صيفاً أو البرد القارس شتاءً، ومنح المواطنين استقلالية مالية وبطاقات دفع إلكتروني معترفاً بها.
ورداً على الملاحظات الميدانية المتعلقة بضغط السحب النقدي، أكد أحمد نشر أكثر من 750 جهاز صراف آلي (ATM) حتى الآن في مختلف الأقضية والنواحي، مع مواصلة العمل لنشر 250 جهازاً إضافياً للوصول إلى المستهدف الإجمالي البالغ ألف جهاز صراف آلي، مبيناً أن أي عطل تقني طارئ في ماكينة صراف تقع في قرية أو بلدة نائية يتم تداركه فوراً من الفرق الفنية المختصة، ولا يجوز تحويل تلك الأعطال العابرة إلى قضايا رأي عام تحجب نجاح تجربة مليون موظف ومتقاعد يستلمون رواتبهم بكل سلاسة ويسر.
وحول الرؤية المستقبلية للمشروع المصرفي، شدد أحمد على أن "حسابي" لا يستهدف توفير بطاقات لسحب الرواتب نقداً فقط، بل أرسى بنية تحتية مصرفية حقيقية توفر للمواطن مزايا الشمول المالي، من ادخار، وطلب قروض مصرفية، وإجراء تحويلات ودفع الفواتير آلياً، مبيناً أن الخطوة المقبلة ستركز على التوسع المكثف في نشر أجهزة نقاط البيع الإلكترونية (POS) في الأسواق والمطاعم والمتاجر والفنادق لدفع المجتمع نحو ثقافة الاقتصاد غير النقدي (الكاشلس) بالتدريج.
واختتم نائب مدير مكتب رئيس الوزراء توضيحاته بتبديد مخاوف من لا يملكون حسابات مصرفية بخصوص دفع أجور الكهرباء، موضحاً أن نظام الفاتورة الإلكترونية (e-Psûle) لا يشترط امتلاك حساب بنكي رسمي، بل يمكن السداد بسهولة عبر المحافظ الرقمية المعتمدة (E-Wallets) أو عبر مراكز الخدمات والمكاتب الميدانية المنتشرة في كل مكان، لافتاً إلى أن أكثر من 92% من مشتركي الإقليم يدفعون فواتيرهم اليوم رقمياً بمرونة وسهولة، مع مواصلة الجهود لتوفير أقصى درجات التسهيل لما تبقى من المواطنين لترسيخ هذا التحول الحضاري كجزء لا يتجزأ من التنمية المستدامة في إقليم كوردستان.