معركة مضيق هرمز.. استراتيجيات بديلة وتكاليف قياسية لتأمين إمدادات الطاقة العالمية
أربيل (كوردستان 24)- أظهرت بيانات ومصادر ملاحية، أن الأسبوعين الماضيين شهدا تسجيل أعلى معدل للهجمات ضد حركة الشحن التجاري في مضيق هرمز منذ اندلاع المواجهة العسكرية بين إسرائيل والولايات المتحدة وإيران في 28 شباط/فبراير الماضي؛ في تطور يناقض التقديرات الأولية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي افترض أن الحرب ستكون قصيرة الأمد على غرار الضربات الجوية التي وُجهت لإيران في تموز/يوليو 2025 أو العمليات العسكرية ضد فنزويلا.
وسرعان ما أدركت طهران أن الورقة الأكثر فاعلية للرد على الضغوط الأمريكية تتمثل في استهداف خطوط الملاحة الدولية والتجارة العالمية؛ حيث تبنّت تكتيكات مماثلة لتلك التي اعتمدها الحوثيون في البحر الأحمر خلال السنوات الماضية عبر إطلاق الطائرات المسيّرة، والزوارق الحربية غير المأهولة، والصواريخ المجنحة والباليستية، إلى جانب اللجوء إلى زرع الألغام البحرية، وهو ما شكّل متغيراً نوعياً إضافياً في مسار المواجهة.
وقبل اندلاع النزاع، كانت صادرات النفط الخام المارة عبر المضيق تقارب 20 مليون برميل يومياً، إلا أن هذا الحجم تراجع بصورة دراماتيكية مع اندلاع العمليات. ورغم نجاح خطوط الأنابيب البديلة عبر الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية في تأمين منفذ لنحو 5 إلى 6 ملايين برميل يومياً، بقي فتح المضيق ضرورة حتمية لتعويض الفارق الكبير. وأدى تعطيل الحركة لعدة أشهر إلى احتجاز نحو ملياري برميل من النفط الخام داخل الخليج، ما تسبب في استنزاف حاد للاحتياطيات النفطية العائمة وتلك المخزنة على اليابسة.
وفي مواجهة هذا الواقع، استدعت الإدارة الأمريكية في آذار/مارس الماضي ضباط احتياط من برنامج "ضباط النقل البحري الاستراتيجي"، وهم كوادر من البحارة التجاريين المؤهلين العاملين كضباط احتياط في البحرية الأمريكية، لتنظيم قوافل ملاحية مؤمنة والتنسيق مع القوات الأمريكية لتوفير غطاء جوي ومسارات اتصال مشفرة للسفن العابرة. وساهمت هذه الإجراءات، بحلول أيار/مايو، في رفع معدلات التصدير لتتراوح بين 50 و75 في المئة من المستويات المسجلة قبل الحرب.
وتعتمد عمليات التصدير الحالية على مسارين رئيسيين:
يتمثل المسار الأول في شبكة الرحلات المكوكية التي دشنتها شركات الشحن الحكومية في دول الخليج، ومنها "البحري" السعودية، و"أدنوك" الإماراتية، و"ناقلات النفط الكويتية"؛ حيث تؤمن هذه الشركات عمليات النقل بين موانئ الخليج وخليج عُمان بدعم وضمانات حكومية لتغطية تأمينات مخاطر الحرب وتأمين الممرات البحرية. وتتحرك هذه الناقلات بالتنسيق مع القيادة المركزية الأمريكية تحت جنح الظلام وبأدنى مستوى من الانبعاثات اللاسلكية والإلكترونية بمحاذاة الساحل الجنوبي للمضيق، لتلتقي بناقلات فارغة في خليج عُمان وتجري عمليات تفريغ الحمولات من سفينة إلى أخرى عبر تقنية (STS)، في مهمة تستغرق قرابة خمسة أيام قبل العودة مجدداً إلى موانئ الخليج.
أما المسار الثاني، فيعتمد على استئجار ناقلات تابعة لشركات ملاحة عالمية مستقلة مثل "ديناكوم" و"سينوكور"، مقابل رسوم تأجير استثنائية لتعويض المخاطر الباهظة. ووصلت تكلفة استئجار الناقلة العملاقة (VLCC) المخصصة لشحن مليوني برميل إلى آسيا لنحو 1.4 مليون دولار يومياً، أي ما يعادل 30 مليون دولار لرحلة تستغرق 21 يوماً. وبالتوازي مع ذلك، يتلقى أفراد الطواقم البحرية بدلات خطر تضاعف أجورهم الاعتيادية، إضافة إلى مكافأة تعادل راتب ثلاثة أشهر لكل رحلة، وهو ما أضاف ما يصل إلى 30 دولاراً إضافياً على تكلفة كل برميل نفط، ليفرض منطق السوق فتح الممر المائي رغم التهديدات المستمرة.
ورغم تكثيف طهران هجماتها منذ أواخر أيلول/سبتمبر بصورة شبه يومية، تشير بيانات مركز المعلومات البحرية المشترك إلى أن القوات الأمريكية تواصل تسهيل عبور قرابة 15 سفينة يومياً إلى داخل مياه الخليج ومثلها في مسار الخروج، فيما تنجح الضربات الإيرانية في إصابة قرابة 5 في المئة فقط من مجمل السفن العابرة.
ولا تعكس هذه التطورات بالضرورة حسماً كاملاً لصالح واشنطن؛ فمع أن إجراءات الحصار البحري الأمريكي المفروض منذ حزيران/يونيو الماضي أوقفت تماماً صادرات النفط الإيراني ومنعت تحرك ناقلاته، إلا أن صادرات خليجية بالغة الأهمية مثل الغاز الطبيعي المسال، والأمونيا، والكبريت، والأسمدة الكيماوية لا تزال محاصرة داخل مياه الخليج. كما أن حجم النفط المصدّر حالياً لا يغطي فجوة الملياري برميل الناجمة عن فترات التعطيل السابقة، فيما يستمر النقص الحاد في المشتقات النفطية المكررة، وخاصة وقود الديزل، في فرض أعباء قاسية على أسواق الطاقة والنمو الاقتصادي العالمي.
المصدر: صحیفة The Telegraph البریطانیة- عدد الیوم