الهروب من "سجن العائلة".. لاجئة سورية تكسر صمت 20 عاماً من العنف الزوجي على أرض السويد

أربيل (كوردستان24)- غالباً ما تبدأ حكايات اللجوء السوري بالفرار من نيران الحرب والدمار، غير أن رحلة "ميسون" (41 عاماً) نحو الشمال الأوروبي كانت تحمل هدفاً آخر؛ خطة خلاص مؤجلة أُحكم تدبيرها لإنهاء عقدين من القهر، واسترداد كرامة سُلبت منها وهي في الثامنة عشرة من عمرها.

قصة ميسون، التي سلطت عليها الضوء وسائل إعلام سويدية مؤخراً ضمن ملفات "قضايا الشرف والزواج القسري"، تفتح الباب واسعاً أمام الوجه الخفي لمعاناة نساء هاجرن ليس طلباً للأمان من الحرب فحسب، بل فراراً من منظومات أسرية ومجتمعية مارست بحقهن أشكالاً مركّبة من العنف.

البداية.. طفولة صودرت باسم "السترة"

تعود مأساة ميسون إلى مدينة الباب بريف حلب؛ حين كانت شابة مفعمة بالشغف للدراسة وإكمال تعليمها، قبل أن يُغلق والدها كل الأبواب أمام طموحها بقرار تزويجها قسراً من ابن عمها. تستعيد تلك اللحظات بمرارة:
"كنت في الثامنة عشرة، أردت أن أتعلم، لكن العائلة رأت أن مستقبل الفتاة محصور في بيت الزوجية، وأن الحب يأتي بعد الزواج. أُجبرتُ على مسار لم أختره".

ليلة الزفاف.. محاكمة باسم "الشرف"

لم تكن تفاصيل ليلة الزفاف سوى بداية لتروما نفسية لم تفارقها لعقود. فوفقاً للتقاليد البالية السائدة في بعض الأوساط المحافظة، احتشد كبار العائلة من رجال ونساء خارج الغرفة في انتظار ما يُسمى "إثبات العذرية".
تصف ميسون تلك الليلة قائلة: وفي الليلة ذاتها، اقتيدت الشابة مرغمة إلى طبيبة نسائية، والتي وبّخت الزوج بشدة وأوضحت له علمياً وطبياً طبيعة أجساد النساء واختلافها، لتتأكد عذريتها لاحقاً. لكن، ورغم ثبوت براءتها، تركت تلك الحادثة ندبة غائرة في روح ميسون لم تمحها الأيام.

عشرون عاماً في جحيم الصمت

امتدت هذه الزيجة لعشرين عاماً، أثمرت عن أربعة أبناء، لكنها كانت محكومة – بحسب شهادتها – بالعنف اللفظي والجسدي، والاغتصاب الزوجي المتكرر. وطوال تلك السنين، باءت كل محاولاتها لطلب الطلاق أو الاستنجاد بأسرتها بالفشل؛ حيث قوبلت بالرفض المجتمعي والضغط العائلي بدعوى "الحفاظ على سمعة العائلة وتربية الأطفال".

اللجوء كخطة خلاص

مع اشتعال الحرب في سوريا، رأت ميسون في الفوضى المحيطة نافذتها الوحيدة للنجاة. أقنعت زوجها بالسفر إلى أوروبا لتأمين مستقبل الأطفال، ورسمت خطة تقضي بأن تسافر هي مع الأبناء أولاً، على اعتبار أن القوانين الأوروبية تمنح الأمهات والأطفال تسهيلات أسرع في السكن والإقامة، ليقوم الزوج لاحقاً بتقديم طلب "لمّ شمل".

باع الزوج ممتلكاته واستدان لتأمين نفقات رحلة التهريب. لكن وصول ميسون إلى السويد لم يكن بداية للمّ الشمل، بل إعلاناً لنهاية عصر العبودية.

كسر القيود في يوتبوري

بمجرد أن وطأت أقدامها الأراضي السويدية، اتخذت ميسون قرارها الحاسم؛ رفعت دعوى طلاق فورية، وقدّمت بلاغات رسمية للسلطات حول تعرضها وأطفالها لعنف أسري مستمر وتهديدات، مما قطع الطريق قانونياً أمام أي محاولة من الزوج للوصول إلى السويد عبر لمّ الشمل.

اليوم، تقيم ميسون مع أطفالها الأربعة في مدينة يوتبوري في عنوان محمي، وتستعد للعودة إلى مقاعد الدراسة التي حُرمت منها قبل عشرين عاماً، عاقدة العزم على تأسيس حياة جديدة تكفل فيها لبناتها حق تقرير المصير.
تختتم ميسون حديثها بعبارة تلخص معركتها الوجودية:

"أنا سعيدة اليوم لأنني أنقذت ابنتي من مصير يشبه مصيري؛ ستتعلم وتختار شريك حياتها بإرادتها الحرة.. في الحقيقة، أنا لم أطلّق زوجي فقط، بل طلّقت ذلك المجتمع الذي لم ينصفني يوماً".