تعافي صادرات النفط العراقي يواجه أزمات مالية وتوترات مضيق هرمز
أربيل (كوردستان 24)- أظهرت بيانات وتقارير متخصصة في قطاع الطاقة، أن الانتعاش الأخير في صادرات النفط الخام العراقي عبر الموانئ الجنوبية لا يزال جزئياً ومحفوفاً بالمخاطر، في وقت تواصل فيه الحكومة الاتحادية في بغداد مساعيها لإيجاد حلول جذرية لمعضلات مالية وإدارية وأمنية واسعة تعيق استقرار قطاع الطاقة ككل.
وبدأت صادرات النفط الخام من المنصات الجنوبية في البصرة، خلال الشهرين الماضيين، بالتعافي بشكل تدريجي من تداعيات انقطاع حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز جراء ظروف الحرب. ورغم أن هذا التحسن منح متنفساً مالياً لبغداد التي تعتمد موازنتها الاتحادية بصورة شبه كلية على العائدات النفطية لتغطية فاتورة الرواتب المتضخمة في القطاع العام، إلا أن المؤشرات الراهنة تؤكد أن هذا المسار لا يمثل حلاً شاملاً لأزمات الطاقة المتجذرة، والتي سبق أن أدت انعكاساتها إلى اضطرابات وتعديلات وزارية متكررة.
ولم يستعد العراق، وهو أحد كبار المنتجين في منظمة "أوبك"، مستويات تصديره السابقة للحرب عبر البصرة، في ظل توقعات باستمرار تذبذب تدفق الإمدادات إذا تواصل تصاعد وتيرة الهجمات البحرية التي تنفذها طهران في مضيق هرمز والممرات المائية المجاورة؛ إذ سجلت التقارير ما لا يقل عن 28 هجوماً منذ مطلع تشرين الأول/أكتوبر الجاري. وتسببت تداعيات الحرب في تعميق أزمات الطاقة القائمة، ما يضع هذا الملف في صلب اهتمامات واشنطن الساعية لنقل العلاقات الثنائية مع بغداد من التركيز الأمني إلى شراكة اقتصادية موسعة.
تذبذب الصادرات وضغوط الموازنة الاتحادية
تشير التقديرات الحكومية والخاصة إلى أن متوسط صادرات النفط الخام عبر البصرة تراوح بين 2.4 و2.6 مليون برميل يومياً في أيلول/سبتمبر المنصرم، مع زيادة عمليات التحميل لناقلات داخل مياه الخليج. ويعد ذلك تحسناً ملحوظاً مقارنة بشهر آذار/مارس حين تراجعت الصادرات إلى ما دون مليون برميل يومياً، وشهر تموز/يوليو الذي سجل نحو 1.3 مليون برميل يومياً، فضلاً عن شحنات إضافية محدودة أُرسلت عبر سفن أغلقت أنظمة التتبع الآلي الخاصة بها. ومع ذلك، تبقى هذه الأرقام أدنى بكثير من مستويات ما قبل الحرب التي بلغت نحو 3.4 مليون برميل يومياً في شباط/فبراير.
وانعكس هذا التراجع بصورة مباشرة على العائدات المالية للموازنة الاتحادية؛ فبعد أن كانت الإيرادات النفطية الشهرية تُقدر بنحو 6.8 مليارات دولار في شباط/فبراير، انخفضت خلال الأشهر الأربعة الأولى للحرب لتصل إلى قرابة 1.5 مليار دولار في حزيران/يونيو. ورغم أن الأرقام الرسمية الأخيرة تسجل انتعاشاً يتراوح بين 4.5 و5 مليارات دولار شهرياً مدعوماً بارتفاع أسعار الخام عالمياً، فإن تقلبات الأرباح، وتكاليف الحرب، وتصاعد وتيرة الهجمات، تركت آثاراً مالية بليغة جعلت مسار التعافي المستقبلي محفوفاً بالغموض.
وفي مسعى لتوفير السيولة النقدية الكافية لدفع رواتب الموظفين، أقدمت الحكومة الاتحادية مؤخراً على خفض قيمة العملة الوطنية من 1300 إلى 1500 دينار عراقي مقابل الدولار الأمريكي. وأثارت هذه الخطوة استياءً شعبياً واسعاً بسبب تأثيراتها السلبية على أسعار السلع الاستهلاكية ومعدلات التضخم. كما أثر الضغط المالي مباشرة على قطاع الكهرباء الذي يعتمد بالكامل على الدعم والتمويل الحكومي، مجدداً معاناته المزمنة في تجهيز الطاقة للسكان خلال موسم الصيف المنصرم.

عوائق الشحن والتوزيع عبر مسارات بديلة
لجأت بغداد إلى آليات بديلة للتكيف مع القيود المفروضة على حركة التصدير عبر مضيق هرمز. وبينما أبحرت ناقلات مباشرة من البصرة إلى وجهاتها النهائية، أظهرت بيانات التتبع الملاحي اعتماد شحنات أخرى على عمليات النقل بين السفن (Ship-to-Ship)؛ حيث تُحمّل الناقلات النفط في البصرة وتفرغه في سفن أخرى قبالة سواحل الفجيرة في الإمارات أو صحار في سلطنة عُمان. وساهمت هذه الرحلات المكوكية في استئناف حركة تدفق النفط لتفادي عزوف الشركات عن الإبحار في المضيق عالي المخاطر، على الرغم من القيود اللوجستية والازدحام في تلك النقاط.
وتجلى ذلك في مسارات معقدة لبعض الناقلات؛ مثل الناقلة "هيلغا" التي حُمّلت بالخام من البصرة مطلع آب/أغسطس وتوجهت نحو المياه الماليزية لنقل حمولتها إلى سفينة أخرى قبل أن تعود إلى منطقة الخليج في أيلول/سبتمبر. كما تسعى السلطات الاتحادية للتعويض عن افتقار العراق لأسطول ناقلات خاص به عبر خطط لاستئجار سفن تمنحه سيطرة أكبر على حركة التصدير الجنوبية. واضطرت شركة تسويق النفط الاتحادية "سومو" لتقديم حسومات وتخفيضات سعرية كبيرة على الخام لتشجيع المشترين على التحميل من موانئ الخليج في ظل ارتفاع المخاطر، وسط منافسة محتدمة مع منتجين آخرين في الخليج قدموا بدورهم عروضاً وتخفيضات أكبر.
وفي المسار الشمالي، بذلت بغداد جهوداً متزامنة لتعزيز الصادرات عبر خط الأنابيب الممتد إلى ميناء جيهان التركي على البحر المتوسط، ونقل كميات إضافية بالصهاريج من الجنوب. إلا أن بيانات وزارة النفط الاتحادية ومصادر التتبع أظهرت أن الصادرات عبر جيهان استقرت دون حاجز 300 ألف برميل يومياً في أيلول/سبتمبر؛ وذلك بسبب التحديات اللوجستية وتكرار التهديدات الأمنية؛ حيث اضطرت بعض الحقول النفطية في إقليم كوردستان إلى الإغلاق خلال الربيع الماضي إثر استهدافها بهجمات طائرات مسيرة من جانب جماعات مسلحة مقربة من طهران، وهو خطر طال أيضاً حقول الغاز الحيوية ولا سيما حقل كورمور الذي يغذي محطة كهرباء رئيسية في كركوك.

أزمة الكهرباء والاعتماد على الغاز الإيراني
تزامنت مساعي بغداد لإنعاش صادرات النفط مع تفاقم حاد في أزمة انقطاع التيار الكهربائي خلال شهر تموز/يوليو الماضي، حين بلغ ذروة الطلب 60 ألف ميغاواط، في حين لم تتجاوز قدرة التوليد الفعلية للمنظومة التابعة لوزارة الكهرباء الاتحادية حاجز 22 ألف ميغاواط.
وعرض وزير الكهرباء الاتحادي، علي سعدي وهيب، تفاصيل الأزمة أمام مجلس النواب الاتحادي، عازياً الخلل إلى تراجع إمدادات الغاز من حقل كورمور ومصادر أخرى، وتوقف نحو 600 ميغاواط من الطاقة المستوردة من تركيا نتيجة مشكلات مصرفية نجمت عن الأزمة المالية، إلى جانب تعثر تسديد مستحقات الغاز المستورد من إيران. وكشف الوزير أن بغداد طلبت من واشنطن تسهيل الإفراج عن أموال مخصصة لطهران محتجزة لدى المصرف العراقي للتجارة الاتحادي تقدر بنحو 6.5 مليارات يورو لدفع تكاليف الغاز، مؤكداً أن الجانب الأمريكي وضع شروطاً محددة لتسوية هذه المدفوعات.
ويعاني قطاع الكهرباء العراقي من هدر مالي، واعتماد مفرط على الموازنة، وغياب منظومة جباية فاعلة؛ إذ بلغت الموازنة الاستثمارية والتشغيلية للوزارة الاتحادية بين عامي 2022 و2025 نحو 54 تريليون دينار (قرابة 40 مليار دولار) دون التمكن من سد الفجوة. وأدى اندلاع الحرب إلى خفض إنتاج الغاز المصاحب من الحقول الجنوبية بسبب تقليص إنتاج الخام في مراحل النزاع الأولى، في حين تأجل مشروع محطة استيراد الغاز الطبيعي المسال العائمة في خور الزبير، والموقع مع شركة "إكسيليريت إنرجي" الأمريكية، من صيف العام الحالي حتى عام 2027.
المسار المستقبلي والشراكة مع واشنطن
أكد وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت أهمية توسيع التعاون الاقتصادي بين واشنطن وبغداد وتنفيذ الاتفاقات المشتركة لزيادة الإنتاج وتقليص الاعتماد على الغاز الخارجي، وصولاً إلى استقلال قطاع الطاقة العراقي.
ويبرز مشروع محطة الغاز المسال مع "إكسيليريت إنرجي" كأحد أهم المشاريع الاستراتيجية لتقليل الاعتماد على الإمدادات المستوردة من طهران وتعزيز أمن الطاقة بحلول منتصف 2027، وسط دعوات أمريكية وعراقية لدراسة خيارات إنشاء خطوط أنابيب جديدة تربط العراق بموانئ مجاورة، ومنها مسار مقترح نحو ميناء بانياس السوري لتوفير منافذ تصدير بديلة لموانئ الجنوب والحد من الاعتماد الحصري على مضيق هرمز، رغم ما يحيط بتلك المقترحات من تعقيدات مالية وسياسية تستدعي سنوات لإنجازها.
المصدر: The Washington Institute