غسان سلامة لـ كوردستان 24: ما رأيته في أربيل ليس مجرد تغيير.. بل ثورة عمرانية حقيقية مقارنة بعام 2003.

اربیل(كوردستان24) - في حوار ثقافي وسياسي شامل عبر شاشة «كوردستان 24»، التقت الإعلامية هفرست رجب بالوزير والمفكر اللبناني د. غسان سلامة على هامش مشاركته في معرض أربيل الدولي للكتاب. تناول اللقاء انطباعاته عن الطفرة العمرانية والتنموية التي شهدتها أربيل بعد غياب سنوات طويلة واصفاً إياها بـ «الثورة الحقيقية»، كما تطرق إلى آفاق التعاون الثقافي المشترك بين أربيل وبيروت في مجالات النشر والترجمة وإدارة المكتبات.

ولم يخلُ الحوار من قراءة سياسية وإقليمية معمقة؛ حيث استعرض سلامة التحديات المشتركة التي تواجه إقليم كوردستان ولبنان باعتبارهما كيانات متعددة المكونات في مواجهة مخاض إقليمي معقد، متحدثاً بصراحة عن قضايا السيادة وحصرية السلاح في لبنان، وملف إدارة التعددية الاجتماعية، إضافة إلى تفاصيل ومعايير عودة النازحين السوريين واحتياجات سوق العمل اللبناني.

نص الحوار: 

هفرست رجب: معالي الوزير غسان سلامة، أهلاً وسهلاً بك في زيارتك لأربيل.

غسان سلامة: شكراً.

هفرست رجب: بعد غيابٍ طال سنوات عديدة.. كيف رأيت أربيل بعد هذا الغياب؟

غسان سلامة: ليست أربيل التي رأيتها في العام 2003، هي مدينة مختلفة جوهرياً. هي مدينة شهدت مستوى هائلاً من النمو العمراني، ومن الطرقات الحديثة، ومن مطار.. غادرتها من مطار صغير في عنكاوا، هناك مكان لطائرة أو طائرتين، وعُدتُ إلى مطار دولي. وتركتها مدينة ربما بأقل من نصف مليون من السكان، الآن هناك خمسة أو ستة أضعاف هذا الرقم. يعني تغيّرت كثيراً عليّ، وأنا معجب بهذا الجهد الذي وُضِع في العمران وفي تنظيم المدن وتنظيم الطرقات.

هفرست رجب: يوجد تغيير؟

غسان سلامة: ليس تغيير، ثورة على ما كانت عليه أربيل!

هفرست رجب: نعم. معالي الوزير، لا شك أن حضوركم إلى معرض أربيل الدولي للكتاب يحمل رسالة مهمة، ما هي هذه الرسالة؟ وأيضاً كيف وجدتم تنظيم المعرض بشكل عام؟

غسان سلامة: معرض منظّم بطريقة جداً لائقة، وجداً مرنة، تسمح للزائر أن يكون على صلة مباشرة بالكتاب، فيشتريه أو لا يشتريه. وهناك مقابلات وأحداث ثقافية على هامش المعرض تزيد من انتباه الناس له. لكن ما أثار انتباهي هو أنه فعلاً معرض لتقارب الثقافات؛ هناك ناشرون كورد بالعشرات، لكن هناك أيضاً ناشرون عرب، وهناك أيضاً بعض الناشرين من خارج المجموعات الكوردية والعربية، مما يعني أنه معرض يطمح للعالمية وليس أن يكون فقط معرضاً محلياً.

هفرست رجب: نعم، أربيل أصبحت في السنوات الأخيرة مركزاً بارزاً للفعاليات الثقافية، إلى أي مدى يمهّد هذا الطريق إلى تبادل النتاج الأدبي والفكري بين أربيل وبيروت؟

غسان سلامة: هذا ما بحثناه مع معالي الوزير خلال الساعة الماضية، أعتقد أنه يمكن لعدد من الأمور في مجالات النشر والترجمة، في مجالات الرسم، في مجال تبادل الخبرات في إدارة المكتبات، في عدد من الأمور.. هناك مجال للتعاون وللأعمال المشتركة التي يمكن أن نبحثها. ولقد تقدّم الطرف الكردي بمسودة لإمكانية تفاهمٍ ما، سننظر فيه بجدية فور عودتي إلى بيروت.

معرض أربيل الدولي للكتاب تظاهرة عالمية تكرس حوار الثقافات ولا تقتصر على الطابع المحلي

هفرست رجب: نعم، عُرفت لبنان دائماً بأنها عاصمة الثقافة العربية، وكل العالم العربي ممتن لبيروت وأيضاً للكتّاب والنشر الذي كان في بيروت، هل هناك أي اتفاق مشترك بين الوزارتين بخصوص النشر المشترك أو الترجمة أو حتى إقامة أسبوع ثقافي؟

غسان سلامة: هذا ما سنسعى إليه. يعني المسودة هي في جيبي، تسلّمتها منذ لحظات من معالي الوزير، وسأنظر فيها بطريقة جدية وبالطريقة إيجابية، لأننا نريد زيادة التعاون بين بلدينا، ونريد لهذه الزيارة أن تكون فاتحة لزيارات أخرى يقوم بها الكتاب والأدباء والفنانون إلى كل من المدينتين.

هفرست رجب: معالي الوزير، كيف ترى دور الدبلوماسية الثقافية في تقريب الشعوب، لا سيما ما بين الشعبين الكوردي واللبناني؟

غسان سلامة: الدبلوماسية الثقافية لها عدة أبعاد. أنا مثلاً خضت معركة صعبة جداً، دبلوماسية في الأشهر الماضية لوضع خمسة مواقع من جنوب لبنان على لائحة التراث العالمي، ما يسمى بـ «قلاع جبل عامل». وكانت معركة دبلوماسية ثقافية من الطراز الأول، لأنه كان علينا أن نقنع 21 دولة هي أعضاء في لجنة التراث العالمي بأحقية هذه القلاع. فالموضوع كان ثقافياً وهو وضع هذه القلاع على لائحة التراث العالمي كما قلعة أربيل موجودة على لائحة التراث العالمي. لكن كانت الممانعة لأسباب سياسية وتطلب عملاً دبلوماسياً؛ هناك ثلاثة دول عذّبتني حتى آخر لحظة في لجنة التراث لكي تقتنع بوجهة نظرنا وقبلت بالأمر.. هذا يتطلب جهداً دبلوماسياً واسعاً. لكن بالنسبة لي هذا أمر شبه اعتيادي، لأنه في خبرتي المتواضعة هناك مزيج من الدبلوماسية ومن العمل الأكاديمي، فمتعود على الاختلاط بين الأمرين.

هفرست رجب: نعم، كان حب الكتاب والأدب دائماً جزءاً من شخصية المثقفين اللبنانيين، إذا اقترحتَ كتاباً لبنانياً للقارئ الكوردي، ما هو هذا الكتاب ولماذا؟

غسان سلامة: ليس هناك من كتاب يمكن لي أن أقترحه، لأنه الكتاب ولبنان صنوان بالحقيقة؛ حيث هناك كتاب هناك لبنان، وبالتالي هناك تنوع هائل. أكيد أن ثاني أكبر كتاب مترجم في العالم بعد الكتاب المقدس هو «النبي» لجبران خليل جبران، وأعتقد أنه موجود باللغة الكوردية. لكن هناك كتّاب كبار في لبنان مثل ميخائيل نعيمة، أو كتّاب من الشعراء.. يعني التنوع واسع. لذلك يجب أن يكون هناك أكبر عدد من الناشرين اللبنانيين في معرض أربيل المقبل لكي يعرضوا هذا النتاج الأدبي الكثيف.

لبنان يطبع أكثر بكثير من حجم سوقه، السوق اللبنانية صغيرة، يعني عدد اللبنانيين قليل، لذلك نحن نعتمد كثيراً على السوق الإقليمية، على سوق الشرق الأوسط ككل، لكي يتمكن الناشرون من القيام بأعمالهم. الآن السوق اللبنانية نفسها ضيقة وهناك ضائقة مالية في لبنان حالياً تخفف من القدرة الشرائية عند اللبنانيين، لذلك نحن نعتمد كثيراً على أسواق أخرى وعلى معارض الكتاب، لا سيما معرض أربيل.

لبنان بحاجة لاستعادة سيادته واستقلاله، ولا سيادة للدولة دون حصر السلاح وقرار الحرب والسلم بيدها

هفرست رجب: نعم، علاقة إقليم كوردستان ولبنان كانت تاريخية وودية، في ظل التغيرات في المنطقة كيف تنظرون إلى تطوير العلاقات السياسية والرسمية أكثر فأكثر بين الطرفين؟ وأيضاً هل كانت حساسية الوضع السياسي في لبنان عائقاً أمام هذا التوسع أو التطوير؟

غسان سلامة: الوضع في لبنان صعب. هناك أزمات متلاحقة، هناك عدوانات متلاحقة، هناك وصايات خارجية وتدخلات خارجية متلاحقة، هذا عرفته أيضاً كوردستان في تاريخها ونحن نمر بهذه المرحلة.

في الواقع أن المنطقة ككل تمر بمخاض شديد الصعوبة، ونحن في وسطه؛ نحن لم ننتهِ منه لكي نقول إن هذا المخاض قد انتهى وقد أدى إلى نظام إقليمي جديد واضح المعالم. الواقع الإقليمي الجديد غامض المعالم لأننا ما زلنا في خضم تحولات كبيرة: الحرب الإسرائيلية الأمريكية مع إيران، الأحداث الحاصلة في اليمن، التطورات القائمة في السودان، عدم استقرار جنوب لبنان، أحوال سوريا المتقلبة.. يعني لديكِ عدد هائل من القضايا الشائكة المتزامنة فيما بينها والتي تؤدي إلى وضع غير مستقر على عموم المنطقة.

كوردستان مثل لبنان؛ وحدات سياسية صغيرة نسبياً، وتتأثر بتحولات المنطقة الكبرى وبسياسات الدول الكبرى في المنطقة، لذلك يجب أن تبقى أعيننا منفتحة في كل من أربيل وبيروت على هذه التحولات الكبيرة لكي لا ندفع نحن ثمن هذا المخاض.

هفرست رجب: معالي الوزير، كيف تقيمون دور لبنان في ظل—إذا استطعنا أن نصف—هذا الوضع غير المرغوب فيه في الشرق الأوسط عامة؟ وما هي رسالة حكومة وشعب لبنان لمنطقة أكثر استقراراً؟

غسان سلامة: نحن في لبنان عرفنا كل أنواع الصراعات؛ عرفنا التقاتل الداخلي، وهذا يجب ألا يعود بأي ثمن لأنه هو الأكثر ضرراً على الناس وعلى السكان. عرفنا التقاتل الداخلي لفترة زادت عن 15 عاماً، وهذا هو أخطر أنواع التقاتل.

وعرفنا أيضاً التدخلات الخارجية وهي جارية، والآن هناك 700 كيلومتر، يعني حوالي 7% من أراضي لبنان تحتلها إسرائيل، ولقد دمرت كل القرى الموجودة فيها تدميراً كاملاً.

ولدينا أيضاً نوع من محاولات بعض الدول فرض وصايتها على القرار اللبناني، مما يضعف سيادة لبنان واستقلال لبنان. إذاً لدينا أخطار متعددة على كياننا وعلى سيادتنا. نحن نريد أن نتخلص من كل ذلك، وأن يستعيد لبنان استقلاله وسيادته، وأن تستعيد الدولة داخل لبنان حيازتها المنفردة للسلاح ولقرار السلم والحرب.

أنتِ تريدي سيادة خارجية أقوى، وتريدي سيادة على الداخل أقوى أيضاً، والأمران متكاملان: لا سيادة خارجية بدون سيادة الدولة في الداخل، ولا سيادة للدولة في الداخل بدون اعتراف المحيط بهذه السيادة.

هفرست رجب: نعم، كما أشرت معالي الوزير، الطرفان يمتلكان تجارب مشتركة، كل من إقليم كوردستان ولبنان، خاصة في الإدارة والتعددية القومية والدينية، كما واجه الطرفان تحديات اقتصادية وسياسية أيضاً. كيف ترون مدى ضرورة تبادل هذه التجارب المشتركة بين بيروت وأربيل؟

غسان سلامة: أنتِ تشيرين إلى أمر في غاية الأهمية وهي التعددية الاجتماعية. المجتمع الكوردي مركب من مكونات عديدة، والمجتمع اللبناني مركب من مكونات أكثر عدداً أيضاً؛ طائفية ودينية وإثنية وما شئتِ. وبالتالي إدارة التعدد أمر في غاية الدقة؛ هو يعني كميزان «الجواهرجي»، صاحب الجواهر أو الصائغ، ميزان دقيق، لأن التعددية أمر يمكن أن تكون سبباً لثراء ثقافي ومجتمعي هائل، ويمكن أن تكون سبباً للتقاتل والتنافر في الداخل. لذلك إدارة التعددية أمر يمكن أن نقارن فيه بين تجربتينا في كوردستان ولبنان بتمعّن، لأن إدارة التعدد هو التحدي الأكبر في المجتمعات في القرن الجديد.

إدارة التعددية تحتاج إلى «ميزان جوهرجي».. والتنوع إما أن يكون ثراءً هائلاً أو سبباً للاقتتال

هفرست رجب: نعم، لبنان تحمّلت في تاريخها المعاصر العبء الأكبر باللاجئين، أيضاً إقليم كوردستان طالما كان ملاذاً للنازحين واللاجئين أيضاً. من هذا المنطلق، ما هي ملاحظاتكم حول التنسيق الإنساني بين الجانبين في التعامل مع القضايا الإنسانية؟

غسان سلامة: يمكن أن نتعلم من بعضنا البعض. نحن في لبنان استقبلنا نحو مليوني نازح سوري مثلاً خلال الأحداث السورية الدامية، وبالتوافق مع النظام الجديد في سوريا ولكن أيضاً مع المفوضية العامة للاجئين في الأمم المتحدة، عاد حوالي ثلث هؤلاء، يعني حوالي 700 ألف إلى بلادهم في سوريا.

نحن نسعى لأن تتم عودة طوعية وكريمة لكل اللاجئين إلى بلادهم دون أن يكون هناك أي عمل له طابع تسلطي تجاههم أو يناقض المواثيق الدولية. لكن بدون أي شك عدم معالجة هذا الأمر يثير غضب بعض اللبنانيين؛ هناك عدد من اللبنانيين يعتقدون أن الحكومة لا تقوم بكل ما يمكن أن تقوم به لتخفيف وطأة النازحين، لكن هذا أمر غير صحيح، الحكومة تعمل ما تستطيع لكي يعود النازحون إلى بلادهم ولكن بطريقة كريمة وطوعية، وهذا ما هو حاصل لحوالي ثلثهم، والحبل على الجرار كما يقال، هناك مزيد من النازحين يعودون في هذه الأيام إلى بلادهم.

هفرست رجب: بمعنى لديك خبرة في المجال الإنساني أيضاً، كم يحتاج وقت لإنهاء ملف النازحين أو اللاجئين سواء كان في لبنان أو حتى في العراق؟

غسان سلامة: هذا أمر لا يتم بين ليلة وضحاها؛ هناك عدد كبير من النازحين بيوتهم قد هُدمت تماماً في سوريا مثلاً، وليس لديهم إمكانية إعادة بنائها. ثم عليكِ أن تأخذي بعين الاعتبار أمراً آخر، وهو أن عدداً كبيراً من السوريين كان يعمل في لبنان قبل الأحداث، وبالتالي نحن بحاجة في لبنان إلى يد عاملة سورية، لذلك لا نقول يجب أن يذهب كل السوريين. هناك حوالي نصف مليون سوري إجمالاً يعملون في الزراعة أو في البناء في لبنان، وهؤلاء مرحّب بهم بأن يبقوا لأنهم يسهمون في تنمية البلاد.

هفرست رجب: نعم، أريد أن أعود إلى معرض أربيل الدولي للكتاب، هل اشتريتَ كتباً البارحة من المعرض؟ هل هناك مواضيع لفتت انتباهك؟ ما هو أكثر شيء..؟

غسان سلامة: هناك مواضيع لفتت انتباهي عديدة وكثيرة، لكن الكتب التي أُهديتُ لم تتح لي أن أشتري بدوري من الكتب.

هفرست رجب: هل هناك كتاب كوردي لفت انتباهك أكثر؟ مترجم للعربية؟

غسان سلامة: لا يمكن أن أقول ذلك لأني لا أريد أن أكذب، لم يتسنَّ لي منذ ليل أمس حتى هذا الصباح أن أقرأ أي شيء.

هفرست رجب: تقرأ أي شيء.. معالي الوزير، شكراً جزيلاً لأنك كنت ضيفنا على شاشة كوردستان 24، شكراً لك وشكراً لحضورك الكريم.

غسان سلامة: زۆر سوپاس (شكراً جزيلاً).

هفرست رجب: مشاهدي كوردستان 24، وصلنا إلى نهاية لقائنا، دمتم بخير وسعادة.