كوردستان24 في موطن "قديس الخط المتصل" بمقاطعة غانسو الصينية

أربيل (كوردستان24)- في إطار جولتها الاستكشافية في شمال غربي الصين، زارت عدسة "كوردستان24" الموقع التاريخي في منطقة أنشي بمقاطعة غانسو، وهي البقعة العريقة الواقعة على مسار طريق الحرير القديم، والتي تُعرف تاريخياً بأنها مهد ومسقط رأس أسطورة الخط الصيني تشانغ تشي، الملقب في الوجدان الثقافي بـ "قديس الخط المتصل". 

وُلد تشانغ تشي في أواسط القرن الثاني الميلادي خلال حقبة سلالة هان الشرقية، ونشأ في كنف عائلة أرستقراطية مرموقة، إذ كان والده تشانغ هوان قائداً عسكرياً بارزاً وحاكماً مشهوداً له في تاريخ الإمبراطورية. ورغم أن البلاط الإمبراطوري حاول مراراً استقطابه لتولي مناصب سياسية رفيعة تقديراً لأخلاقه وعلمه، فإن تشانغ تشي آثر الزهد في السلطة ورفض جميع العروض الرسمية، مفضلاً التفرغ الكامل لعشقه الأبدي لفن الخط حتى وافته المنية في خضم الاضطرابات التي سبقت انهيار سلالة هان نحو عام 192 للميلاد، تاركاً إرثاً روحياً وفنياً خالداً جعل الصينيين يطلقون عليه أيضاً لقب "الناسك الفاضل".

وخلال استطلاع "كوردستان24" لتفاصيل حياته في المعلم التذكاري، برزت ملامح شغفه الفريد من خلال القصص والنوادر التاريخية التي لا تزال تُروى عنه بإعجاب بالغ؛ إذ يُذكر أنه بلغ من الهوس بالتدريب مرحلة جعلته يحوّل كل ما حوله إلى مساحات للكتابة. فكان لا يرتدي ثوباً أو يستخدم قماشاً أو حريراً في منزله إلا بعد أن يملأه بخطوطه أولاً قبل غسله وصباغته، حتى لم تسلم جدران بيته وجذوع الأشجار المحيطة به من ضربات فرشاته. غير أن الحكاية الأكثر رسوخاً في الذاكرة الشعبية، والتي يجسدها الموقع ببركة تذكارية، هي أسطورة "غسل الفرشاة"؛ حيث اعتاد تشانغ تشي الجلوس يومياً على حافة البركة المجاورة لبيته للتدرب دون انقطاع، وكان يغسل فرشاته ومحبرته فيها بعد كل جلسة، حتى تحولت مياه البركة الصافية بمرور السنين إلى سواد دامغ بلون الحبر، لتصبح هذه القصة مضرباً للمثل في التراث الصيني وعنواناً للتفاني المطلق والصبر الأسطوري لبلوغ قمة الإتقان.

هذا الانغماس غير المسبوق في التجربة الفنية مكّن تشانغ تشي من إحداث ثورة غيرت مسار الفنون البصرية في الشرق القديم؛ إذ تمرد على أسلوب "تشانغ تساو" القديم الذي كانت رموزه تُكتب بحركات منفصلة ومنضبطة بصرامة، وابتكر أسلوباً يعتمد على دمج الرموز وجعل ضربات الفرشاة متصلة وانسيابية تتدفق كالماء الجاري دون انقطاع بين حركة وأخرى. ومثّل هذا التحول الجذري ولادة حقيقية لما يُعرف بـ "الخط المتصل الحديث"، كما مهد الطريق لاحقاً لظهور "الخط المتصل البري والجامح" الذي بلغت فيه الروح التجريدية الصينية أوجها، وهو ما جعل عباقرة الخط اللاحقين، وفي مقدمتهم الخطاط الأسطوري وانغ شي تشي، يعترفون بفضله ويقرّون بأنهم ما استطاعوا مجاراته في سرعة انسيابيته ودقة براعته التي صقلها حبر تلك البركة التاريخية.

واختتمت "كوردستان24" تقريرها من هذا الصرح العريق في شرق أنشي بالتأكيد على أن المكان لا يوثق فقط سيرة فنان عبقري، بل يقدم شهادة حية على نقطة التقاء فريدة بين تاريخ طريق الحرير وسحر الفنون الإنسانية؛ إذ لا يزال الموقع يقف اليوم شاهداً على أن المثابرة التي حوّلت ماء البركة إلى حبر قبل أكثر من ثمانية عشر قرناً، هي ذاتها التي صنعت أسطورة "قديس الخط" وجعلت من بلدته مقصداً عالمياً يربط عراقة الماضي بتطلعات الحاضر.