فاتورة بـ 200 دولار عند الباب.. تفصيلة صغيرة تكشف لغز إهمال منزل أغاثا كريستي في بغداد

أربيل (كوردستان24)-  في روايات الكاتبة البريطانية أغاثا كريستي، تقود التفاصيل الصغيرة والمهملة دائماً إلى فك أعقد الجرائم؛ لكن على ضفاف نهر دجلة في العاصمة العراقية بغداد، كانت التفصيلة الصغيرة مجرد ورقة كهرباء محشورة في فتحة باب حديدي مقفل، بقيمة تقارب 200 دولار من المستحقات غير المسددة.

ورقة عادية في ظاهرها، لكنها تحولت إلى دليل إدانة صامت يلخص مأساة المكان؛ فالمنزل الذي تتراكم عليه ديون الطاقة هو ذاته العقار الذي تؤكد وزارة الثقافة الاتحادیة أن "ملكة الجريمة" سكنته يوماً ما، وبات اليوم مهجوراً يتداعى في صمت.
فاتورة تكشف المستور

المشهد الذي وثّقته صحفية تعمل لصالح الإذاعة الوطنية العامة الأميركية (NPR)، جعل من تلك الفاتورة المهملة مفتاحاً للغز حقيقي يطرح نفسه: كيف انتهى منزل ارتبط باسم واحدة من أشهر كاتبات التاريخ، إلى عقار موصد بالأقفال تلاحقه فواتير الجباية بدلاً من أن يتحول إلى مزار ثقافي وسياحي عالمي؟

 

ورغم تصنيف المبنى عقاراً تراثياً وإعلان الحكومة العراقية استعدادها لفتحه أمام أي جهة تتكفل بإعادة تأهيله، إلا أن غياب أي مشروع إنقاذ جاد أو سقف زمني محدد جعل مصير المنزل معلقاً بين وعود الصيانة وبيروقراطية الإجراءات.
خلف ذلك الباب الموصد، لا تكمن فقط جدران متهالكة، بل فصول من سيرة امرأة غيّرت رحلتها إلى بلاد الرافدين مجرى حياتها بالكامل. ففي ديسمبر/كانون الأول 1926، عاشت كريستي أزمة عاصفة تصدرت عناوين الصحف العالمية إثر اختفائها الغامض لمدة 11 يوماً عقب وفاة والدتها وانهيار زواجها الأول.

بحثاً عن بداية جديدة، استقلت كريستي قطار "الشرق السريع" نحو بغداد، ومنها إلى موقع "أور" الأثري جنوب العراق، حيث فتحت لها الآثار آفاقاً جديدة، والتقت هناك عالم الآثار الشاب ماكس مالوان، الذي تزوّجته عام 1930 ليمتد ارتباطهما حتى رحيلها عام 1976.
لم يكن العراق مجرد محطة عابرة في حياة كريستي، بل صار جزءاً أصيلاً من إرثها الأدبي؛ إذ رافقت زوجها في بعثات التنقيب، واستلهمت من بيئة البلاد تفاصيل روايتيها الشهيرتين «جريمة في بلاد الرافدين» و«جاؤوا إلى بغداد»، مقدّمةً الشرق للقراء حول العالم من نافذة شغفها بالآثار وسحر الرافدين.

 


اليوم، يواجه هذا الإرث الأدبي والإنساني خطر الاندثار تحت وطأة الإهمال والزمن؛ لتبقى الفاتورة المنسية عند عتبة البيت شاهداً صارخاً على المفارقة: فبينما خلدت أغاثا كريستي بغداد في روايات قرأها الملايين حول العالم، تقف جدران بيتها اليوم عاجزة أمام فاتورة كهرباء متواضعة، بانتظار "حل للغز" يعيد إلى المكان الحياة.

 


المصدر: الإذاعة الوطنية العامة الأميركية (NPR)