د. حبيب ابراهيم
آراء
اوروبا ... بين القيمّ الانسانية والمصالح الاقتصادية!
بوتين استقبل رسالة قادة الاتحاد الأوروبي بخصوص نافالي بصمت، وعهد إلى مؤسسة (روسيا اليوم) التي تبث بثلاثين لغة عالمية مهمة الرد
بدأ المعارض الروسي نافالي يستعيد عافيته بعد قضاءه اسبوعين في العناية المركزة. على الرُغم من ان ثلاث مستشفيات في المانيا وفرنسا والسويد توصلت الى النتايج ذاتها بان نافالي تعرض للتسميم بمادة "نوفيتشوك"، الا ان الحكومة الروسية تعتبر (الاتهامات) الاوروبية بمثابة نوع من الجنون. اوروبا المحت على لسان المستشارة الالمانية انجيلا ميركل بان عقوبات تنتظر روسيا اهمها على خطوط نوردستريم الناقلة للغاز الرخيص الى اوروبا.
في الاشهر السابقة القليلة طالبت الولايات المتحدة الاتحاد الاوروبي بشكل صريح بالغاء مشروع نوردستريم لسببين، اولهما اظهره وزير الخارجية الامريكية في اكثر من مناسبة يتمثل بان المشروع يدر على روسيا ايرادات ضخمة يمكن استخدامها في تطوير ترسانتها من الاسلحة وتساعدها في التدخل في شؤوون الدول على غرار تدخلها في اوكرانيا وسوريا وليبيا وتدعم الدول التي تهدد السلم العالمي كايران. وثانيهما اقتصادي، فبمجرد ضخ الغاز الروسي الرخيص ستتخلى اوروبا عن الغاز الامريكي.
بالنسبة لروسيا، يعول الرئيس بوتين على المشروع في تحسين الاقتصاد الروسي وجعل اوروبا تستغني عن الغاز الامريكي. اما اوروبا فهي من جهة بحاجة الى الغاز الروسي ومن جهة اخرى هنالك دعوات داخل الاتحاد بضرورة تقديم القيّم الانسانية على المصالح الاقتصادية!
في مناقشات حادة جرت داخل البرلمان الالماني (البوندستاغ) طالب عدد من النواب بترجيح كفة القيّم الإنسانية في التعامل مع قمع بوتين لمعارضيه وتدخله في الشؤون الداخلية لروسيا البيضاء عبر دعمه الرئيس لوكاشينكو، فضلا عن ضم شبه جزيرة القرم الاوكراني لروسيا عام ٢٠١٤، بالمقابل ينصح المحللون الاقتصاديون الحكومات الاوروبية بان مشروع نوردستريم سيكون له العديد من المزايا، ابرزها ان اوروبا ستحصل على الغاز الرخيص وسيقلل ذلك من ميزانية دول الاتحاد الاوروبي التي ترهقها الطاقة وبان المشروع سيساهم في ايجاد بديل عن الغاز الامريكي بمزايا افضل.
يبدو ان المصالح الاقتصادية تمنع قادة الاتحاد الاوروبي من الخروج بموقف موحد وواضح، الامر الذي يعتبره بوتين انتصار لروسيا التي منحت الاتحاد الاوروبي فرصة الحصول على الغاز الرخيص. بالمقابل تشدد ادارة ترامب على ضرورة وضع حد لطموحات بوتين غير المشروعة رُغم البرود الذي يعتري العلاقات الامريكية - الاوروبية وابتعاد فرنسا والمانيا تحديداً عن تأييد خطط أمريكا بانتظار ان تسفر الانتخابات الامريكية المقبلة عن تشكيل ادارة جديدة تعيد العلاقات الامريكية - الاوروبية الى سابق قوتها بعد ان شابها الفتور بعد فوز ترامب بالانتخابات الامريكية عام 2016.
يبدو ان بوتين استقبل رسالة قادة الاتحاد الاوروبي بخصوص نافالي بصمت، وعهد الى مؤسسة روسيا اليوم التي تبث بثلاثين لغة عالمية مهمة الرد على التنديد الاوروبي والتلويح بعقوبات اقتصادية. تحركت روسيا اليوم التي تتبع الكرملين لتقييم الموقف الاوروبي، محاولة اختراق الحصن الاوروبي وتشتيت مواقف الراي العام في دول الاتحاد المختلفة.
اما القيّم الانسانية التي تؤمن بها اوروبا فيصعب ترجمتها الى مواقف! تبقى احيانا اسيرة الخطابات داخل البرلمانات الاوروبية وتترجم احيانا الى اجراءات لا ترتقي الى مستوى الحد الادنى حتى من التكاتف الاوروبي في ايقاف الدب الروسي من خرق القوانين الدولية والاساءة لمفهوم السيادة الوطنية.