د. سامان شالي
محلل سياسي واقتصادي
الحصانة الأمريكية على أموال العراق والأمر التنفيذي رقم 13303
يتساءل الكثير من الناس عن سبب إيداع الأموال العراقية الناتجة عن مبيعات النفط في البنك المركزي الأمريكي ولماذا يسيطرون عليها. وأدت سيطرة البنك المركزي الأميركي على أموال العراق إلى فقدانه سيادته السياسية والاقتصادية. وهذا الأمر يشل أجندة الحكومة العراقية لتحقيق النمو الاقتصادي.
بعد حرب الخليج الأولى في عام 1990 وغزو العراق للكويت، رفع عدد قليل من الشركات الدولية دعوى قضائية ضد الحكومة العراقية، مطالبة بالضرر نتيجة للحرب أمام المحكمة الدولية. وعلى أية حال فإن الحكومة العراقية لم تلجأ إلى هذه المحاكم، لذلك اتخذت المحكمة الدولية آخر قراراتها ضد الحكومة العراقية. تبلغ هذه الأضرار مليارات الدولارات مع الفوائد على مدار الـ 21 عامًا الماضية. إن سداد هذه الشركات سيستغرق وقتا طويلا حتى تتمكن الحكومة العراقية من سداد هذه الالتزامات.
النفط مقابل الغذاء: بعد حرب الخليج اوجدت الأمم المتحدة برنامج النفط مقابل الغذاء، الصادر بموجب قرار مجلس الأمن الرقم 986، لعام 1995؛ المسمى برنامج النفط مقابل الغذاء Oil for Food Program. وهو برنامج يسمح للعراق بتصدير جزء محدد من نفطه، ليستفيد من عائداته في شراء الاحتياجات الإنسانية لشعبه، تحت إشراف الأمم المتحدة و استمر هذا القرار حتى 2003.
في عام 1977، مُنح رئيس الولايات المتحدة السلطة الكاملة للدفاع عن الأمن القومي الأمريكي وحمايته. وبناء على هذه السلطة، أصدر الرئيس جورج دبليو بوش الأمر التنفيذي رقم 13303 في 22 مايو/أيار 2003، والذي يحمي صندوق تنمية العراق والممتلكات الأخرى التي يهتم بها العراق، أصبحت هذه الأموال الآن محمية بشكل كامل من أوامر المحكمة الدولية مثل الأموال الأمريكية بسبب الأمر التنفيذي رقم 13303. ويهدف هذا الأمر التنفيذي إلى ضمان استقرار وإعادة إعمار العراق بعد الغزو من خلال حماية هذه الأموال والممتلكات من الحجز والمطالبات القانونية.
وينص الأمر على أن أي حجز أو حكم أو مرسوم أو أي إجراء قضائي آخر ضد صندوق تنمية العراق أو النفط والمنتجات النفطية العراقية والعائدات والالتزامات المتعلقة ببيعها أو تسويقها تعتبر لاغية وباطلة. ويحظر الأمر التنفيذي على جميع المواطنين الأميركيين والمقيمين في الولايات المتحدة وأي كيان منظم بموجب القوانين الأميركية رفع دعاوى قضائية ضد الأموال العراقية. وفقًا لقانون الطوارئ الوطني الأمريكي، فإن عدم تجديد الأمر التنفيذي خلال 90 يومًا من تاريخ التجديد السابق يعني أنه سيصبح غير صالح.
وفي عام 2010، تم إلغاء صندوق تنمية العراق بقرار دولي؛ ولذلك أصبحت أحكام هذه الشركات على العراق مستحقة الدفع. وفتحت الولايات المتحدة حساباً جديداً للبنك المركزي العراقي لدى البنك الفيدرالي الأمريكي لوضع جميع عائدات النفط في هذا الحساب. وبهذه الخطوة حمت المال العراقي من أحكام هذه الشركات. بما أن الأمريكان لديهم الوصاية على العراق حيث يعلن الأمر التنفيذي أيضًا حالة طوارئ وطنية للتعامل مع التهديد الذي يواجه إعادة الإعمار السلمي للعراق، لنفترض أن هذا الأمر التنفيذي لم يتم تجديده خلال 90 يوما. وفي هذه الحالة يعتبر باطلا، وتستحق الشركات كافة مستحقاتها وملحقاتها. ولذلك، ظل الرؤساء الأمريكيون يجددونها كل عام منذ ذلك الحين، وكان آخرها في مايو 2024.
فيما يلي الأسباب الرئيسية لهذه الحماية:
1. استقرار اقتصاد العراق: ويهدف المرسوم إلى حماية الموارد الاقتصادية للعراق من الاستنزاف من خلال المطالبات القانونية والتأكد من إمكانية استخدام هذه الموارد لإعادة بناء العراق وتحقيق الاستقرار فيه. واعتبر المرسوم حاسما لانتعاش البلاد وتنميتها بعد سقوط نظام صدام حسين.
2. دعم جهود إعادة الإعمار: يضمن هذا الترتيب الدفاع عن الاحتياطيات والموارد التي تهدف إلى إعادة بناء العراق واحتياجاته المفيدة، وذلك من خلال منح الحصانة من الإجراءات القانونية. يُحدث هذا الضمان فرقًا ويضمن عدم إعادة توجيه هذه الموارد بعيدًا عن سببها.
3. الأمن القانوني والمالي: إن حماية أصول العراق توفر الأمن المالي والقانوني للكيانات المشاركة في جهود إعادة الإعمار. ويشجع هذا الأمن القانوني الاستثمار الدولي والمشاركة في إعادة بناء العراق، حيث يمكن للمستثمرين والمقاولين أن يكونوا أكثر ثقة بأن المطالبات الخارجية لن تعرض عملهم واستثماراتهم للخطر.
4. مصالح الأمن القومي الأمريكي: يعتبر استقرار العراق أمرًا حيويًا لمصالح الأمن القومي الأمريكي في المنطقة. ومن خلال حماية أموال العراق، يدعم هذا النظام الأهداف الأوسع المتمثلة في تعزيز الاستقرار والسلام والأمن في الشرق الأوسط.
5. الامتثال للالتزامات الدولية: يتماشى الأمر التنفيذي مع الجهود والقرارات الدولية، وخاصة تلك الصادرة عن الأمم المتحدة، لدعم عملية التحول والانتعاش في العراق. ويضمن التزام الولايات المتحدة بالتزاماتها الدولية لدعم العراق خلال هذه الفترة الحرجة.
6. الفساد: منذ عام 2003، انتشر الفساد على نطاق واسع في جميع المؤسسات في العراق، مما أدى إلى تقويض الحكم، وإعاقة التنمية الاقتصادية، وتآكل ثقة الجمهور في الحكومة. وكثيراً ما يعيق الفساد تنفيذ البرامج الحكومية من خلال استنزاف الأموال، وتشويه الأولويات، وتقويض آليات المساءلة. إن عدم قدرة الحكومة على محاسبة الفاسدين الكبار يزيد من الفساد، كما أن حماية الفاسدين من قبل الفاسدين الكبار تقلل من فعالية الحكومة في مكافحة الفساد. ولذلك يبقى هذا القانون ساري المفعول لحماية أموال العراق من الفاسدين.
7. التحديات الاقتصادية: يواجه العراق تحديات اقتصادية، بما في ذلك الاعتماد على عائدات النفط، وارتفاع معدلات البطالة، وعجز البنية التحتية. ويمكن للقيود الاقتصادية أن تحد من قدرة الحكومة على تمويل وتنفيذ برامجها بفعالية. وبينما زادت عائدات النفط في السنوات القليلة الماضية، فإن العجز آخذ في التزايد، مما يشير إلى فشل السياسة المالية وزيادة الفساد في الدولة. فشلت الحكومة في التخطيط لتنويع الاقتصاد لتقليل اعتمادها على عائدات النفط والاستثمار في الزراعة والصناعة والسياحة؛ سيؤدي ذلك إلى زيادة فرص العمل الجديدة وتقليل البطالة.
8. البنوك الموثوقة: فشل الحكومة العراقية في مراقبة البنوك العراقية التي تشكو من عدم الثقة بها وطنيا ودوليا بسبب تعاملاتها المشبوهة مع الدول المحظورة وعدم التزامها بالقوانين الدولية المتعلقة بغسل الأموال. ولذلك نرى أن البنك الفيدرالي الأمريكي قد حظر استخدام البرمجيات والتعامل مع هذه البنوك عالمياً لحماية الأموال العراقية، وهذا يقلل من ثقة المستثمرين الأجانب في البنوك العراقية والاستثمار في العراق، وهذا سيؤخر البرنامج الحكومي.
تم تصميم الأمر التنفيذي رقم 13303 لحماية موارد العراق المالية والاقتصادية من الإجراءات القانونية التي يمكن أن تعيق جهود التعافي وإعادة الإعمار في البلاد، وبالتالي دعم الأهداف الإستراتيجية والإنسانية الأمريكية الأوسع في المنطقة.
لقد أصبح هذا الأمر التنفيذي ورقة ضغط بيد واشنطن للسيطرة على أموال العراق وسيادته، وهذا ما يفسر عدم قدرة العراق على المضي في إنشاء الحرير الذي وقع عليه السيد عادل عبد المهدي وأدى إلى إسقاط حكومته في الوقت الذي تولى فيه الأمريكيون السلطة.
وشجع مشروع الشام الجديد بين (الأردن - مصر - العراق) الذي وقع عليه السيد مصطفى الكاظمي، وهذا المشروع سيفيد حلفاء أميركا. وتقدر قيمة اتفاقية الطريق التنمية الجديد التي وقعها محمد شياع السوداني بين (الامارات - قطر - العراق - تركيا) بأكثر من 13 مليار دولار. وهي تنتظر الموافقات الأمريكية النهائية لتمويل المشروع من حسابها لدى البنك الفيدرالي الأمريكي.
إن إنهاء الوصاية الأمريكية على الأموال العراقية سيتطلب قراراً سياسياً جريئاً من جميع الأطراف في العملية السياسية لترشيد الإنفاق العراقي على جميع المستويات، تماماً كما حدث لسداد الدين الكويتي. ويمكن سداد هذه الديون عن طريق الاستعانة بمكاتب محاماة دولية للتفاوض مع هذه الشركات وتخفيض وإعادة هيكلة الديون حتى يتم سداد جميع الديون.
وسوف يستغرق هذا الاتفاق سنوات، وسيتمكن العراق بعد ذلك من التحرر من هذه الهيمنة واستعادة سيادته المالية الكاملة. إن نهاية الرقابة على الأموال العراقية لن تتم إلا إذا كان لدى الحكومة رؤية قوية وخطة مالية لتقليل النفقات وإنهاء الفساد واستعادة الثقة في البنوك العراقية دوليا.