ريادة صحفية وإذاعية كوردية تشهد بها القاهرة.. الإعلام الكوردي تاريخ وعلاقات وطيدة بين مصر وكوردستان
فى أبريل من كل عام يتذكر الإعلاميون تاريخا مهما فى تجربة الإعلام الكوردي ، حيث صدور أول صحيفة كوردية فى مصر بعنوان "كوردستان" وذلك فى 22 أبريل من عام 1898 ،والتي يمر على صدورها اليوم 127 عام في فترة حكم الخديوي عباس حلمي الثاني “سابع من حكم مصر من أسرة محمد علي باشا”.
وظلت تلك الصحيفة منبرا للكتابات السياسية والأدبية والإجتماعية، وكتبت فيها سيدات كورديات، وعندما أدرك العثمانيون خطورتها حاربوا التجربة وأصدروا قرارات بغلقها ، بل ومعاقبة مؤسسها سليل العائلة البدرخانية ،الأمير مقداد مدحت بدرخان، تلك العائلة التي حكمت جزيرة بوطان.
ليس هذا فقط بل كان للكورد دورهم فى التأسيس لأول إذاعة كوردية ناطقة باللغتين الكوردية والعربية فى القاهرة ، لتؤكد أن الكورد كانو سباقين فى التاسيس للعمل الإذاعي فى العالم .
الإعلام الكوردي في مصر ظاهرة فريدة تعكس تاريخًا طويلاً من النضال الثقافي والهوية القومية عبر أكثر من قرن من الزمن. بدأت هذه التجربة الصحفية والإعلامية في أواخر القرن التاسع عشر مع صدور صحيفة "كوردستان" في القاهرة عام 1898 على يد الأمير الكوردي مقداد مدحت بدرخان الذي كان يسعى إلى نشر الوعي الثقافي بين الشعب الكوردي وتحفيزه على التعليم والانفتاح على الحضارة الحديثة.
صدرت الصحيفة باللغة الكوردية باللهجة الكرمانجية مكتوبة بالحروف العربية وكانت تصدر مرتين شهريًا لتصل إلى 31 عددًا خلال أربع سنوات حتى عام 1902.
طُبعت الصحيفة في البداية في القاهرة وذلك فى المطبعة البولاقية ، ثم تنقلت بين جنيف ولندن وفولكستن بسبب الضغوط العثمانية التي كانت تمنع النشر باللغة الكوردية.
وكان الهدف من هذه الصحيفة خدمة الشعب الكوردي من خلال تعزيز هويته الثقافية ونشر الفكر الحديث وتحقيق التفاهم مع القوميات الأخرى مثل الأرمن، إذ حرص الأمير بدرخان على رفع الوعي الوطني والإنساني والابتعاد عن النزاعات القومية التي تؤدي إلى تفتيت الشعوب.
شكلت "كوردستان" أول تجربة صحفية كوردية عالمية وأثبتت أن القاهرة كانت حاضنة للثقافات والحركات الفكرية المختلفة في ذلك الوقت، حيث كانت بمثابة منارة للنهضة الفكرية في الشرق الأوسط فتحت أبوابها للصحافة المهجرية والمنفى من مختلف الأجناس القومية. وظهر هذا التأثير في الاهتمام الذي أبدته مجلة الهلال المصرية التي نشرت تحقيقًا مفصلًا عن الصحيفة معبرة عن فخر الشعب المصري باحتضان أول جريدة كوردية في تاريخ الصحافة الكوردية. تميزت الصحيفة بطرحها لرسائل السلام والتفاهم بين الشعوب وسعت إلى دعم التعليم والثقافة الحديثة كوسيلة لتخليص الكورد من التهميش السياسي والثقافي في ظل السلطنة العثمانية. وبعد مرور أكثر من نصف قرن.
وقد شهد الإعلام الكوردي في مصر قفزة نوعية مع تأسيس القسم الكوردي في إذاعة القاهرة عام 1958 بمبادرة من الرئيس جمال عبد الناصر الذي كان يؤمن بأهمية تمكين الأقليات القومية ضمن النسيج الوطني.
بدأ البث في الأول من يونيو واستمر حتى عام 1964 حيث تضمن برامج متنوعة تجمع بين القرآن الكريم والنشيد القومي الكوردي "أي رقيب" والبرامج الأدبية والفنية والموسيقية والسياسية.
و كان البث يوميًا لمدة ساعة من الرابعة إلى الخامسة عصرًا، واستهدف الكورد في العراق وإيران وسوريا وأرمينيا ولبنان والأردن إضافة إلى الجاليات الكوردية في مصر نفسها.
ولعبت تلك الإذاعة دورا مهما فى تعزيز مكانة الكورد واللغة الكوردية خارج الحدود الكوردية من خلال تقديم برامج ثقافية وتاريخية وأدبية وكذلك استضافة شخصيات كوردية بارزة منها الشيخ عمر وجدي المارديني والدكتور فؤاد معصوم. كما كانت هناك فرقة إنشاد كوردية تضفي بعدًا فنيًا على البث الإذاعي.
كانت تجربة القسم الكوردي في إذاعة القاهرة علامة فارقة في تاريخ الإعلام الكوردي لأنها أتاحت صوتًا رسميًا للكورد في العالم العربي. لكن هذه التجربة لم تخلُ من التحديات إذ عارضتها بشدة حكومات العراق وإيران وتركيا التي مارست ضغوطًا على مصر، مما أدى إلى إغلاق القسم عام 1964.
وبرغم تلك المحاولات ظل الدور الذي لعبه القسم في تعزيز الوعي القومي الكوردي والارتباط الثقافي مع العالم العربي له اثره بل يظل تاريخا يوثق الإثر الكوردي الخالد فى الإعلام والثقافة العربية .
ويظل الإعلام الكوردي في مصر شاهدًا حيًا على التاريخ الثقافي المشترك والتفاعل الإنساني الذي تجاوز الحدود والاختلافات السياسية، وهو نموذج يحتذى به في دعم التنوع الثقافي وقبول الآخر. في نهاية المطاف، إن تجربة الإعلام الكوردي في مصر تعكس نضال شعب عريق يسعى للحفاظ على لغته وهويته وحقوقه، كما تؤكد على دور مصر كمنصة متعددة الثقافات تمكّن الأصوات المهمشة من التواجد والتأثير.
وما بين جريدة "كوردستان" التاريخية التي كانت بداية للصحافة الكوردية، إلى القسم الكوردي في الإذاعة الرسمية، وصولًا إلى الإذاعة الرقمية الحديثة، يستمر الإعلام الكوردي في مصر كصوت نابض بالحياة يعبر عن التاريخ والهوية والتطلعات المستقبلية لشعب يطمح للحرية والاعتراف.
وقد كانت الصحف المصرية ومنها صحيفة الأهرام داعمة بقوة لقضايا الكورد، إذ برزت أخبار زيارة الملا مصطفى البارزاني وهو قادم من موسكو إلى مصر في يوم 3 تشرين الأول (اكتوبر) 1958 ولقاءه للزعيم جمال عبد الناصر، والذي رحب بالوفد قبل عودتهم إلى كوردستان ،مما يؤكد أن الإعلام كان وسيظل جسر تفاهم ودعم بين كوردستان ومصر .