(النور الذي حاول الظلاميون إطفاءه… لكنه سيعود أشدَّ وهجًا)
بعد ليلة مُظلمة انقطعت فيها الكهرباء قسرًا إثر الهجوم الإرهابي على كور مور، وجدتُ نفسي عصر اليوم أتجوّل في بارك الشهيد سامي عبد الرحمن في قلب أربيل. وفي لحظة تأمل، التقطتُ ورقة شجر صغيرة رفعتها نحو شمس أربيل الدافئة، فانفجرت من خلالها خيوط نورٍ هادئٍ وساحر. التقطتُ الصورة بهاتفي، لكن ما التقطته روحي كان أعمق بكثير…
تذكّرتُ عمي الحبيب، الفنان الكبير زهير عبد المسيح، الذي علّمنا في طفولتنا كيف يرى الإنسان النور في أدقّ التفاصيل، وكيف يخلّد الحياة بعدسته كما خلّد هو طبيعة كوردستان في فنه المسرحي والتلفزيوني والفوتوغرافي.
وفي تلك اللحظة، تذكرت قول مولانا جلال الدين الرومي:
“لا تجزع من جرحك، وإلا فكيف للنور أن يتسلل إلى باطنك؟”
نعم… لم يُؤلمني الجرح اليوم، لأنني أعرف أن هذا الجرح جزءٌ من رحلة الشفاء.
وأعرف أننا سننهض، وأن أطفالنا لن يعودوا إلى الظلام الذي عرفناه.
*( رۆناكى… حين ينهزم الظلام لأول مرة)
بفضل مشروع رۆناكى (النور)، بدأ أطفال كوردستان يكبرون أخيرًا دون خوف من بردٍ يقطع الأنفاس أو حرٍّ يلهب الصدور.
يكبرون دون أن يدرسوا تحت دخان الفوانيس ورائحتها الخانقة التي علقت في ذاكرتنا وصدورنا يومًا،
تلك الليالي الطويلة التي كان فيها الحلم الأكبر… مجرد مصباح كهربائي لا ينطفئ.
ولأول مرة منذ عقود،
أُطفئت آلاف المولدات الأهلية،
وتنفّست مدننا هواءً أنقى،
وأُضيئت البيوت بنورٍ مستقر،
وحصلت العائلات على كهرباء مستمرة طوال 24 ساعة، كرامة أساسية لا يجوز أن تُنتزع من أي إنسان.
*(الهجوم على كور مور… عودة الجرح القديم)
لكن بعد الهجوم الأخير، عاد إلى الذاكرة ذلك الجرح الذي تمنيت ألا يعيشه أي طفل من أطفال كوردستان والعراق مجددًا.
عاد بي الزمن إلى طفولتي في حربَي إيران والخليج:
• ليالٍ متجمّدة
• ماء بالكاد نستطيع غليه
• كتب تختفي بين ثنيات الظلام
• خوف يبتلع أنفاس الصغار
• وحياة يمكن أن تتوقف في أي لحظة
وهنا يتكرر السؤال الذي يوجع القلب:
هل سيعود أطفالنا ليختبروا الظلام الذي هربنا منه؟
هل سيكبرون بالخوف نفسه الذي لازم طفولتنا؟
*(التضامن مهم… لكن حماية الحياة أهم)
أشكر كل من عبّر عن تضامنٍ واستنكار، محليًا وإقليميًا ودوليًا.
لكن الحقيقة التي يعرفها كل أب وأم هي:
أطفالنا لا يجب أن يدفعوا ثمن صراعات لا ذنب لهم فيها.
إنهم يستحقون نورًا لا ينطفئ،
ودفئًا لا ينقطع،
ومستقبلًا لا تصنعه الطائرات المسيّرة ولا صواريخ الحقد والكراهية.
الهجمات على كوردستان ليست فقط استهدافًا لمحطة غاز أو شبكة كهرباء.
إنها استهدافٌ لكرامة الإنسان،
لاستقرار المجتمع،
ولمستقبل جيلٍ كامل يحق له أن يعيش بسلام.
*(نداء إلى المجتمع الدولي… وإلى بغداد)
على المجتمع الدولي أن يتحمّل مسؤولياته… فالصمت لم يعد خيارًا.
هذه الهجمات يجب أن تتوقف الآن… لا غدًا.
ونطالب المجتمع الدولي والدول الحليفة الصديقة، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية،
أن تمنح إقليم كوردستان القدرة العسكرية والتكنولوجية اللازمة لتمكينه من الدفاع عن نفسه وعن مؤسساته الاستراتيجية ضد هجمات المسيرات والصواريخ؛
فهذه ليست رفاهية عسكرية، بل شرطٌ أساسي لبقاء الحياة المدنية، ولحماية المنشآت التي يعتمد عليها ملايين المواطنين في الإقليم والعراق.
وعلى الحكومة الاتحادية في بغداد أن تفي بكامل التزاماتها الدستورية:
حماية المواطنين،
حماية البنى التحتية،
وحماية الحق في الحياة الكريمة.
وعلى العراقيين جميعًا أن يفهموا الحقيقة المؤلمة:
في كل مرة ينهض فيها جزءٌ من العراق ليتطور ويتقدم، يظهر من يريد هدمه وإعادته للوراء.
يريدوننا معتمدين عليهم… تابعين لهم… خائفين منهم.
أما نحن في إقليم كوردستان، فقد اتخذنا قرارنا:
بهِمّة رجلٍ فذّ، كاكه مسرور،
رجلٍ قرّر… ونفّذ…وتحمل المسؤولية بشجاعة وعزيمة لا تلين.
فنحن هنا أسياد أنفسنا،
معتمدون على إرادتنا،
شجعان لا تهزّنا خفافيش الظلام ولا جرذان الحسد ولا وحوش الحقد والكراهية.
وهم، كلّهم، ينكسرون دائمًا أمام جبال كوردستان،
ويتلاشى بطشهم هباءً منثوراً عند أبواب أربيل وقلعتها وصمود شعبها الأبي.
ومن أربيل، مدينة القلعة والمنارة، نمدّ أيدينا إلى كل العراقيين لنقول:
عدوّنا واحد… يا إخوتي، عدوّنا واحد.
*(أطفال الرافدين… يستحقون الحياة)
في بلاد الرافدين،
يستحق أطفالُنا النور لا الظلام،
الدفء لا الخوف،
والحياة… لا تهديد الموت المتكرر.
هذه مسؤوليتنا جميعًا، ومسؤولية كل من بقي في قلبه ذرة إنسانية.
فالنور الذي ناضلنا من أجله لن نسمح لأحدٍ بأن يطفئه.
لن نسمح بذلك… مهما كان الثمن.
*(اللحظة التي قال فيها الأطفال الحقيقة)
وعند خروجي اليوم من بارك سامي عبد الرحمن، سمعت مجموعة من الأطفال ينشدون بصوتٍ واحد وبعفوية النشيد الوطني الكوردستاني.
توقّفت…واستمعت بفرح كبير لكلمات معبرة تنبع من قلوب نقية وعلقت في أذني جملة صرت أرددها بيقينٍ اكبر وإيمانٍ وثبات:
(زیندووە… قەت نانەوێ ئاڵاکەمان)
شعبنا ينبض بالحياة… ولن ننكس رايتنا ابداً.