بدل رفو
محرر
حين تعبر الكلمات حدود الخيال: رحّالان من المانيا في دروب كوردستان
في الليالي الهادئة من مخيمٍ على سفح جبل يطل على مدينة شفشاون في المغرب، حيث يختلط صمت الطبيعة بأحاديث الغرباء، لم أكن أتوقع أن يصبح حديثي عن كوردستان بذرة لرحلةٍ طويلة. كنا ثلاثة غرباء تحت السماء المفتوحة: أنا، ورفيقان من رحّالة العالم (ميخائيل وتانياــ من المانيا) ولكنهما جابا العالم بمركبتهم المتنقلة ، التقينا مصادفة وجمعتنا حكايات سفر وحكايات كبيرة. حدّثتهما عن بلادي كما تُحكى الأساطير عن جبالٍ تشبه شموخ الأزمنة،عن جبل الصوامع ووديانٍ تتنفس ماءً عذبًا، وقرى متربعة على كتف الطبيعة كأنها جزء من تكوين الأرض.
لم أكن أقصد أن أغريهما بالسفر، كنت فقط أتهجّى الحنين، لكن الكلمات كما في كل سفر كانت تمتلك نواياها الخاصة.
الطريق الذي شقّته الحكاية
بعد أشهر، وصلتني رسالة منهما. قالا فيها: لقد اتخذنا قرار الرحيل… نحو كوردستان
لم أُعِر الأمر جدية كاملة، حتى جاءت اللحظة التي رأيتهما فيها يعبران طريق قريتي بسيارتهما المتنقلة الكبيرة، كأنهما شقّا القارات ليصلا إلى حدود الحكاية التي بدأت هناك، في قلب جبال المغرب.
استقبلتهما القرية كما تستقبل الغابات مطرها الأول والشكر الجزيل للاستاذ مدير مدرسة القرية (رمضان عبدي) على حرارة الاستقبال . تجوّلا بين الأزقة الضيقة، دخلا مدرسة القرية، حيث ارتفعت ضحكات الأطفال كأغنية مبهجة. التقطا صورًا لي معهم، ومع وجوه القرويين الطيّبة، وهم لا يصدقون أن حكاية قيلت في بلد بعيد قادت رحّالين إلى هذا المكان المنسي عند أطراف الجبال، قرية الشاعر الكبير صديق شرو!
في تلك اللحظة شعرت بأن ما يفعله الأديب ليس مجرد كتابة هو أن يحوّل البلاد التي يحملها في قلبه إلى رغبة صادقة في قلوب الآخرين. أن يصبح الوطن رحلة في خيال الغريب… ثم على أرضه ومن هناك تبدأ حكايات الاوطان.
ألقوش… مدينةٌ تتكئ على الجبل
من قريتي توجّه الرحّالان إلى ألقوش، المدينة التي تنام على سفح الجبل كما لو أنها تستند إلى ذاكرة تعود لآلاف السنين. هناك في ظلّ الأديرة القديمة وبيوت الحجر عرفا أن المدن ليست أبنية فحسب، بل أرواحًا متراكمة وزارا متحف المدينة وفرح مدير المتحف حين علم بانهم اصدقائي.
واتخيل انا : وقفتُ معهما عند مشارف المدينة، حيث تلوح البيوت البيضاء كعناقيد نور، وأخبرتهما عن أهلها الذين عاشوا بين الخوف والرجاء، وعن صمودها في وجه التاريخ المتقلب. كانا يصغيان بشغف اليائس الذي وجد مكانًا ظنّ أنه لن يراه يومًا إلا في الكتب
معبد لالش… حين يلتقي الضوء بالروح
ومن ألقوش اتجها صوب معبد لالش، المكان الذي تحفه القداسة من كل الجهات. هناك، كان الحجر يحكي بلسان الصمت، وكانت الأنوار الخافتة ترسم على الوجوه ملامح احترام لا يُشبه إلا رهبة اللقاء الأول بالمقدّس
في لالش، بدا الرحّالان وكأنهما اكتشفا معنى جديدًا للسفر: أن تبحث عن الذات في أماكن لا تشبه وطنك، لكنها تهمس لروحك بلهجةٍ مألوفة. قالا لي كم الايزديون رائعون !
الأدب… جواز سفر غير مرئي
عندما ودّعتهما، أدركت أن الكاتب لا يحتاج إلى خرائط ليقنع الآخرين بالطرق التي يحبها. يكفي أن يتحدّث بصدق، فيغدو الوطن جسرًا، وتصبح الكلمة قطرة ضوء تفتح الدروب وفي مقاهي شفشاون ارتشفنا الشاي المنعنع وكنت دليلهم في المدينة القديمة .
لقد جاءا من بعيد لأن قصة قيلت يومًا في مخيمٍ مغربي، تحولت إلى اتجاه في البوصلة. وهكذا يفعل أدب الرحلات: يجعل العالم أصغر، والقلوب أوسع، والبلاد التي نحملها في ذاكرتنا — أقرب مما نظن!!