حين تُختزل الدولة بالأسماء.. لا بالبرنامج القادم

أرشيف
أرشيف

من سيكون رئيس الوزراء القادم والذي ستتوافق عليه الأحزاب الشيعية في تناحر كبير ؟ ومن سيختاره الكورد لرئاسة الجمهورية؟ ومن يتولى رئاسة البرلمان من الطيف السني ؟

أسئلة تتكرر يوميًا منذ أن أعلنت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات نتائجها النهائية. هي أسئلة مشروعة في ظاهرها، لكنها تكشف في عمقها أزمة تفكير سياسي حقيقية، إذ جرى اختزال الاستحقاق الوطني في أسماء لا في مشاريع، وتحولت هذه الأسئلة إلى لازمة ثابتة في البرامج التلفزيونية وعلى مختلف الشاشات حيث يُستضاف العشرات من المحللين يوميًا، وأحيانًا من يقرأون الطالع أكثر مما يقرأون الدستور، ليُعاد السؤال ذاته: من سيكون؟

تتكرر الأسئلة وتدور الإجابات في حلقة مفرغة، فيما يغيب النقاش الجاد حول ما يحتاجه العراق في هذه المرحلة الدقيقة فالإشكالية الحقيقية لا تكمن في الأسماء بقدر ما تكمن في غياب النقاش المسؤول حول المرحلة المقبلة ، نادرًا ما نسمع من يتوقف عند الأسئلة الأكثر جوهرية: ما هي الخطوات المطلوبة لإنقاذ المسار السياسي؟ ما هو البرنامج القادر على إدارة التحديات المتراكمة؟ وأين هي خارطة الطريق التي تضع مصلحة الدولة فوق حسابات المواقع والمناصب؟

في خضم هذا الضباب السياسي، يبرز موقف القيادة البارزانية الحكيمة والحزب الديمقراطي الكوردستاني بوصفه موقفًا قائمًا على رؤية واضحة لا على ردود الأفعال رؤية تنطلق من الدستور كمرجعية، ومن الشراكة الحقيقية كأساس، ومن التوازن والتوافق السياسي كضمانة للاستقرار، بعيدًا عن منطق الغلبة أو الإقصاء الذي أثبت فشله مرارًا.

الحزب الديمقراطي الكوردستاني لا يتعامل مع الاستحقاقات بوصفها سباقًا على المناصب، بل اختبارًا حقيقيًا لقدرة النظام السياسي على تصحيح مساره. لذلك يتجاوز طرحه منطق تقاسم المواقع إلى منطق بناء الشراكة، ويقدّم البرنامج على الاسم، والمسار على المنصب.  كما ان هَمُّه لا يقتصر على ما يتحقق للكورد فحسب، بل ينطلق من قناعة راسخة بأن ما يمكن أن يُبنى هو عراق مستقر، يستند الى مرجعية الدستور كضمانة للجميع لأن التجربة أثبتت أن استقرار كوردستان لا ينفصل عن استقرار بغداد، والعكس صحيح.

وهنا تكمن المفارقة الواضحة. ففي الوقت الذي ينشغل فيه كثيرون بسؤال “من سيكون؟”، يطرح الديمقراطي الكوردستاني السؤال الأهم: “كيف يجب أن يكون العراق؟”. وهذا الفارق، في لحظات التحول الكبرى، هو ما يصنع سياسة مسؤولة أو يعيد إنتاج الأزمات ذاتها.

من دون شراكة فعلية لا يمكن الحديث عن دولة، ومن دون توازن في السلطة لا يمكن تحقيق العدالة السياسية، ومن دون توافق وطني ستبقى الحكومات مؤقتة حتى وإن اكتملت مددها الدستورية. ومن هنا يضع الديمقراطي الكوردستاني تصوره بوضوح: دولة تُدار بالتفاهم لا بالإملاء، وبالبرامج لا بالشعارات.

الفرق بين من يسأل عن الأسماء ومن يسأل عن شكل الدولة هو الفرق بين سياسة تُنتج الأزمات وسياسة تحاول معالجتها. وفي لحظة مفصلية كهذه، يحتاج العراق إلى من يغيّر السؤال لا إلى من يكرره، وهذا بالضبط ما تطرحه القيادة البارزانية: الانتقال من هوس المناصب إلى عقل الدولة.